منتديات بحر المعارف - www.ifada.ace.st
اهلا و سهلا و مرحبا بك زائرنا العزيز في موقع و منتديات بحر المعارف

نشكرك على زيارتك للمنتدى

ننتظر منك التسجيل في المنتدى و المشاركة بكل جديد و مفيد

شاطر
استعرض الموضوع السابقاستعرض الموضوع التالي
avatar
زائر
زائر
06052010


الحلقة 29

(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ﴿١﴾مِنْ شَرِّ مَا
خَلَقَ ﴿٢﴾ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ﴿٣﴾ وَمِنْ شَرِّ
النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ﴿٤﴾ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ﴿٥﴾
الفلق)


د.
الربيعة:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد
لله وأصلي وأسلم على نبينا محمد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين. نجدد معكم
اللقاء في تمام حديثنا في هذا البرنامج المبارك لنحيا بالقرآن ومع تمام
سورة تحدثنا عنها في المجلس الماضي هي سورة الفلق. ولعلنا نجدد الحديث عن
مقصدها ونتابع آياتها. هذه السورة سورة الفلق ومعها الناس المعوذتين سبب
نزولهما هو التعوذ بالله من الشرور الظاهرة والباطنة ومعنى آخر هذه السورة
هي للتحصن والوقاية من الشرور كلها ظاهرها وباطنها، سورة الفلق ظاهر في
كونها ي الشرور الظاهرة وسورة الناس في كونها من التحصن والتعوذ بالله
تعالى من الشرور الباطنة. وقفنا في هذه السورة مع قوله عز وجل (وَمِنْ
شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ) فهل لك أن تعطينا لمحة ووقفة.


د.
الخضيري:
هذه السورة تعوذت من الشرور كلها (قُلْ
أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ﴿١﴾مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ﴿٢﴾) كما بينا في
الحلقة الماضية واليوم نذكر الشرور المفصلة التي ذكرت في هذه السورة. وهذه
الشرور المفصلة جاءت ثلاثة الأول الليل (وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا
وَقَبَ) والثاني السحر (وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ)
والثالث الحسد (وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ).


د.
الربيعة:
قد يسأل سائل ما سر تخصيص هذه الأمور
الثلاثة؟


د.
الخضيري:
الله أعلم ليس عندي تحقيق من هذا لكن
لشدة الشرور الواقعة من خلال هذه الأشياء الثلاثة وخفائها وكثرتها وأيضاً
مهما اتخذ الإنسان من احتياطات لوقاية نفسه منها فإنه لا يستطيع ولذلك لا
بد له من أن يستعيذ بالله عز وجل ويعتصم بجنابه من الوقوع في شيء من شرّها.
نبدأ بالاستعاذة من الليل ومن المناسب اننا نسجل هذه الحلقة في الليل
ونقول يستعاذ بالله من شر هذا الغاسق الليل الذي تشاهدونه، هذا الليل إذا
وقب هو الذي يستعاذ منه، لماذا الليل؟ لأنه تختبئ في ظلمته شرور كثيرة
فالمفسدون في الأرض يختبئون في ظلمة الليل ويخططون في ظلمة الليل ويحبكون
المؤامرات في ظلمة الليل، الذين ينشرون الفساد لا يقومون بذلك إلا في ظلمة
الليل، الذي يريدون أن يسرقوا أموال الناس ويقطعوا طريقهم لا يعملون إلا في
الليل، الهوام والدواب لا تسري بين الناس وتؤذيهم فتلسعهم وتلدغهم إلا في
الليل. وشياطين الجن تتحرك في بداية الليل كما قال النبي صلى الله عليه
وسلم "كفّوا صبيانكم" يعني عند غروب الشمس فإن للشياطين انتشاراً. أيضاً
السباع من الذئاب والثعالب والأسود والفهود والنمور وغيرها إنما تذهب للبحث
عن صيودها في الليل وتؤذي الناس في الليل. البث الفضائي والبث الإذاعي
بالأغاني والمجون يكون في الليل، الرقص يكون في الليالي الحمراء والبارات
والخمّارات لا يكون إلا في الليل.


د.
الربيعة:
إذن الإنسان وهو يتعوذ بالله من شر الليل
يستحضر هذه المعاني ومنها اصحاب الشر الذين يظهرون في الليل ومنها كما
ذكرتم أصحاب القنوات وأصحاب الفساد وغيرهم


د.
الخضيري:
نعم يستحضر هذا كله ويتعوذ بالله من هذا
الليل إذا دخل لكثرة ما يكون فيه من الشر, العباد ينقسمون في الليل
إنقساماً ظاهراً فمن الناس من اتخذ الليل مطية للعبادة ومناجاة الله
والخلوة بالله سبحانه وتعالى ينقطع عن الدنيا وما فيها وشاغلها وهؤلاء هم
خيار أهل الأرض وهكذا كان الأنبياء والصالحون من عباد الله إلى يومنا هذا
وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ومن الناس من يتخذ هذا الليل وسكونه
وهدأته في نشر الفساد وترويجه ويتدثر هذا الليل من أجل أن يفسد في الأرض
نسال الله العافية والسلامة، أولئك شرار الخلق. الليل شيء واحد ومع هذا
يستعمل في الحق وفيما يتقرب به إلى الله وفي الوقت ذاته يستعمل في شر شيء
يكسبه الإنسان. ومعنى الغاسق هو الليل، وورد في الحديث (وهذه نبينها للناس
حتى لا تُشكل عليهم) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة وهو يشير إلى
القمر إستعيذي بالله من شر هذا الغاسق إذا وقب. فقد يقول قائل النبي صلى
الله عليه وسلم اشار إلى القمر فهل هذا يتعارض مع صدّرتم به الآية أنه
الليل؟ نقول لا تعارض


د.
الربيعة:
هو هنا تعوذ فأنت تتعوذ بالله من شر هذ
الليل ثم المعنى الآخر القمر أنه هو موضع الإضاءة وموضع النور والضياء
والكشف فلعلك تستعيذ برب هذا القمر الذي يضيء أن يكشف لك هذه الظلمة وما
فيها من الشرور ويزيلها عنك. هذا معنى لعله ظاهر في هذا.


د.
الخضيري:
أنا لا أعرف هذا المعنى ولعله إن شاء
الله يكون مقبولاً أو شيئاً مما يتسع له صدر المفسِّر. لكن ذكر العلماء أن
النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى القمر وأراد به أنه آية الليل لأن القمر
يظهر في الليل، فالآية اشرات إلى الليل والنبي صلى الله عليه وسلم ذكر
علامة الليل وهو ظهور القمر والله أعلم..


د.
الربيعة:
بعد ذلك يقول الله سبحانه وتعالى (وَمِن
شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ)


د.
الخضيري:
قبل ذلك بقي أمر مهم نحن دائماً نحاول أن
نربط الآيات بالواقع فنقول هذا الليل يمكن أن يستعمل بالخير ويمكن أن
يستعمل في الشر فهو آية من ىيات الله وعلينا أن نستعمله في الخير وأن لا
نتخذه مطيّة إلى الأعمال السيئة، هذا أولاً. ثانياً أن نتقي الشر والأشرار
في هذا الليل فنكفّ أبناءنا ونمنعهم من السهر ونحرص على أن نجتمع بهم في
أول الليل ثم نطمئن أنهم أخلدوا للراحة والنوم ولا نسمح لهم بالخروج إلا في
حدود الحاجة والضرورة ولا نتيح لأبنائنا أن يعبثوا بالأمن ويذهبوا للأسواق
ويسيئوا بالأمن ونحن في فروشنا فيؤذوا عباد الله ونكون قد تحملنا وزرهم.


د.
الربيعة:
في الحقيقة في الليل يجتمع شياطين الإنس
والجن فيكون سبباً في الفساد المركّب. بعد ذلك يقول عز وجل في الشر الذي
يستعيذ الإنسان منه (وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ)


د.
الخضيري:
المقصود بها السحر بغض النظر هل النفاثات
هم السواحر أو الأنفس السواحر، المقصود بأن السحر شرّه عظيم وخطره بالغ
ولأنه شيء غير مشاهد ولا يمكن أن يحترز منه فجعله الله مما يستعاذ منه في
هذه السورة.


د.
الربيعة:
وهذا أمر ظاهر في الناس بسبب ما يكون
بينهم من الشحناء والبغضاء وما يوغره الشيطان في صدورهم من العداوة فهذا
السحر من أسباب إظهار الشر بينهم وهو واضح ظاهر في وقتنا الحاضر نسأل الله
العافية. كم نسمع من السواحر والسحرات الذين انتشر شرهم فيستعيذ الإنسان
بالله من شر هذا السحر وأهله. والتعبير بالنفّاثات هل هو دلالة على
الساحرات أو الأرواح والأنفس السواحر؟ أقول تعبيره بالنفث للإستعاذة من شر
هذا الساحر في وقت سحره ونفثه وهو اجتماع الأرواح الشريرة وقت فعل هذا
الساحر لهذا السحر فينبغي للإنسان أن يستحضر هذا المعنى وأقول أن من أعظم
ما يدفع شر الساحر والسحرة عنه أن يمتثل أمر الله عز وجل ويستعيذ بالله عز
وجل من شرهم فيقرأ هذه السورة. هذه السورة من أعظم العلاج لدفع هذا السحر
وهذا الشر العظيم.


د.
الخضيري:
ونقول ايضاً أنه متى علمت أخي المشاهد
بساحر أو ساحرة يمارس هذا السحر فعليك أن تقوم بواجبك بإبلاغ السلطات
والجهات المعنية عن هؤلاء لأنهم مفسدون في الأرض. وليسوا مفسدين فقط بل
كفار والعياذ بالله لأن الساحر لا يتمكن من السحر حتى يخضع للجن ويعبدهم من
دون الله، بل إننا وجدناهم ورأيناهم بالصور وهم والعياذ بالله يطأون على
المصاحف ويبولون عليها ويتغوطون والعياذ بالله عليها ويضعونها في دورات
المياه إرضاء لجنّهم وشياطينهم حتى يسخروا لهم ما يريدون أن يفعلوه بالناس.
فالسحر بوابة الكفر لا يمكن للإنسان أن يكون ساحراً حتى يكفر بالله عز
وجل. إذن نحن نقول متى علمتم بساحر أو علمتم بساحرة فاجتهدوا أن تكافحوهم
وأن تقلعوا هذا الشر والفساد من أرض الله. وحدّ الساحر كما ورد في الحديث
ضربة بالسيف فيجب أن يُستأصل هؤلاء الأشرار من الأرض.


د.
الربيعة:
ما أرحم الله تعالى بنا عندما أمرنا
بالتعوذ من هذا الشر العظيم. الشر الذي أمرنا الله بالإستعاذة منه هو الحسد
والعين (وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ)


د.
الخضيري:
والحسد شيء خفيّ ولا يكاد يخلو جسد من
حسد ولكن المؤمن يدفعه ويرضى بقضاء الله وقدره ويطمئن لأمر الله. عندما
تعلم أن أخاك أصابه مال كثير قد يقع في قلبك خواطر هذا الحسد لكنك لما
تتذكر أن هذا فضل الله وأن الله يعطي من يشاء ويمنع من يشاء وأن الله كما
أعطى الآن فهو سيعطي بعد آن وأن نعم الله ليست مقصورة. ذكِّر نفسك بأشياء
كثيرة هذا يدفع عن بإذن الله عز وجل الحسد فيذهب عنك ولا تلام على ما وقع
في قلبك لكن المنافق والفاسق والذي لا يرضى بقضاء الله ولا يطمئن لوعود
الله ماذا يفعل؟ إنه يطمئن للحسد ويبدأ هذا الحسد يفعل فعله في نفسه فما
يزال يحسد أخاه حتى يكيد له وحتى يصيبه بعينه ويؤثر عليه ويؤذيه أذى بالغاً
وهو شر عظيم ومن آثاره العين وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في العين
"لو كان شيء سابق القدر لسبقته العين"


د.
الربيعة:
نلحظ في هذا الزمن كثرة هذا الشر وهذا
الشر يظهر أنه يقترن كثيراً مع النعمة فإذا كثرت النعمة عند الناس حسد
بعضهم بعضاً عليها وهذا عجيب والواجب عكس ذلك أن تكون هذه النعمة سبباً في
فضل الناس بعضهم على بعض. وأشير في مناسبة هذا أننا ينبغي أن نتقي هذا
الحسد وهذه العين بأسباب كثيرة منها التعوذ بالله والتحصن وخاصة أن نحصن
أبناءنا فإن كثيراً من الناس يتساهلون وخاصة من النساء، فمنهن هداهن الله
من تزيّن أبناءها بل قد تزيّن نفسها ثم تخرج إلى تلك الأفراح والمناسبات
وتتعرض لأسباب الحسد والعين بذلك. أقول ينبغي علينا أن نتقي ذلك خاصة وأنه
قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أكثر أمته يموتون من العين. فمن أسباب
ذلك الوقاية بالتعوذ ومن أسباب ذلك البعد عن أسبابه ومسبباته. إذن هذه
السورة العظيمة سورة الفلق سورة هي توجيه ووصية من الله عز وجل لنا أن نتقي
الشرور بالتعوذ والإعتصام والإلتجاء إليه سبحانه وتعالى والتوحيد الخالص
له سبحانه وتعالى وأن نتقي هذه الشرور بالبعد عنها أولاً ونحذر أن نكون من
أهلها بالسحر والحسد والليل وغيرها. ينبغي أن نكون من أضدادها الصالحين
الذي يحبون الخير للناس، الذين يدفعون الشر عن الناس، الذين ينشرون الخير
بين الناسز هذه السورة العظيمة من الله عز وجل لنا أن نستعيذ بالله سبحانه
وتعالى من الشرور التي كم نتعرض لها في أزماننا وحياتنا. بهذا نختم حديثنا
عن هذه السورة ولنا معكم بإذن الله تعالى لقاء في مجلس آخر نسأل الله أن
يقينا وإياكم وذرياتنا وأزواجنا الشرور كلها ظاهرها وباطنها وصلى الله وسلم
على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.










عدل سابقا من قبل صقر في 06.05.10 15:08 عدل 3 مرات
مُشاطرة هذه المقالة على:Excite BookmarksDiggRedditDel.icio.usGoogleLiveSlashdotNetscapeTechnoratiStumbleUponNewsvineFurlYahooSmarking

تعاليق

avatar
avatar
الحلقة 27

(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴿١﴾ اللَّهُ الصَّمَدُ
﴿٢﴾لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴿٣﴾ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴿٤﴾
الإخلاص)


د.
الربيعة:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد
لله وأصلي وأسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين. حياكم الله في
برنامجكم المبارك الذي نلتقي فيه في ظلال كتاب الله عز وجل نحيا به من خلال
تأمل وتدبر لآيات كتاب الله سبحانه وتعالى. معنا هذا اليوم سورة عظيمة
سورة قدرها وفضلها في كتاب الله عظيم فهي سورة الإخلاص التي تعدل ثلث
القرآن. هذه السورة العظيمة حينما نتأملها حق التأمل نجدها في مقصدها
الأعظم إنها تحقق للقارئ وللمتدبر الإخلاص والتوحيد لله عز وجل فمن أراد
الإخلاص وتحقيقه، الإخلاص الاعتقادي العلمي فعليه بهذه السورة.


د.
الخضيري:
سبق وقلنا في سورة الكافرون أن اسمها
سورة الإخلاص لكن بيّنا أن الإخلاص في تلك السورة هو إخلاص في العمل وهذه
إخلاص في الاعتقاد وبهذا نعلم أن الإخلاص قسمان وعلى الإنسان أن يتقي الله
سبحانه وتعالى في امتثالهما والقيام بهما. أولاً يُخلص في اعتقاده ومعرفته
بالله فهو يعلم أن الله واحد في ذاته واحد في أسمائه وصفاته، واحد في
ألوهيته، واحد في ربوبيته، واحد سبحانه وتعالى لا مثيل له ولا ند ولا شبيه
ولا نظير جل وعلا. فإذا امتلأ قلبه بذلك إنتقل إلى شيء آخر حقق ذلك في
العبادة فلم يعبد مع الله أحداً سواه. ولذلك نلاحظ أن القارئ أو أن الشارع
شرع لنا أن نقرأ هاتين السورتين في موطن واحد فنحن نقرأ سورة الكافرون
وسورة الإخلاص في ركعتي الفجر وفي ركعتي المغرب وفي الوتر ونقرأهما عند
النوم ونقرأهما في ركعتي الطواف. وهنا أشير إلى سر جميل ذكره ابن هبيرة
رحمه الله تعالى سأل أصحابه ما الحكمة من كون الإنسان يقرأ في ركعتي ما بعد
الطواف عند مقام إبراهيم سورة الكافرون والإخلاص؟ فتأمولا ولم يجدوا شيئاً
فقال لقد وجدت أن الإنسان إذا طاف بالبيت قد يقع في ظنه أنه يعظِّم هذا
البيت ويعبد هذا البيت فقيل له إقرأ ما يحقق لك الإخلاص. وأن طوافك هذا
طاعة لله وامتثال لأمر الله وإنه لولا أن الله أمرنا بذلك لم نفعل ذلك.


د.
الربيعة:
وأيضاً شرع النبي صلى الله عليه وسلم
قرآءتها أدبار الصلوات وهذا يجعلنا نتساءل ما سر ذلك؟ قرآتها مع المعوذتين
وآية الكرسي؟


د.
الخضيري:
هذا لتجديد التوحيد فنحن نجدد توحيدنا في
كل حال. وبهذه المناسبة أحب أن اذكر بحديث عظيم رواه الحاكم، قال فيه
النبي صلى الله عليه وسلم "إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب
فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم" فالتوحيد هو حقيقة الإيمان. فأنت
عندما تسأل الله سبحانه وتعالى أن يجدد الإيمان في قلبك يعني أن يجدد
التوحيد في قلبك. فتتعلق بالله ولا تنظر لأحد سوى الله ويعظم الله في قلبك
فلا يكون هناك مزاحم لله جل وعلا لا دنيا ولا مال ولا بنين ولا غير ذلك مما
يقربه الناس ويتوكلون عليه ويحبونه أو يرجونه نسأل الله العافية والسلامة.


د.
الربيعة:
تأمل إسم السورة، هل ورد فيها؟ ما ورد في
ألفاظها، الإخلاص. هذا يجعلنا نقول حقاً إنها سورة الإخلاص ولهذا فهي تعدل
ثلث القرآن؟


د.
الخضيري:
ما سر أنها تعدل ثلث القرآن؟

د.
الربيعة:
والله أعلم ذكر بعض العلماء عدة معاني
منها أنها حين كانت تتضمن التوحيد فهذا ثلث القرآن فالقرآن توحيد وعقيدة
وأحكام وأخبار فهي بهذا المعنى تعدل ثلث القرآن لكونها تحقق التوحيد لله.


د.
الخضيري:
يعني من آمن بها واعتقدها فكأنما تحقق
بثلث القرآن وكأنما إذا قرأها قرأ ثلث القرآن لأنها تشمل التوحيد بجميع
جوانبه.


د.
الربيعة:
وهذه السورة أيضاً هي نَسَب الرب سبحانه
وتعالى كما ورد أن المشركين أتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا
إنسِب لنا ربك، فأنزل الله تعالى (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) واحد ليس له
ولد وليس له والد.


د.
الخضيري:
هو الأول والآخر والظاهر والباطن. نود أن
نقف عند هذه الأحادية، عندما نعتقد أنه واحد وأنه صمد يعني سيّد قد كمُل
سؤدده وهو سبحانه وتعالى قد عظم في قدره وأسمائه وصفاته.


د.
الربيعة:
ولهذا يقول ابن عباس في ملحظ جميل في
معنى ذكره في معنى الصمد قال هو الحليم الكامل في حلمه العلمي الكامل في
علمه القدير الكامل في قدرته الحي الكامل في حياته، فالصمد دالٌ على أن لله
عز وجل الصفات والأسماء الكاملة.


د.
الخضيري:
هذا المعنى إذا تحقق منه المسلم آمن به
وعَلِمه وبدأ يربي نفسه عليه، ماذا يعني له؟ في نظري أنه يعني له الكثير.
عندما تعلم أن الله كامل في غناه، كامل في علمه، كامل في حلمه، كامل في
سؤدده، غني عن خلقه وأننا نحن بحاجة إليه وأننا لا بد أن نصمد إليه يصمد
إليه الخلق بحاجاتهم جعل ذلك العبد أن يفتقر إلى الله تمام الافتقار فيعلم
أنه لا يستطيع أن يتصرف حتى في قبضة يده، ولا في حركة عينه ولا في نبضة
قلبه ولا في شيء مما يريد أن يفعله إلا بالله. وهذه والله لو تمكّن الإنسان
منها لكان هو الموحِّد حقاً وهو أن تعترف أنك مفتقر إلى الله وأنه لا غنى
لك عن الله طرفة عين وأن الله سبحانه وتعالى قادر عليك متمكن منك محيط بك
لا يعزب من علمك عنه مثقال ذرة ولا أضغر من ذلك ولا أكبر.


د.
الربيعة:
لعل معنى الصمد هذا اللفظ العظيم حينما
يستحضره المسلم بهذين المعنيين الأول أن الله سبحانه وتعالى كامل في كل شيء
والمعنى الآخر أن جميع الخلق محتاجون إليه حينها فعلاً نحقق معنى الإخلاص.
تعرف أن الله سبحانه وتعالى كامل في وحدانيته وألوهيته وربوبيته وكامل في
أسمائه وصفاته وإذا كان هذا المعنى العظيم لله تعالى وهو الكمال حُقَّ
للمخلوقين جميعاً أن يلتجأوا إليه سبحانه وتعالى وحُقّ لهم النقص فهو
الكامل ولهم النقص فما أحوجهم له. هذا اللفظ بهذين المعنيين يعطي المسلم
توحيداً وإخلاصاً لله عز وجل.


د.
الخضيري:
أريد أن أستعرض بعض المشاهد من حياة رسول
الله صلى الله عليه وسلم في افتقاره إلى ربه لا أقول في موطن واحد ولكن في
كل المواطن. كان عليه الصلاة والسلام كثير اللجوء إلى الله سبحانه وتعالى
وإذا فزغ عليه الصلاة والسلام وحزبه أمر فزع إلى الصلاة. اذكر على سبيل
المثال في غزوة بدر خرج مجاهداً في سبيل الله ومعه خير أهل الأرض وهم
أصحابه رضي الله تعالى عنهم، لما التقى الصفان واجتمع الجندان وحصل الخوف
قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ويناشد الله، اللهم نصرك الذي
وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تُعبَد في الأرض. الرسول صلى الله
عليه وسلم يدافع عن دين الله ويجاهد في سبيل الله وجاء إلى هذا المكان
امتثالاً لأمر الله ما الحاجة إلى الدعاء؟ هو كمال الافتقار، إظهار
العبودية، إظهار التوحيد، إظهار أنني محتاج إليك يا الله في كل شيء. هذه هي
حقيقة الصمدية يعني أن تصمد إلى الله بحاجاتك، أن تعرضها على ربك أن تعلم
أنه لا يقضيها أحد إلا الله حتى إن أبا بكر لما رأى النبي صلى الله عليه
وسلم قد رفع يديه حتى سقط الرداء من على منكبيه رفع الرداء وقال كفاك
مناشدتك ربك فإن الله منجز ما وعدك. أبو بكر يشفق على رسول الله صلى الله
عليه وسلم ويقول إن الله سينجز لك ما وعدك، أبو بكر يأتي بالبشارة لرسول
الله صلى الله عليه وسلم لأنه يعلم افتقاره إلى الله عز وجل. وهذا يذكرني
بقصة حصلت للمنذر بن سعيد البلوطي لما طلب الخليفة أن يخرج ليستسقي للناس
قال كيف تركت الخليفة؟ قال تركته وهو يتمزغ على الأرض ويقول اللهم إني
أسألك أن لا تعذبهم بسببي ولا بسبب ذنوبي فقال المنذر بن سعيد فقال يا غلام
أين الممطرة (التي تقي من المطر)؟ فقيل له كيف تفعل ذلك ولمّا تستسقي بعد؟
قال إذا ذلّ جبار الأرض رحِم جبّار السماء. رحمة الله تأتي بعد ذُلِّنا
وافتقارنا إليه. وبالفعل خرج المنذر بن سعيد فما هو إلا أن بدأ يستسقي حتى
نزل المطر كأفواه القِرب ورجع الناس وهم يتّقون المطر.


د.
الربيعة:
لعلنا نرجع إلى السورة في تمامها، القسم
الأول هو في إثبات الكمال لله والوحداني والصمدية لله سبحانه وتعالى. في
قسمها الثاني تجده نفياً بعد إثبات (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ
يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)) ملحظ جميل في قوله (لم يلد) قدّم نفي
الولد على الوالد مع أن الأصل نفي الوالد قبل الولد لم يولد ولم يلد، لماذا
قدم نفي الولد؟ لأنه لم ينسب أحد الله إلى والد وكل الطوائف نسبت إلى الله
الولد فقدّم ما هو الواقع وما هو الأهم. فالقسم الثاني كله في تنزيه الله
بعد وصفه للكمال وهو ردّ لكل الطوائف التي تزعم أن لله ولد.


د.
الخضيري:
اليهود زعمت أن عزيراً ابن الله والنصارى
زعمت أن المسيح ابن الله


د.
الربيعة:
والمشركون زعموا أن الملائكة بنات الله

د.
الخضيري:
وما زال الناس إلى اليوم ينعمون أشياء
ولداً أو بنتاً تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً وهذا من أعظم الفِرى.
هناك ملحظ لعلنا نختم به وهو قوله تعالى (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3)
وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)) جمع بين نوعين من النفي النفي
الأول نفي المفصّل وهذه ليست عادة القرآن نفي المفصّل إلا عند الحاجة يعني
عندما يكون هناك حاجة إلى نفي المفصّل فإن النفي يأتي مفصّلاً وإلا في
الأصل أن النفي يأتي مجملاً كما في قوله (وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا
أَحَد). فالأصل في الإثبات أن يكون مفصلاً وفي النفي أن يكون مجملاً فجاء
النفي هنا مجملاً وجاء النفي أيضاً مفصّلاً ولكن لأجل الحاجة. لما كانت
هناك حاجة جاء النفي فيها مفصلاً.


د.
الربيعة:
إذن نستطيع أن نقول أن هذه السورة
العظيمة سورة تحقق في نفس الإنسان الذي يقرأها بتدبر وتحقيق تحقيق الإخلاص
والتوحيد لله، فمن أراد تحقيق الإخلاص والتوحيد فليقرأ هذه السورة وليكررها
في قلبه قبل لسانه.


د.
الخضيري:
وليحبها أيضاً حتى يحبه الله كما حصل
لأحد الصحابة عندما كان يختم قراءته في كل ركعة بسورة الإخلاص فجاء اصحابه
وأخبروا النبي صلى الله عليه وسلم فقال سلوه لِمَ يفعل ذلك؟ فقال لأن فيها
صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأها فقال أخبروه أن الله يحبه بحبها.


د.
الربيعة:
وأننا نُشهد الله عز وجل في ختام هذه
الحلقة حب هذه السورة وحب كتابه نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من أحبابه ومن
أهل كتابه ونعتذر إليكم لأن هذه السورة لا تنتهي معانيها لعظم فضلها ولكننا
أخذنا شيئاً منها لعلنا نترك لكم بقيتها في تدبر وتأمل. لنا معكم لقاء
بإذن الله والسلام عليكم وحرمة الله وبركاته.
avatar
الحلقة 26

د.
الخضيري:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . الحمد
لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. كما قدمنا
لكم في بداية حلقات هذا البرنامج الذي نسبح فيه في عالم قِصار المفصّل
تعاهدنا وتعلمنا على أن نأخذ دورة في هذه السور كيف نتدبر القرآن ونحول
الآيات إلى منهاج عملي لنحيا بالقرآن. فهذا هو المجلس الخامس والعشرون وهذه
هي الجلسة المخصصة لسورة المسد والتي يقول الله عز وجل فيها (تَبَّتْ
يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴿١﴾ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ
﴿٢﴾ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ ﴿٣﴾ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ
﴿٤﴾ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ﴿٥﴾ المسد). هذه السورة جاءت للحديث
عن شخص لكن هذا الشخص متميز شخص خاص بمواصفات خاصة ولذلك خصصت هذه السورة
له بل سميت باسمه بل صُرِّح في القرآن بإسمه على غير عادة القرآن الجارية
على عدم التصريح بالكافرين والمنافقين والمناوئين للدعوة وإنما يذكرهم
إجمالاً ويذكر صفاتهم. في هذه السورة حديث خاص باسمه وبعينه، لماذا؟ وما
الحكمة من ذلك؟ لماذا تحدثت هذه السورة عن شخص معين.


د.
الربيعة:
هذه السورة سورة المسد تحدثت عن أقرب
الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو عمه أبو لهب وهذا يجرّنا إلى البحث
عن سبب نزول هذه السورة. سبب نزول هذه السورة هو أن النبي صلى الله عليه
وسلم لما أُمر بإعلان دعوته (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214)
الشعراء) (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ (94) الحجر) فصعد على الصفا ونادى
قريشاً ثم قال لهم لو أخبرتكم أن خلف سفح هذا الجبل جيشاً سيغزوكم أكنتم
مصدقيّ؟ قالوا ما جربنا عليك كذباً، قال إن ينذير لكم بين يدي عذاب أليم،
فقال أبو لهب بجرأته وهم عمّ النبي صلى الله عليه وسلم وهزّ يده عليه وقال
تباً لك ألهذا جمعتنا؟ تبّاً يعني هلاكاً ووعيداً وتشنيعاً عليه فأنزل الله
عز وجل هذه السورة لتكون عبرة لمن خلفه ممن يعلن العداوة للدعوة وأهلها.
وهو عم النبي وأقرب الناس إليه لم يحابيه القرآن ولم تحابيه هذه السورة ولم
يصرح القرآن برجل غير هذا الرجل من أهل الكفر الذين كانوا في عهد النبي
صلى الله عليه وسلم.


د.
الخضيري:
لم يصرح إلا بإسم أبي لهب

د.
الربيعة:
هذا يدلنا على أن أول المعادين للدعوة
يتولى كِبراً وإثماً عظيماً (وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ
عَذَابٌ عَظِيمٌ (11) النور) فمن تولى كبر المعصية وساق الناس إليها ودعا
الناس إليها ومن تولى كبر عمل من الأعمال


د.
الخضيري:
مناوأة الدعوة ومعاداة الداعين إلى الله
سبحانه وتعالى ومحاولة تشكيك الناس بثوابتهم ودينهم فإنه يجب علينا أن نرد
عليه بقوة ونقطعه ونبين تهافت حجته وأيضاً نصرح بإسمه


د.
الربيعة:
قد يقول بعض الناس لماذا نتكلم عن
الأسماء؟ نحن نتكلم عن الأسماء حينما تكون هذه الأسماء رموزاً للشر ويكون
لها كبر الأمر وتولي كبر هذا الفساد والإفساد حينها ينبغي أن نصرح بإسمهم
تحذيراً منهم ومن شرّهم. فالقرآن في عادته لم يصرح بإسم أبي جهل ولا بإسم
ابن شيبة ولا بغيرهم من صناديد قريش إنما صرح بأعمالهم وسيء أخلاقهم. أما
ابو لهب حينما كان أول من تولى العداوة فقد صرّح بإسمه فنقول أننا بحاجة أن
نفقه هذا المنهج الرباني في التصريح بالأسماء. لعلنا نواصل الحديث في هذه
السورة لنتبين حقيقة هذا الرجل والذي دعاه إلى هذا الكبر وهذه الغطرسة،
يقول تعالى (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴿١﴾ مَا أَغْنَى عَنْهُ
مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ﴿٢﴾)


د.
الخضيري:
ماله وولده وجاهه جعلوه يكذب برسول الله
صلى الله عليه وسلم إضافة إلى ما طُبع عليه من الكبر الذي منعه من قبول
الحق فهو امتنع عن قبول دعوة النبي صلى الله عليه وسلم مع وضوحها وبيان
الحجة فيها وأن النبي صلى اله عليه وسلم لم يدخر وسعاً في القيام بالحجة
على وجهها.


د.
الربيعة:
لو كان المكذبين ليسوا من عشيرة النبي
صلى الله عليه وسلم لكان له في ذلك عذر عند قبيلته وعذر عند عشيرته لكن هذا
أقرب الناس إليه فالإنسان من أعظم ما يدعوه إلى الإعراض وأعظم ما يدعوه
إلى الصد عن سبيل الله عز وجل حينما يكون ذا غنى وكونه ذا جاه وذا شرف
ومنصب في الناس وهذا نشاهده على الواقع، نجد في الناس من هو ذو وجاهة


د.
الخضيري:
(وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن
نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ
كَافِرُونَ (34) سبأ) تأمل هذا المعنى أن الترف والرفاهية وكثرة المال
والغنى يطغيان العبد كما قال عز وجل في سورة العلق (كَلَّا إِنَّ
الْإِنسَانَ لَيَطْغَى (6) أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى (7)) متى رأى الإنسان
نفسه مستغنياً فإن هذا يدعوه إلى الطغيان والاستكبار بالحق.


د.
الربيعة:
تأمل أيضاً سورة الهمزة (وَيْلٌ لِّكُلِّ
هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ (1) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (2)) جمع مالاً
وعدده فكان سبباً في طغيانه واستهزائه وسخريته كما سيأتي الحديث عنه في
سورة الهمزة. بعد ذلك تأمل السورة في قوله (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ
وَتَبَّ ﴿١﴾ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ﴿٢﴾)


د.
الخضيري:
عملك الصالح إذا اتقيت به الله عز وجل

د.
الربيعة:
هذه الصورة التي تمثل بها أبو لهب صورة
تتكرر كثيراً في واقعنا. ولهذا أبرزها الله عز وجل في هذه السورة وأبرز هذا
الرجل ليكون عبرة لغيره وكل من تصدى للصد عن سبيل الله عز وجل فيكون أمامه
ابو لهب الذي توعده الله تعالى بالويل (سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ).
وتأمل كيف قال (سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ) في مقابل قوله (تَبَّتْ
يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ) ما المناسبة بين هذين اللفظين؟


د.
الخضيري:
لا شك أن أبا لهب كان يُكنة في الجاهلية
بأبي لهب من إشراق وجهه وحمرته الحمرة التي كانت تعلوه فكان كأنه قطعة من
اللهب، فالله عز وجل توعده بضد ما كان يُكنى به وهو أنه سيصلى ناراً متلهبة
فكما كنت ذا لهب في الدنيا فأنت ذا لهب في الآخرة وستصلى ناراً ذات لهب.


د.
الربيعة:
هذا يجعلنا نقول أن الإنسان سيعذب بالأمر
الذي كان سبباً في توليه هذا الكبر وإعراضه. فالإنسان الذي تولى كبره من
منصبه فإنه سيعذب يوم القيامة بمنصبه.


د.
الخضيري:
ومن أحب شيئاً دون الله عز وجل وعبده دون
الله عز وجل عُذّب به. لاحظ أيضاً مسألة أخرى مهمة جداً أن أبا لهب لم
يقتصر عليه العذاب بل حتى الذين عاونوه وعاضدوه وساندوه ووقفوا معه وكان
لهم دور ثانوي في دعم مسيرته في صد الناس عن دين الله عز وجل كان لهم مثل
وعيده. فلا تقل أنا سرت في ركاب هؤلاء وسايرت هؤلاء الناس ومشيت معهم وهم
الذين غرروا بي، لا أحد يغرر بأحد وما أحد إلا مسؤول عن نفسه ولذلك ذكر
الله عز وجل في القرآن امرأته (وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي
جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ (5)) لهذا نحن نحذر أنت مسؤول بنفسك عما
تعتقده وعن مواقفك وستُسال عنها أمام الله سبحانه وتعالى. لا تقل فلان قال
بها فقلت بها مثلما قال، لا، عندما يقول بها فلان إعرضها على قلبك واعرضها
على عقلك واعرضها كتاب ربك واعرضها على الح واعرضها علة الواقع تأمل هل هي
بالفعل تستحق أن يُتبع عليها صاحبها أو لا تستحق، فلا تكن إمعة إن أحسن
الناس أحسنت وإن أساؤا أسأت ولكن وطّن نفسك إن أحسنوا أن تحسن وإن اساؤا
ألا تتابعهم في إساءتهم


د.
الربيعة:
ما أكثر المطبلين للباطل يتبعونه وهم لا
يشعرون! لكن حينما نتأمل السورة نجدها ركزت على هذا الرجل وزوجته، لماذا
زوجته؟ هل فقط زوجته كانت تبعاً له أم كان لها شأن في عداوة النبي صلى الله
عليه وسلم؟


د.
الخضيري:
لا شك كان لها شأن في عداوة النبي صلى
الله عليه وسلم كانت تقوم بادوار إيذاء للنبي صلى الله عليه وسلم لا تقل
عما يفعله الزوج حتى أنها كانت تأتي بالقمامات والشوك وتضعه في طريق النبي
صلى الله عليه وسلم، كانت تؤذي النبي صلى الله عليه وسلم بلسانها، كانت
تحاول أن تضع العراقيل في دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، تشيع الشائعات،
لم تكن مجرد مطبِّل فقط يعني تصفّق لأفعال زوجها فقط ولو فعلت ذلك لكانت
ملومة ولكنها كانت تزيد على ذلك بأنها كانت تفعل أشياء محددة في صد الناس
عن دين الله وإيذاء أصحاب الدعوات


د.
الربيعة:
وللسورة سبب نزول نذكره على وجه سريع أن
النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه السورة ذكر المفسرون أن أم جميل
امرأة أبي لهب جاءت ومعها حجر تريد أن ترمي به النبي صلى الله عليه وسلم
وجاءت تقول أين الذي يسبني؟ فجاءت والنبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر عند
الكعبة فقال أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم هاهي أم جميل قد أقبلت، فلما
جاءت لم تر النبي صلى الله عليه وسلم حجبها جبريل عنه فقالت أين صاحبك؟ لو
رأيته لرميته بهذا الحجر. هذا يدلنا على أن المرأة لها شأنها ولذلك نقول
هي رمز النساء اللآئي يتولين الإفساد في الأرض.


د.
الخضيري:
وما أكثرهن في هذا الزمان. وبالمناسبة
أشرت إلى شيء مهم أن الإنسان قد لا يكون رأساً في الفساد لكنه يطبِّل
للفساد فلا تظن أنك بمنأى عن عقوبة الله عز وجل، والله أنا دعيت إلى قناة
فضائية إلى أن أصور أو أؤجر للبنك الربوي هذا أنا ما لي شأن في هذه الأمور
أنا ما فعلت شيئاً من الإثم، إذن من الذي هيّأ لهم هذا البلاء؟ من الذي
قدّم لهم هذا العمل على طبق من ذهب؟ من الذي ساعدهم في تحقيق ممكنهم
ومحاربتهم لله؟ّ هو أنت وتعلم أن هذا محرّم وهذا لا يجوز فلا يحل لك أن
تتصرف هذا التصرف ووزرك على قدر عملك وكلهم مشتركون في الوزر.


د.
الربيعة:
في السورة قال (وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ
الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ (5)) الجيد هو الرقبة،
فالرقبة تسمى جيداً إذا كان عليها حليّ تسمى جيداً فهذا الجيد الذي كان
عليه الجمال والبهاء سيكون عليه حبلاً من مسد. ما هو المسد؟


د.
الخضيري:
هو الحبل من الليف المتين ستجر به يوم
القيامة. نختم بمسالة مهمة جداً وهي أن أبو لهب عم النبي صلى الله عليه
وسلم ومع ذلك لم ينفعه قربه لما كفر برسول الله وهذا يقرره النبي صلى الله
عليه وسلم لنا كلمة جميلة عظيمة أحب أن اذكر بها، قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم "من بطّأ به عمله لم يُسرع به نسبه" لا تقل أبي عالم، أبي تخرج
من الجامعة الفلانية، أبي مفتي، أبي من الصالحين، بنى المساجد، أنفق
النفقات، أنت ماذا فعلت؟ أنت ماذا قدمت؟ أنت ماذا صنعت لنفسك من الصالحات؟
لا تقل قد عمل آبائي وأنا سلسلة من الصالحين لكن ماذا عملت أنت؟ من بطّأ به
عمله لن يسرع به نسبه. نسبك لن يقرّبك إلى الله إنما الذي يقربك غلى الله
عز وجل هو عملك فلننتبه لهذا ولنحذر من الفخر بأنسابنا وأحسابنا وندع العمل
الذي هو حسبنا ونسبنا يوم نلقى ربنا سبحانه وتعالى.


د.
الربيعة:
ما أعظم هذه السورة في ختام حديثنا عنها
حينما تعطينا معنى عظيماً في الذين يصدون عن دين الله ويتولون كبر هذا
الصدّ نحذر أن نكون منهم أو أن نكون من أتباعهم أو الناعقين باسمائهم
وبدعواتهم وما أكثرهم اليوم! دعوات الباطل، تحرير المرأة، دعوات التغرير،
دعوات التبعية للأعداء والغرب، دعوات التخلي عن دين الله، إنها دعوات كثيرة
ينبغي أن نتفظن لها ونعرف أصحابها فنحذرهم ونحذر دعواتهم. نختم حديثنا
نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من الذي يدعون إلى الخير ويحفظنا من الذين
يصدون عن الحق ونسأله سبحانه وتعالى أن ينصر دينه وكتابه وسنة نبيه صلى
الله عليه وسلم. ولنا لقاء بإذن الله عز وجل في جلسات قادمة وصلى الله وسلم
على نبينا محمد.
avatar
الحلقة 25

(إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1)
وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2)
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3)
النصر)


د.
الربيعة:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد
لله وأصلي وأسلم على رسول الله الأمين وعلى آله وأصحابه أجمعين, أما بعد،
حياكم الله في حلقة من حلقات برنامجكم المبارك "لنحيا بالقرآن" نسأل الله
عز وجل أن يحيي قلوبنا بكتابه. ما زلنا وإياكم مع سور كتاب الله عز وجل،
تلك السور التي نعيش فيها في ظلالها ونحيا مع آياتها متمثلين فيها المعاني
التي يمكن أن نطبقها في واقعنا. معنا اليوم سورة عظيمة سورة تأنس لها
القلوب المؤمنة وترجوها قلوب المؤمنين اليوم إنها سورة النصر. سورة هي آخر
سورة نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم كسورة وليست كآية. نزلت عليه أولاً
تبشره بأن هذا الدين الذين منحه الله تعالى إياه فسيمنحه الله تعالى معه
النصر والخير الكثير. وهي إشارة في نزولها إلى تمام هذا الدين في شرعه
والرسالة ولذلك هذه السورة كما ذكر ابن عباس رضي الله تعالى عنه وعمر رضي
الله تعالى عنه أنها في أَجَل النبي صلى الله عليه وسلم. لعلنا نتأمل من
خلال هذه السورة هذا المعنى العظيم ونأخذ منه مقصداً عظيماً وهو أن الله
تعالى يعدنا بأن هذا الدين موصول بالنصر وموصول بالفتح إلى يوم الدين
"وليبلغنّ هذا الدين ما بلغ الليل والنهار". ويبين الله تعالى أن هذا النصر
مربوط بأمر وشروط هي تسبيح الله عز وجل والتوبة إليه والرجوع إليه وصدق
الرجوع إليه كما سيأتي في بيان هذه السورة. لعلنا نأخذ بعض آيات هذه السورة
وقبل ذلك هل يمكن أن نأخذ فيها معنى بيان أَجَل النبي صلى الله وسلم؟


د.
الخضيري:
لا شك أن هذه السورة لما نزلت علم منها
فقهاء الصحابة أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذلك لأنه إذا جاء نصر
الله وفتح الله على رسوله صلى الله عليه وسلم فاستغفر يا محمد وسبح بحمد
ربك واستعفر إن الله تواب عليك. يفهم كل واحد من هذا المعنى من هذا السياق
أنه قد أديت الأمانة وأكملت الرسالة وبلّغت المهمة التي عليك فاستعد للقاء
الله بالتسبيح والاستغفار. هذا ما فهمه أبو بكر رضي الله تعالى عنه وما
فهمه عمر وما فهمه ابن عباس ولذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما أخذ بعض
الصحابة عليه أنه يُدخل ابن عباس مع كبار الصحابة أراد أن يبين لهم لماذا
يفعل ذلك، لمكانة ابن عباس وعلمه بالكتاب.


د.
الربيعة:
وببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم
له.


د.
الخضيري:
نعم، ببركة دعاء النبي صلى الله عليه
وسلم عندما دعا له قال: اللهم فقهه في الدين وعلّمه التأويل" فعُلِّم
التأويل. فابن عباس رضي الله عنه وأرضاه يوماً ما دعاه عمر ليدخل مع كبار
الصحابة فلما اكتمل المجلس قال ما تقولون في قول الله عز وجل (إِذَا جَاء
نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ
اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ
إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3))؟ فهم أجابوا بظاهر الآية وظاهر الآية وما
أجابوا صحيح وليس خطأ ولكن عمر كان يسأل عن المعنى الذي يحتاج إلى تأمل
وتدبر وإعمال فِكر فهذا هو الذي كان يبحث عنه عمر رضي الله عنه ويقيس به
فهم ابن عباس ومدى رسوخه في العلم. فقال ما تقولون فيها؟ قالوا أمر الله
نبيه صلى الله عليه وسلم إذا فتح الله عليه ونصره ودخل الناس في دين الله
أفواجاً أن يسبح بحمد ربه ويستغفره. قال ماذا تقول فيها يا ابن عباس؟ قال
هذه أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم. يعني أنها تبين أن محمداً قد حان
أجله لأنه لما قال إذا جاء نصر الله فسبح يا محمد واستغفر يعني إستعد
للموت. قال لا أعلم منها إلا ما تعلم فأذعن الصحابة وعلموا ابن عباس قد
أوتي علماً وهو شاب. ولذلك يقول ابن عباس في وصف نفسه وهو يتمدح في قول
الله عز وجل (هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ
مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا
الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ
ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ
إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ
كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ
(7) آل عمران) يقول أنا من الراسخين في العلم.


د.
الربيعة:
وذلك ببركة دعاء النبي صلى الله عليه
وسلم له. نستفيد من هذا أنه إذا لمحنا من شاب فطنة وإقبالاً على العلم أننا
نجعل له من أمرنا اهتماماً ونجعله في مجالس الكبار حتى يتعلم منهم.


د.
الخضيري:
بلى بل إننا يجب أن نكون لماحين في
التعرف على أبنائنا ومن حولنا فنسخر كل واحد فيما يصلح له. قال النبي صلى
الله عليه وسلم "إعملوا كلٌ ميسر لما خُلق له". فعندما أرى شاباً عنده ذكاء
وفطنة فاجعله مع من يوقظه وينبهه وعندما أجد شاباً جلداً على الزراعة
والحرث أعلمه ما ينتفع به، كما كان النبي يسخر الصحابة لما أسلم خالد بن
الوليد قال هذا سيف من سيوف الله سلّه الله على المشركين.


د.
الربيعة:
هذه رسالة.

د.
الخضيري:
ولما اسلم أبو هريرة وجاء ورأى عنده
حرصاً على أحاديث رسول الله دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالبركة في
الحفظ فصار أحفظ أصحاب رسول الله حتى حكى لهذه الأمة أكثر من خمسة آلآف
حديث وعنده خير كثير لم يدانه أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.


د.
الربيعة:
لعلنا نقف عند لفتة في دعاء النبي صلى
الله عليه وسلم لابن عباس بالعلم أنه ينبغي أن نُكثر من الدعاء لأبنائنا
بالعلم وبفهم القرآن العظيم فإنه إن علموا وفهموا كتاب الله فقد استقاموا.
لعلنا ندلف إلى السورة في قوله عز وجل (إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ
وَالْفَتْحُ) إذا تأملت هذا الأسلوب العظيم (إذا جاء) أنه لم يأت بعد مع
أنه قد جاء. هنا قال الله تعالى (إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ)
والنبي صلى الله عليه وسلم قد نُصر وفُتح له فهذا يعطينا معنى عظيماً أن
هذا النصر لا يزال ولن يزال لهذه الأمة، هذا النصر وهذا الفتح. فهذا يعطينا
بشرى من الله للمؤمنين بان هذا الدين ودينكم منصور ما بقيت الدنيا فما
أعظم هذا المعنى في هذه السورة العظيمة.


د.
الخضيري:
قول الله عز وجل (إِذَا جَاء نَصْرُ
اللَّهِ وَالْفَتْحُ) يجب أن نعلم أن هذا النصر الذي يؤتى من الله وأنه إذا
كان النصر الذي ستؤتاه الأمة من الله فيجب علينا أن نعتني بالله لأن النصر
من عنده. الناس يعتنون الآن الحكومات والدول سواء منها الإسلامية وغير
الإسلامية تعتني بالتسليح وتعتني باشياء كثيرة ترى أن النصر يتحقق بها
وتنسى الله. نحن لا نقول لهم اتركوا الإعداد، الإعداد مطلوب ولكن يجب أن
يكون هذا الإعداد وسيلة والحقيقة يجب أن نعلم أن النصر لا يكون إلا من الله
ولا ينحقق إلا بالله ولا يُسأله أحد إلا الله وعلينا أن نوفي الله حقه وأن
ننصر الله بتحكيم شرعه والقيام بأوامره واجتناب نواهيه. فإذا فعلنا ذلك
عملت هذه الوسائل وأدّت مفعولها وأثّرت في واقع الحياة وهذا شيء يجب علينا
أن ننتبه له، النصر من عند الله. ولعلنا نذكر شيئاً حدث للمسلمين في عهد
قريب مع إخواننا في غزة انتصروا مع أنهم كانوا مغلوبين وكانوا محاصرين
لأكثر من عام ونصف والعدو يحاصرهم من كل زاوية حتى منع عنهم الطعام والشراب
والدواء ثم قاتلهم قتالاً شديداً ودمّر البنى التحية لأرضهم ومع ذلك لم
يستطع أن يتقدم شبراً واحداً في أرض غزة لأنه خاف ولأنهم وجدوا أسوداً
نصروا الله سبحانه وتعالى فنصرهم فكانت هزيمة ساحقة لليهود وإسرائيل التي
تدّعي أنها إسرائيل وهي كاذبة في دعاوها، كانت هزيمة ساحقة. ونحن نعلم أن
إخواننا في غزة عندهم أخطاء ولم يكملوا كل شيء لكنهم صدقوا في نصرتهم لله
عز وجل وفي التجائهم إلى الله فأعطاهم الله النصر وإلا كانوا بين فكي
الكماشة يكاد عدوهم أن يستأصلهم. وقد قال من قال من علماء الحرب والعسكريين
أن اليهود سيمسحون غزة من الخارطة وسيفعلون بهم الأفاعيل وسيذهب كل من في
غزة من البشر، ماذا حدث؟ ثلاث وعشرون يوماً وإسرائيل تدك وتدك إخواننا في
غزة ويئست من ذلك ورجعت خاسئة خائبة بحمد الله سبحانه وتعالى.


د.
الربيعة:
هنا وقفة أشرت إليه في قوله (نصر الله)
النصر ليس على كل حال أن يكون الإنسان يُفتح له في البلاد، النصر هو لثبات
على الدين والقوة والرسوخ كما مثلت في نصر إخواننا في غزة. لقد نُصروا وإن
لم يفتح لهم في بلادهم لكننا نسال الله أن يُتبع الله لهم هذا النصر فتحاً
فيمكنهم في الأرض وبإذن الله سيكون لهم ذلك إن ثبتوا على نصر الله ودينه.
في قوله (وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا)
هذا وعد من الله بأن هذا الدين سيدخله الناس.


د.
الخضيري:
وهذا رآه الناس فيما قبل ورأينا شيئاً
منه


د.
الربيعة:
ورآه النبي صلى الله عليه وسلم في عام
الفتح وفي عام الوفود.


د.
الخضيري:
في عام الوفود بعد الفتح بعام جاءت وفود
من كل مكان فدخلت في دين الله أفواجاً. ونحن اليوم نرى شيئاً من ذلك، في
قارة أفريقيا يدخل الناس في دين الله أفواجاً والله ليسوا بالمئات ولا
بالآلآف بل بعشرات الآلآف قرى بأكملها عن بكرة أبيها تدخل في دين الله عز
وجل مذعنة طائعة.


د.
الربيعة:
بل في الدول العظمى التي تواجه الإسلام
تجد من المسلمين كثير. لعلنا نختم السورة بختامها (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ
رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا)


د.
الخضيري:
ينبغي أن نقابل كل نعمة بأن نُكثر من
عبادة الله وذكره. وذكر الله هو أجلّ العبادات. فإذا فتح الله عز وجل علينا
وآتانا من فضله فعلينا أن نشطر نعمة الله سبحانه وتعالى وأن نسبح بحمد
الله وأن نستغفره. قد تقول لماذا الاستغفار وقد أنعم الله علينا؟ لماذا
الاستغفار وقد قمنا بنصر الله؟ فأقول لا يمكن للإنسان أن يقوم بعبادة الله
على وجه الكمال والتمام فلا بد أن نقصِّر نحن بشر لا بد أن نخطيء نحن بشر،
ولا بد أن يجري على أعمالنا شيء من الشوائب نحن بشر ولذلك نستغفر الله عز
وجل. أُنظر إلينا أول ما ننتهي من صلاتنا نستغفر الله لأنك في صلاتك قد
تخطيء، قد تسهو، قد تغفل، قد تقصر في الخشوع فإنك تستغفر الله لأنك ما عبدت
الله عز وجل حق عبادته.


د.
الربيعة:
وهناك معنى آخر وهو أن الاستغفار يقطع
على الإنسان وساوس الشيطان بالبطر والإعجاب بهذا العمل بعد تمامه فإن هذا
من أعظم مداخل الشيطان يصطاد بها الإنسان يُظهر له العُجب وأنك فعلت وفعلت
فيُبطل أجره. فهذا الاستغفار يجعلك تستحضر قصورك وافتقارك وأن هذا العمل
ليس في حق الله لم يكن في حق الله في شيء فحق الله عظيم، هذا عمل يسير فيما
آتاك الله تعالى. ختام السورة عظيم فتسبيح لله عز وجل هو تمجيد يوم أن
مجّدك الله ومجّد دينك تمجّده وتسبحه. والحمد هو الوصف الكامل لله عز وجل
فتسبحه وتحمده (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ) فهذا من الشكر
يوم أن كمّل الله تعالى لك الدين فاجعل هذا في الثناء على الله عز وجل ثم
بعد ذلك في الاستغفار فالجمع بينهما له مناسبة ظاهرة. ثم في ختام السورة
(إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) هذا المعنى يعطينا فسحة من ربنا والله تعالى يمد
يديه إلينا فيقول (إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) إنه يدعونا أن نتوب وأن
نستغفر وأن نرجع إليه


د.
الخضيري:
وهو توّاب كثير التوبة على عباده.

د.
الربيعة:
ما أعظم هذا الختام! وما أعظم أن نكون من
أهله وأن نقتدي برسولنا صلى الله عليه وسلم الذي كان يتأوّل هذه السورة
فكان يُكثر في آخر حياته من الاستغفار والتسبيح لله عز وجل كما قالت عائشة
رضي الله عنها


د.
الخضيري:
كان يُكثر أن يقول في سجوده وفي ركوعه
سبحانك الله وبحمد اللهم اغفر لي.

د. الربيعة:
ختاماً هذه السورة العظيمة التي تعطينا معنى النصر والوعد من ربنا بالنصر
وتعطينا الوعد من ربنا بالفتح وتعطينا من ربنا لهذه الأمة أن هذه الأمة أمة
سيكثرها الله تعالى بالدخول في دين الله عز وجل فما علينا إلا أن نقوم بحق
هذا الدين بالنصر، حق هذا الدين أن نكون من أنصاره وأن ننصر الله عز وجل
بعبادته وطاعته والدفاع عن دينه والبذل في سبيله علنا أن نحوز وأن نكون من
أهل نصر الله عز وجل. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يمنحنا نصره المبين
وفتحه الكريم وأن يقر أعيننا بفتح ونصر للإسلام والمسلمين. بهذا نختم هذا
اللقاء ونسأل الله عز وجل لنا ولكم التوفيق وصلى الله وسلم على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين.
استعرض الموضوع السابقاستعرض الموضوع التالي
صلاحيات هذا المنتدى:
تستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى