منتديات بحر المعارف - www.ifada.ace.st

منتديات بحر المعارف : كل ما تريده موجود في منتديات بحر المعارف, مواضيع عامة, مواضيع اسلامية, مواضيع طبية, مواضيع علمية, دروس تمارين فروض امتحانات,...
 
الرئيسيةبحـثس .و .جالتسجيل اتصل بناخدمات متنوعةمكتبة الصورقائمة الاعضاءاليوميةالمجموعاتالتسجيلدخول

إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوع
شاطر | 
 

 موسعة برامج القران الكريم متعدد الحلقات

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: موسعة برامج القران الكريم متعدد الحلقات   الخميس 6 مايو 2010 - 14:48



الحلقة 29

(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ﴿١﴾مِنْ شَرِّ مَا
خَلَقَ ﴿٢﴾ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ﴿٣﴾ وَمِنْ شَرِّ
النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ﴿٤﴾ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ﴿٥﴾
الفلق)


د.
الربيعة:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد
لله وأصلي وأسلم على نبينا محمد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين. نجدد معكم
اللقاء في تمام حديثنا في هذا البرنامج المبارك لنحيا بالقرآن ومع تمام
سورة تحدثنا عنها في المجلس الماضي هي سورة الفلق. ولعلنا نجدد الحديث عن
مقصدها ونتابع آياتها. هذه السورة سورة الفلق ومعها الناس المعوذتين سبب
نزولهما هو التعوذ بالله من الشرور الظاهرة والباطنة ومعنى آخر هذه السورة
هي للتحصن والوقاية من الشرور كلها ظاهرها وباطنها، سورة الفلق ظاهر في
كونها ي الشرور الظاهرة وسورة الناس في كونها من التحصن والتعوذ بالله
تعالى من الشرور الباطنة. وقفنا في هذه السورة مع قوله عز وجل (وَمِنْ
شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ) فهل لك أن تعطينا لمحة ووقفة.


د.
الخضيري:
هذه السورة تعوذت من الشرور كلها (قُلْ
أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ﴿١﴾مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ﴿٢﴾) كما بينا في
الحلقة الماضية واليوم نذكر الشرور المفصلة التي ذكرت في هذه السورة. وهذه
الشرور المفصلة جاءت ثلاثة الأول الليل (وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا
وَقَبَ) والثاني السحر (وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ)
والثالث الحسد (وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ).


د.
الربيعة:
قد يسأل سائل ما سر تخصيص هذه الأمور
الثلاثة؟


د.
الخضيري:
الله أعلم ليس عندي تحقيق من هذا لكن
لشدة الشرور الواقعة من خلال هذه الأشياء الثلاثة وخفائها وكثرتها وأيضاً
مهما اتخذ الإنسان من احتياطات لوقاية نفسه منها فإنه لا يستطيع ولذلك لا
بد له من أن يستعيذ بالله عز وجل ويعتصم بجنابه من الوقوع في شيء من شرّها.
نبدأ بالاستعاذة من الليل ومن المناسب اننا نسجل هذه الحلقة في الليل
ونقول يستعاذ بالله من شر هذا الغاسق الليل الذي تشاهدونه، هذا الليل إذا
وقب هو الذي يستعاذ منه، لماذا الليل؟ لأنه تختبئ في ظلمته شرور كثيرة
فالمفسدون في الأرض يختبئون في ظلمة الليل ويخططون في ظلمة الليل ويحبكون
المؤامرات في ظلمة الليل، الذين ينشرون الفساد لا يقومون بذلك إلا في ظلمة
الليل، الذي يريدون أن يسرقوا أموال الناس ويقطعوا طريقهم لا يعملون إلا في
الليل، الهوام والدواب لا تسري بين الناس وتؤذيهم فتلسعهم وتلدغهم إلا في
الليل. وشياطين الجن تتحرك في بداية الليل كما قال النبي صلى الله عليه
وسلم "كفّوا صبيانكم" يعني عند غروب الشمس فإن للشياطين انتشاراً. أيضاً
السباع من الذئاب والثعالب والأسود والفهود والنمور وغيرها إنما تذهب للبحث
عن صيودها في الليل وتؤذي الناس في الليل. البث الفضائي والبث الإذاعي
بالأغاني والمجون يكون في الليل، الرقص يكون في الليالي الحمراء والبارات
والخمّارات لا يكون إلا في الليل.


د.
الربيعة:
إذن الإنسان وهو يتعوذ بالله من شر الليل
يستحضر هذه المعاني ومنها اصحاب الشر الذين يظهرون في الليل ومنها كما
ذكرتم أصحاب القنوات وأصحاب الفساد وغيرهم


د.
الخضيري:
نعم يستحضر هذا كله ويتعوذ بالله من هذا
الليل إذا دخل لكثرة ما يكون فيه من الشر, العباد ينقسمون في الليل
إنقساماً ظاهراً فمن الناس من اتخذ الليل مطية للعبادة ومناجاة الله
والخلوة بالله سبحانه وتعالى ينقطع عن الدنيا وما فيها وشاغلها وهؤلاء هم
خيار أهل الأرض وهكذا كان الأنبياء والصالحون من عباد الله إلى يومنا هذا
وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ومن الناس من يتخذ هذا الليل وسكونه
وهدأته في نشر الفساد وترويجه ويتدثر هذا الليل من أجل أن يفسد في الأرض
نسال الله العافية والسلامة، أولئك شرار الخلق. الليل شيء واحد ومع هذا
يستعمل في الحق وفيما يتقرب به إلى الله وفي الوقت ذاته يستعمل في شر شيء
يكسبه الإنسان. ومعنى الغاسق هو الليل، وورد في الحديث (وهذه نبينها للناس
حتى لا تُشكل عليهم) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة وهو يشير إلى
القمر إستعيذي بالله من شر هذا الغاسق إذا وقب. فقد يقول قائل النبي صلى
الله عليه وسلم اشار إلى القمر فهل هذا يتعارض مع صدّرتم به الآية أنه
الليل؟ نقول لا تعارض


د.
الربيعة:
هو هنا تعوذ فأنت تتعوذ بالله من شر هذ
الليل ثم المعنى الآخر القمر أنه هو موضع الإضاءة وموضع النور والضياء
والكشف فلعلك تستعيذ برب هذا القمر الذي يضيء أن يكشف لك هذه الظلمة وما
فيها من الشرور ويزيلها عنك. هذا معنى لعله ظاهر في هذا.


د.
الخضيري:
أنا لا أعرف هذا المعنى ولعله إن شاء
الله يكون مقبولاً أو شيئاً مما يتسع له صدر المفسِّر. لكن ذكر العلماء أن
النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى القمر وأراد به أنه آية الليل لأن القمر
يظهر في الليل، فالآية اشرات إلى الليل والنبي صلى الله عليه وسلم ذكر
علامة الليل وهو ظهور القمر والله أعلم..


د.
الربيعة:
بعد ذلك يقول الله سبحانه وتعالى (وَمِن
شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ)


د.
الخضيري:
قبل ذلك بقي أمر مهم نحن دائماً نحاول أن
نربط الآيات بالواقع فنقول هذا الليل يمكن أن يستعمل بالخير ويمكن أن
يستعمل في الشر فهو آية من ىيات الله وعلينا أن نستعمله في الخير وأن لا
نتخذه مطيّة إلى الأعمال السيئة، هذا أولاً. ثانياً أن نتقي الشر والأشرار
في هذا الليل فنكفّ أبناءنا ونمنعهم من السهر ونحرص على أن نجتمع بهم في
أول الليل ثم نطمئن أنهم أخلدوا للراحة والنوم ولا نسمح لهم بالخروج إلا في
حدود الحاجة والضرورة ولا نتيح لأبنائنا أن يعبثوا بالأمن ويذهبوا للأسواق
ويسيئوا بالأمن ونحن في فروشنا فيؤذوا عباد الله ونكون قد تحملنا وزرهم.


د.
الربيعة:
في الحقيقة في الليل يجتمع شياطين الإنس
والجن فيكون سبباً في الفساد المركّب. بعد ذلك يقول عز وجل في الشر الذي
يستعيذ الإنسان منه (وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ)


د.
الخضيري:
المقصود بها السحر بغض النظر هل النفاثات
هم السواحر أو الأنفس السواحر، المقصود بأن السحر شرّه عظيم وخطره بالغ
ولأنه شيء غير مشاهد ولا يمكن أن يحترز منه فجعله الله مما يستعاذ منه في
هذه السورة.


د.
الربيعة:
وهذا أمر ظاهر في الناس بسبب ما يكون
بينهم من الشحناء والبغضاء وما يوغره الشيطان في صدورهم من العداوة فهذا
السحر من أسباب إظهار الشر بينهم وهو واضح ظاهر في وقتنا الحاضر نسأل الله
العافية. كم نسمع من السواحر والسحرات الذين انتشر شرهم فيستعيذ الإنسان
بالله من شر هذا السحر وأهله. والتعبير بالنفّاثات هل هو دلالة على
الساحرات أو الأرواح والأنفس السواحر؟ أقول تعبيره بالنفث للإستعاذة من شر
هذا الساحر في وقت سحره ونفثه وهو اجتماع الأرواح الشريرة وقت فعل هذا
الساحر لهذا السحر فينبغي للإنسان أن يستحضر هذا المعنى وأقول أن من أعظم
ما يدفع شر الساحر والسحرة عنه أن يمتثل أمر الله عز وجل ويستعيذ بالله عز
وجل من شرهم فيقرأ هذه السورة. هذه السورة من أعظم العلاج لدفع هذا السحر
وهذا الشر العظيم.


د.
الخضيري:
ونقول ايضاً أنه متى علمت أخي المشاهد
بساحر أو ساحرة يمارس هذا السحر فعليك أن تقوم بواجبك بإبلاغ السلطات
والجهات المعنية عن هؤلاء لأنهم مفسدون في الأرض. وليسوا مفسدين فقط بل
كفار والعياذ بالله لأن الساحر لا يتمكن من السحر حتى يخضع للجن ويعبدهم من
دون الله، بل إننا وجدناهم ورأيناهم بالصور وهم والعياذ بالله يطأون على
المصاحف ويبولون عليها ويتغوطون والعياذ بالله عليها ويضعونها في دورات
المياه إرضاء لجنّهم وشياطينهم حتى يسخروا لهم ما يريدون أن يفعلوه بالناس.
فالسحر بوابة الكفر لا يمكن للإنسان أن يكون ساحراً حتى يكفر بالله عز
وجل. إذن نحن نقول متى علمتم بساحر أو علمتم بساحرة فاجتهدوا أن تكافحوهم
وأن تقلعوا هذا الشر والفساد من أرض الله. وحدّ الساحر كما ورد في الحديث
ضربة بالسيف فيجب أن يُستأصل هؤلاء الأشرار من الأرض.


د.
الربيعة:
ما أرحم الله تعالى بنا عندما أمرنا
بالتعوذ من هذا الشر العظيم. الشر الذي أمرنا الله بالإستعاذة منه هو الحسد
والعين (وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ)


د.
الخضيري:
والحسد شيء خفيّ ولا يكاد يخلو جسد من
حسد ولكن المؤمن يدفعه ويرضى بقضاء الله وقدره ويطمئن لأمر الله. عندما
تعلم أن أخاك أصابه مال كثير قد يقع في قلبك خواطر هذا الحسد لكنك لما
تتذكر أن هذا فضل الله وأن الله يعطي من يشاء ويمنع من يشاء وأن الله كما
أعطى الآن فهو سيعطي بعد آن وأن نعم الله ليست مقصورة. ذكِّر نفسك بأشياء
كثيرة هذا يدفع عن بإذن الله عز وجل الحسد فيذهب عنك ولا تلام على ما وقع
في قلبك لكن المنافق والفاسق والذي لا يرضى بقضاء الله ولا يطمئن لوعود
الله ماذا يفعل؟ إنه يطمئن للحسد ويبدأ هذا الحسد يفعل فعله في نفسه فما
يزال يحسد أخاه حتى يكيد له وحتى يصيبه بعينه ويؤثر عليه ويؤذيه أذى بالغاً
وهو شر عظيم ومن آثاره العين وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في العين
"لو كان شيء سابق القدر لسبقته العين"


د.
الربيعة:
نلحظ في هذا الزمن كثرة هذا الشر وهذا
الشر يظهر أنه يقترن كثيراً مع النعمة فإذا كثرت النعمة عند الناس حسد
بعضهم بعضاً عليها وهذا عجيب والواجب عكس ذلك أن تكون هذه النعمة سبباً في
فضل الناس بعضهم على بعض. وأشير في مناسبة هذا أننا ينبغي أن نتقي هذا
الحسد وهذه العين بأسباب كثيرة منها التعوذ بالله والتحصن وخاصة أن نحصن
أبناءنا فإن كثيراً من الناس يتساهلون وخاصة من النساء، فمنهن هداهن الله
من تزيّن أبناءها بل قد تزيّن نفسها ثم تخرج إلى تلك الأفراح والمناسبات
وتتعرض لأسباب الحسد والعين بذلك. أقول ينبغي علينا أن نتقي ذلك خاصة وأنه
قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أكثر أمته يموتون من العين. فمن أسباب
ذلك الوقاية بالتعوذ ومن أسباب ذلك البعد عن أسبابه ومسبباته. إذن هذه
السورة العظيمة سورة الفلق سورة هي توجيه ووصية من الله عز وجل لنا أن نتقي
الشرور بالتعوذ والإعتصام والإلتجاء إليه سبحانه وتعالى والتوحيد الخالص
له سبحانه وتعالى وأن نتقي هذه الشرور بالبعد عنها أولاً ونحذر أن نكون من
أهلها بالسحر والحسد والليل وغيرها. ينبغي أن نكون من أضدادها الصالحين
الذي يحبون الخير للناس، الذين يدفعون الشر عن الناس، الذين ينشرون الخير
بين الناسز هذه السورة العظيمة من الله عز وجل لنا أن نستعيذ بالله سبحانه
وتعالى من الشرور التي كم نتعرض لها في أزماننا وحياتنا. بهذا نختم حديثنا
عن هذه السورة ولنا معكم بإذن الله تعالى لقاء في مجلس آخر نسأل الله أن
يقينا وإياكم وذرياتنا وأزواجنا الشرور كلها ظاهرها وباطنها وصلى الله وسلم
على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.










عدل سابقا من قبل صقر في الخميس 6 مايو 2010 - 15:08 عدل 3 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ace
مشرف
مشرف


نقاط نشاطي : -25103618
سمعة العضو : 28999

مُساهمةموضوع: رد: موسعة برامج القران الكريم متعدد الحلقات   الخميس 6 مايو 2010 - 14:49

شكرا لك




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: موسعة برامج القران الكريم متعدد الحلقات   الخميس 6 مايو 2010 - 14:52

الحلقة 27

(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴿١﴾ اللَّهُ الصَّمَدُ
﴿٢﴾لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴿٣﴾ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴿٤﴾
الإخلاص)


د.
الربيعة:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد
لله وأصلي وأسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين. حياكم الله في
برنامجكم المبارك الذي نلتقي فيه في ظلال كتاب الله عز وجل نحيا به من خلال
تأمل وتدبر لآيات كتاب الله سبحانه وتعالى. معنا هذا اليوم سورة عظيمة
سورة قدرها وفضلها في كتاب الله عظيم فهي سورة الإخلاص التي تعدل ثلث
القرآن. هذه السورة العظيمة حينما نتأملها حق التأمل نجدها في مقصدها
الأعظم إنها تحقق للقارئ وللمتدبر الإخلاص والتوحيد لله عز وجل فمن أراد
الإخلاص وتحقيقه، الإخلاص الاعتقادي العلمي فعليه بهذه السورة.


د.
الخضيري:
سبق وقلنا في سورة الكافرون أن اسمها
سورة الإخلاص لكن بيّنا أن الإخلاص في تلك السورة هو إخلاص في العمل وهذه
إخلاص في الاعتقاد وبهذا نعلم أن الإخلاص قسمان وعلى الإنسان أن يتقي الله
سبحانه وتعالى في امتثالهما والقيام بهما. أولاً يُخلص في اعتقاده ومعرفته
بالله فهو يعلم أن الله واحد في ذاته واحد في أسمائه وصفاته، واحد في
ألوهيته، واحد في ربوبيته، واحد سبحانه وتعالى لا مثيل له ولا ند ولا شبيه
ولا نظير جل وعلا. فإذا امتلأ قلبه بذلك إنتقل إلى شيء آخر حقق ذلك في
العبادة فلم يعبد مع الله أحداً سواه. ولذلك نلاحظ أن القارئ أو أن الشارع
شرع لنا أن نقرأ هاتين السورتين في موطن واحد فنحن نقرأ سورة الكافرون
وسورة الإخلاص في ركعتي الفجر وفي ركعتي المغرب وفي الوتر ونقرأهما عند
النوم ونقرأهما في ركعتي الطواف. وهنا أشير إلى سر جميل ذكره ابن هبيرة
رحمه الله تعالى سأل أصحابه ما الحكمة من كون الإنسان يقرأ في ركعتي ما بعد
الطواف عند مقام إبراهيم سورة الكافرون والإخلاص؟ فتأمولا ولم يجدوا شيئاً
فقال لقد وجدت أن الإنسان إذا طاف بالبيت قد يقع في ظنه أنه يعظِّم هذا
البيت ويعبد هذا البيت فقيل له إقرأ ما يحقق لك الإخلاص. وأن طوافك هذا
طاعة لله وامتثال لأمر الله وإنه لولا أن الله أمرنا بذلك لم نفعل ذلك.


د.
الربيعة:
وأيضاً شرع النبي صلى الله عليه وسلم
قرآءتها أدبار الصلوات وهذا يجعلنا نتساءل ما سر ذلك؟ قرآتها مع المعوذتين
وآية الكرسي؟


د.
الخضيري:
هذا لتجديد التوحيد فنحن نجدد توحيدنا في
كل حال. وبهذه المناسبة أحب أن اذكر بحديث عظيم رواه الحاكم، قال فيه
النبي صلى الله عليه وسلم "إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب
فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم" فالتوحيد هو حقيقة الإيمان. فأنت
عندما تسأل الله سبحانه وتعالى أن يجدد الإيمان في قلبك يعني أن يجدد
التوحيد في قلبك. فتتعلق بالله ولا تنظر لأحد سوى الله ويعظم الله في قلبك
فلا يكون هناك مزاحم لله جل وعلا لا دنيا ولا مال ولا بنين ولا غير ذلك مما
يقربه الناس ويتوكلون عليه ويحبونه أو يرجونه نسأل الله العافية والسلامة.


د.
الربيعة:
تأمل إسم السورة، هل ورد فيها؟ ما ورد في
ألفاظها، الإخلاص. هذا يجعلنا نقول حقاً إنها سورة الإخلاص ولهذا فهي تعدل
ثلث القرآن؟


د.
الخضيري:
ما سر أنها تعدل ثلث القرآن؟

د.
الربيعة:
والله أعلم ذكر بعض العلماء عدة معاني
منها أنها حين كانت تتضمن التوحيد فهذا ثلث القرآن فالقرآن توحيد وعقيدة
وأحكام وأخبار فهي بهذا المعنى تعدل ثلث القرآن لكونها تحقق التوحيد لله.


د.
الخضيري:
يعني من آمن بها واعتقدها فكأنما تحقق
بثلث القرآن وكأنما إذا قرأها قرأ ثلث القرآن لأنها تشمل التوحيد بجميع
جوانبه.


د.
الربيعة:
وهذه السورة أيضاً هي نَسَب الرب سبحانه
وتعالى كما ورد أن المشركين أتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا
إنسِب لنا ربك، فأنزل الله تعالى (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) واحد ليس له
ولد وليس له والد.


د.
الخضيري:
هو الأول والآخر والظاهر والباطن. نود أن
نقف عند هذه الأحادية، عندما نعتقد أنه واحد وأنه صمد يعني سيّد قد كمُل
سؤدده وهو سبحانه وتعالى قد عظم في قدره وأسمائه وصفاته.


د.
الربيعة:
ولهذا يقول ابن عباس في ملحظ جميل في
معنى ذكره في معنى الصمد قال هو الحليم الكامل في حلمه العلمي الكامل في
علمه القدير الكامل في قدرته الحي الكامل في حياته، فالصمد دالٌ على أن لله
عز وجل الصفات والأسماء الكاملة.


د.
الخضيري:
هذا المعنى إذا تحقق منه المسلم آمن به
وعَلِمه وبدأ يربي نفسه عليه، ماذا يعني له؟ في نظري أنه يعني له الكثير.
عندما تعلم أن الله كامل في غناه، كامل في علمه، كامل في حلمه، كامل في
سؤدده، غني عن خلقه وأننا نحن بحاجة إليه وأننا لا بد أن نصمد إليه يصمد
إليه الخلق بحاجاتهم جعل ذلك العبد أن يفتقر إلى الله تمام الافتقار فيعلم
أنه لا يستطيع أن يتصرف حتى في قبضة يده، ولا في حركة عينه ولا في نبضة
قلبه ولا في شيء مما يريد أن يفعله إلا بالله. وهذه والله لو تمكّن الإنسان
منها لكان هو الموحِّد حقاً وهو أن تعترف أنك مفتقر إلى الله وأنه لا غنى
لك عن الله طرفة عين وأن الله سبحانه وتعالى قادر عليك متمكن منك محيط بك
لا يعزب من علمك عنه مثقال ذرة ولا أضغر من ذلك ولا أكبر.


د.
الربيعة:
لعل معنى الصمد هذا اللفظ العظيم حينما
يستحضره المسلم بهذين المعنيين الأول أن الله سبحانه وتعالى كامل في كل شيء
والمعنى الآخر أن جميع الخلق محتاجون إليه حينها فعلاً نحقق معنى الإخلاص.
تعرف أن الله سبحانه وتعالى كامل في وحدانيته وألوهيته وربوبيته وكامل في
أسمائه وصفاته وإذا كان هذا المعنى العظيم لله تعالى وهو الكمال حُقَّ
للمخلوقين جميعاً أن يلتجأوا إليه سبحانه وتعالى وحُقّ لهم النقص فهو
الكامل ولهم النقص فما أحوجهم له. هذا اللفظ بهذين المعنيين يعطي المسلم
توحيداً وإخلاصاً لله عز وجل.


د.
الخضيري:
أريد أن أستعرض بعض المشاهد من حياة رسول
الله صلى الله عليه وسلم في افتقاره إلى ربه لا أقول في موطن واحد ولكن في
كل المواطن. كان عليه الصلاة والسلام كثير اللجوء إلى الله سبحانه وتعالى
وإذا فزغ عليه الصلاة والسلام وحزبه أمر فزع إلى الصلاة. اذكر على سبيل
المثال في غزوة بدر خرج مجاهداً في سبيل الله ومعه خير أهل الأرض وهم
أصحابه رضي الله تعالى عنهم، لما التقى الصفان واجتمع الجندان وحصل الخوف
قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ويناشد الله، اللهم نصرك الذي
وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تُعبَد في الأرض. الرسول صلى الله
عليه وسلم يدافع عن دين الله ويجاهد في سبيل الله وجاء إلى هذا المكان
امتثالاً لأمر الله ما الحاجة إلى الدعاء؟ هو كمال الافتقار، إظهار
العبودية، إظهار التوحيد، إظهار أنني محتاج إليك يا الله في كل شيء. هذه هي
حقيقة الصمدية يعني أن تصمد إلى الله بحاجاتك، أن تعرضها على ربك أن تعلم
أنه لا يقضيها أحد إلا الله حتى إن أبا بكر لما رأى النبي صلى الله عليه
وسلم قد رفع يديه حتى سقط الرداء من على منكبيه رفع الرداء وقال كفاك
مناشدتك ربك فإن الله منجز ما وعدك. أبو بكر يشفق على رسول الله صلى الله
عليه وسلم ويقول إن الله سينجز لك ما وعدك، أبو بكر يأتي بالبشارة لرسول
الله صلى الله عليه وسلم لأنه يعلم افتقاره إلى الله عز وجل. وهذا يذكرني
بقصة حصلت للمنذر بن سعيد البلوطي لما طلب الخليفة أن يخرج ليستسقي للناس
قال كيف تركت الخليفة؟ قال تركته وهو يتمزغ على الأرض ويقول اللهم إني
أسألك أن لا تعذبهم بسببي ولا بسبب ذنوبي فقال المنذر بن سعيد فقال يا غلام
أين الممطرة (التي تقي من المطر)؟ فقيل له كيف تفعل ذلك ولمّا تستسقي بعد؟
قال إذا ذلّ جبار الأرض رحِم جبّار السماء. رحمة الله تأتي بعد ذُلِّنا
وافتقارنا إليه. وبالفعل خرج المنذر بن سعيد فما هو إلا أن بدأ يستسقي حتى
نزل المطر كأفواه القِرب ورجع الناس وهم يتّقون المطر.


د.
الربيعة:
لعلنا نرجع إلى السورة في تمامها، القسم
الأول هو في إثبات الكمال لله والوحداني والصمدية لله سبحانه وتعالى. في
قسمها الثاني تجده نفياً بعد إثبات (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ
يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)) ملحظ جميل في قوله (لم يلد) قدّم نفي
الولد على الوالد مع أن الأصل نفي الوالد قبل الولد لم يولد ولم يلد، لماذا
قدم نفي الولد؟ لأنه لم ينسب أحد الله إلى والد وكل الطوائف نسبت إلى الله
الولد فقدّم ما هو الواقع وما هو الأهم. فالقسم الثاني كله في تنزيه الله
بعد وصفه للكمال وهو ردّ لكل الطوائف التي تزعم أن لله ولد.


د.
الخضيري:
اليهود زعمت أن عزيراً ابن الله والنصارى
زعمت أن المسيح ابن الله


د.
الربيعة:
والمشركون زعموا أن الملائكة بنات الله

د.
الخضيري:
وما زال الناس إلى اليوم ينعمون أشياء
ولداً أو بنتاً تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً وهذا من أعظم الفِرى.
هناك ملحظ لعلنا نختم به وهو قوله تعالى (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3)
وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)) جمع بين نوعين من النفي النفي
الأول نفي المفصّل وهذه ليست عادة القرآن نفي المفصّل إلا عند الحاجة يعني
عندما يكون هناك حاجة إلى نفي المفصّل فإن النفي يأتي مفصّلاً وإلا في
الأصل أن النفي يأتي مجملاً كما في قوله (وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا
أَحَد). فالأصل في الإثبات أن يكون مفصلاً وفي النفي أن يكون مجملاً فجاء
النفي هنا مجملاً وجاء النفي أيضاً مفصّلاً ولكن لأجل الحاجة. لما كانت
هناك حاجة جاء النفي فيها مفصلاً.


د.
الربيعة:
إذن نستطيع أن نقول أن هذه السورة
العظيمة سورة تحقق في نفس الإنسان الذي يقرأها بتدبر وتحقيق تحقيق الإخلاص
والتوحيد لله، فمن أراد تحقيق الإخلاص والتوحيد فليقرأ هذه السورة وليكررها
في قلبه قبل لسانه.


د.
الخضيري:
وليحبها أيضاً حتى يحبه الله كما حصل
لأحد الصحابة عندما كان يختم قراءته في كل ركعة بسورة الإخلاص فجاء اصحابه
وأخبروا النبي صلى الله عليه وسلم فقال سلوه لِمَ يفعل ذلك؟ فقال لأن فيها
صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأها فقال أخبروه أن الله يحبه بحبها.


د.
الربيعة:
وأننا نُشهد الله عز وجل في ختام هذه
الحلقة حب هذه السورة وحب كتابه نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من أحبابه ومن
أهل كتابه ونعتذر إليكم لأن هذه السورة لا تنتهي معانيها لعظم فضلها ولكننا
أخذنا شيئاً منها لعلنا نترك لكم بقيتها في تدبر وتأمل. لنا معكم لقاء
بإذن الله والسلام عليكم وحرمة الله وبركاته.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: موسعة برامج القران الكريم متعدد الحلقات   الخميس 6 مايو 2010 - 14:54

الحلقة 26

د.
الخضيري:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . الحمد
لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. كما قدمنا
لكم في بداية حلقات هذا البرنامج الذي نسبح فيه في عالم قِصار المفصّل
تعاهدنا وتعلمنا على أن نأخذ دورة في هذه السور كيف نتدبر القرآن ونحول
الآيات إلى منهاج عملي لنحيا بالقرآن. فهذا هو المجلس الخامس والعشرون وهذه
هي الجلسة المخصصة لسورة المسد والتي يقول الله عز وجل فيها (تَبَّتْ
يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴿١﴾ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ
﴿٢﴾ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ ﴿٣﴾ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ
﴿٤﴾ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ﴿٥﴾ المسد). هذه السورة جاءت للحديث
عن شخص لكن هذا الشخص متميز شخص خاص بمواصفات خاصة ولذلك خصصت هذه السورة
له بل سميت باسمه بل صُرِّح في القرآن بإسمه على غير عادة القرآن الجارية
على عدم التصريح بالكافرين والمنافقين والمناوئين للدعوة وإنما يذكرهم
إجمالاً ويذكر صفاتهم. في هذه السورة حديث خاص باسمه وبعينه، لماذا؟ وما
الحكمة من ذلك؟ لماذا تحدثت هذه السورة عن شخص معين.


د.
الربيعة:
هذه السورة سورة المسد تحدثت عن أقرب
الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو عمه أبو لهب وهذا يجرّنا إلى البحث
عن سبب نزول هذه السورة. سبب نزول هذه السورة هو أن النبي صلى الله عليه
وسلم لما أُمر بإعلان دعوته (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214)
الشعراء) (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ (94) الحجر) فصعد على الصفا ونادى
قريشاً ثم قال لهم لو أخبرتكم أن خلف سفح هذا الجبل جيشاً سيغزوكم أكنتم
مصدقيّ؟ قالوا ما جربنا عليك كذباً، قال إن ينذير لكم بين يدي عذاب أليم،
فقال أبو لهب بجرأته وهم عمّ النبي صلى الله عليه وسلم وهزّ يده عليه وقال
تباً لك ألهذا جمعتنا؟ تبّاً يعني هلاكاً ووعيداً وتشنيعاً عليه فأنزل الله
عز وجل هذه السورة لتكون عبرة لمن خلفه ممن يعلن العداوة للدعوة وأهلها.
وهو عم النبي وأقرب الناس إليه لم يحابيه القرآن ولم تحابيه هذه السورة ولم
يصرح القرآن برجل غير هذا الرجل من أهل الكفر الذين كانوا في عهد النبي
صلى الله عليه وسلم.


د.
الخضيري:
لم يصرح إلا بإسم أبي لهب

د.
الربيعة:
هذا يدلنا على أن أول المعادين للدعوة
يتولى كِبراً وإثماً عظيماً (وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ
عَذَابٌ عَظِيمٌ (11) النور) فمن تولى كبر المعصية وساق الناس إليها ودعا
الناس إليها ومن تولى كبر عمل من الأعمال


د.
الخضيري:
مناوأة الدعوة ومعاداة الداعين إلى الله
سبحانه وتعالى ومحاولة تشكيك الناس بثوابتهم ودينهم فإنه يجب علينا أن نرد
عليه بقوة ونقطعه ونبين تهافت حجته وأيضاً نصرح بإسمه


د.
الربيعة:
قد يقول بعض الناس لماذا نتكلم عن
الأسماء؟ نحن نتكلم عن الأسماء حينما تكون هذه الأسماء رموزاً للشر ويكون
لها كبر الأمر وتولي كبر هذا الفساد والإفساد حينها ينبغي أن نصرح بإسمهم
تحذيراً منهم ومن شرّهم. فالقرآن في عادته لم يصرح بإسم أبي جهل ولا بإسم
ابن شيبة ولا بغيرهم من صناديد قريش إنما صرح بأعمالهم وسيء أخلاقهم. أما
ابو لهب حينما كان أول من تولى العداوة فقد صرّح بإسمه فنقول أننا بحاجة أن
نفقه هذا المنهج الرباني في التصريح بالأسماء. لعلنا نواصل الحديث في هذه
السورة لنتبين حقيقة هذا الرجل والذي دعاه إلى هذا الكبر وهذه الغطرسة،
يقول تعالى (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴿١﴾ مَا أَغْنَى عَنْهُ
مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ﴿٢﴾)


د.
الخضيري:
ماله وولده وجاهه جعلوه يكذب برسول الله
صلى الله عليه وسلم إضافة إلى ما طُبع عليه من الكبر الذي منعه من قبول
الحق فهو امتنع عن قبول دعوة النبي صلى الله عليه وسلم مع وضوحها وبيان
الحجة فيها وأن النبي صلى اله عليه وسلم لم يدخر وسعاً في القيام بالحجة
على وجهها.


د.
الربيعة:
لو كان المكذبين ليسوا من عشيرة النبي
صلى الله عليه وسلم لكان له في ذلك عذر عند قبيلته وعذر عند عشيرته لكن هذا
أقرب الناس إليه فالإنسان من أعظم ما يدعوه إلى الإعراض وأعظم ما يدعوه
إلى الصد عن سبيل الله عز وجل حينما يكون ذا غنى وكونه ذا جاه وذا شرف
ومنصب في الناس وهذا نشاهده على الواقع، نجد في الناس من هو ذو وجاهة


د.
الخضيري:
(وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن
نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ
كَافِرُونَ (34) سبأ) تأمل هذا المعنى أن الترف والرفاهية وكثرة المال
والغنى يطغيان العبد كما قال عز وجل في سورة العلق (كَلَّا إِنَّ
الْإِنسَانَ لَيَطْغَى (6) أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى (7)) متى رأى الإنسان
نفسه مستغنياً فإن هذا يدعوه إلى الطغيان والاستكبار بالحق.


د.
الربيعة:
تأمل أيضاً سورة الهمزة (وَيْلٌ لِّكُلِّ
هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ (1) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (2)) جمع مالاً
وعدده فكان سبباً في طغيانه واستهزائه وسخريته كما سيأتي الحديث عنه في
سورة الهمزة. بعد ذلك تأمل السورة في قوله (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ
وَتَبَّ ﴿١﴾ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ﴿٢﴾)


د.
الخضيري:
عملك الصالح إذا اتقيت به الله عز وجل

د.
الربيعة:
هذه الصورة التي تمثل بها أبو لهب صورة
تتكرر كثيراً في واقعنا. ولهذا أبرزها الله عز وجل في هذه السورة وأبرز هذا
الرجل ليكون عبرة لغيره وكل من تصدى للصد عن سبيل الله عز وجل فيكون أمامه
ابو لهب الذي توعده الله تعالى بالويل (سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ).
وتأمل كيف قال (سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ) في مقابل قوله (تَبَّتْ
يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ) ما المناسبة بين هذين اللفظين؟


د.
الخضيري:
لا شك أن أبا لهب كان يُكنة في الجاهلية
بأبي لهب من إشراق وجهه وحمرته الحمرة التي كانت تعلوه فكان كأنه قطعة من
اللهب، فالله عز وجل توعده بضد ما كان يُكنى به وهو أنه سيصلى ناراً متلهبة
فكما كنت ذا لهب في الدنيا فأنت ذا لهب في الآخرة وستصلى ناراً ذات لهب.


د.
الربيعة:
هذا يجعلنا نقول أن الإنسان سيعذب بالأمر
الذي كان سبباً في توليه هذا الكبر وإعراضه. فالإنسان الذي تولى كبره من
منصبه فإنه سيعذب يوم القيامة بمنصبه.


د.
الخضيري:
ومن أحب شيئاً دون الله عز وجل وعبده دون
الله عز وجل عُذّب به. لاحظ أيضاً مسألة أخرى مهمة جداً أن أبا لهب لم
يقتصر عليه العذاب بل حتى الذين عاونوه وعاضدوه وساندوه ووقفوا معه وكان
لهم دور ثانوي في دعم مسيرته في صد الناس عن دين الله عز وجل كان لهم مثل
وعيده. فلا تقل أنا سرت في ركاب هؤلاء وسايرت هؤلاء الناس ومشيت معهم وهم
الذين غرروا بي، لا أحد يغرر بأحد وما أحد إلا مسؤول عن نفسه ولذلك ذكر
الله عز وجل في القرآن امرأته (وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي
جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ (5)) لهذا نحن نحذر أنت مسؤول بنفسك عما
تعتقده وعن مواقفك وستُسال عنها أمام الله سبحانه وتعالى. لا تقل فلان قال
بها فقلت بها مثلما قال، لا، عندما يقول بها فلان إعرضها على قلبك واعرضها
على عقلك واعرضها كتاب ربك واعرضها على الح واعرضها علة الواقع تأمل هل هي
بالفعل تستحق أن يُتبع عليها صاحبها أو لا تستحق، فلا تكن إمعة إن أحسن
الناس أحسنت وإن أساؤا أسأت ولكن وطّن نفسك إن أحسنوا أن تحسن وإن اساؤا
ألا تتابعهم في إساءتهم


د.
الربيعة:
ما أكثر المطبلين للباطل يتبعونه وهم لا
يشعرون! لكن حينما نتأمل السورة نجدها ركزت على هذا الرجل وزوجته، لماذا
زوجته؟ هل فقط زوجته كانت تبعاً له أم كان لها شأن في عداوة النبي صلى الله
عليه وسلم؟


د.
الخضيري:
لا شك كان لها شأن في عداوة النبي صلى
الله عليه وسلم كانت تقوم بادوار إيذاء للنبي صلى الله عليه وسلم لا تقل
عما يفعله الزوج حتى أنها كانت تأتي بالقمامات والشوك وتضعه في طريق النبي
صلى الله عليه وسلم، كانت تؤذي النبي صلى الله عليه وسلم بلسانها، كانت
تحاول أن تضع العراقيل في دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، تشيع الشائعات،
لم تكن مجرد مطبِّل فقط يعني تصفّق لأفعال زوجها فقط ولو فعلت ذلك لكانت
ملومة ولكنها كانت تزيد على ذلك بأنها كانت تفعل أشياء محددة في صد الناس
عن دين الله وإيذاء أصحاب الدعوات


د.
الربيعة:
وللسورة سبب نزول نذكره على وجه سريع أن
النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه السورة ذكر المفسرون أن أم جميل
امرأة أبي لهب جاءت ومعها حجر تريد أن ترمي به النبي صلى الله عليه وسلم
وجاءت تقول أين الذي يسبني؟ فجاءت والنبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر عند
الكعبة فقال أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم هاهي أم جميل قد أقبلت، فلما
جاءت لم تر النبي صلى الله عليه وسلم حجبها جبريل عنه فقالت أين صاحبك؟ لو
رأيته لرميته بهذا الحجر. هذا يدلنا على أن المرأة لها شأنها ولذلك نقول
هي رمز النساء اللآئي يتولين الإفساد في الأرض.


د.
الخضيري:
وما أكثرهن في هذا الزمان. وبالمناسبة
أشرت إلى شيء مهم أن الإنسان قد لا يكون رأساً في الفساد لكنه يطبِّل
للفساد فلا تظن أنك بمنأى عن عقوبة الله عز وجل، والله أنا دعيت إلى قناة
فضائية إلى أن أصور أو أؤجر للبنك الربوي هذا أنا ما لي شأن في هذه الأمور
أنا ما فعلت شيئاً من الإثم، إذن من الذي هيّأ لهم هذا البلاء؟ من الذي
قدّم لهم هذا العمل على طبق من ذهب؟ من الذي ساعدهم في تحقيق ممكنهم
ومحاربتهم لله؟ّ هو أنت وتعلم أن هذا محرّم وهذا لا يجوز فلا يحل لك أن
تتصرف هذا التصرف ووزرك على قدر عملك وكلهم مشتركون في الوزر.


د.
الربيعة:
في السورة قال (وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ
الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ (5)) الجيد هو الرقبة،
فالرقبة تسمى جيداً إذا كان عليها حليّ تسمى جيداً فهذا الجيد الذي كان
عليه الجمال والبهاء سيكون عليه حبلاً من مسد. ما هو المسد؟


د.
الخضيري:
هو الحبل من الليف المتين ستجر به يوم
القيامة. نختم بمسالة مهمة جداً وهي أن أبو لهب عم النبي صلى الله عليه
وسلم ومع ذلك لم ينفعه قربه لما كفر برسول الله وهذا يقرره النبي صلى الله
عليه وسلم لنا كلمة جميلة عظيمة أحب أن اذكر بها، قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم "من بطّأ به عمله لم يُسرع به نسبه" لا تقل أبي عالم، أبي تخرج
من الجامعة الفلانية، أبي مفتي، أبي من الصالحين، بنى المساجد، أنفق
النفقات، أنت ماذا فعلت؟ أنت ماذا قدمت؟ أنت ماذا صنعت لنفسك من الصالحات؟
لا تقل قد عمل آبائي وأنا سلسلة من الصالحين لكن ماذا عملت أنت؟ من بطّأ به
عمله لن يسرع به نسبه. نسبك لن يقرّبك إلى الله إنما الذي يقربك غلى الله
عز وجل هو عملك فلننتبه لهذا ولنحذر من الفخر بأنسابنا وأحسابنا وندع العمل
الذي هو حسبنا ونسبنا يوم نلقى ربنا سبحانه وتعالى.


د.
الربيعة:
ما أعظم هذه السورة في ختام حديثنا عنها
حينما تعطينا معنى عظيماً في الذين يصدون عن دين الله ويتولون كبر هذا
الصدّ نحذر أن نكون منهم أو أن نكون من أتباعهم أو الناعقين باسمائهم
وبدعواتهم وما أكثرهم اليوم! دعوات الباطل، تحرير المرأة، دعوات التغرير،
دعوات التبعية للأعداء والغرب، دعوات التخلي عن دين الله، إنها دعوات كثيرة
ينبغي أن نتفظن لها ونعرف أصحابها فنحذرهم ونحذر دعواتهم. نختم حديثنا
نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من الذي يدعون إلى الخير ويحفظنا من الذين
يصدون عن الحق ونسأله سبحانه وتعالى أن ينصر دينه وكتابه وسنة نبيه صلى
الله عليه وسلم. ولنا لقاء بإذن الله عز وجل في جلسات قادمة وصلى الله وسلم
على نبينا محمد.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: موسعة برامج القران الكريم متعدد الحلقات   الخميس 6 مايو 2010 - 14:56

الحلقة 25

(إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1)
وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2)
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3)
النصر)


د.
الربيعة:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد
لله وأصلي وأسلم على رسول الله الأمين وعلى آله وأصحابه أجمعين, أما بعد،
حياكم الله في حلقة من حلقات برنامجكم المبارك "لنحيا بالقرآن" نسأل الله
عز وجل أن يحيي قلوبنا بكتابه. ما زلنا وإياكم مع سور كتاب الله عز وجل،
تلك السور التي نعيش فيها في ظلالها ونحيا مع آياتها متمثلين فيها المعاني
التي يمكن أن نطبقها في واقعنا. معنا اليوم سورة عظيمة سورة تأنس لها
القلوب المؤمنة وترجوها قلوب المؤمنين اليوم إنها سورة النصر. سورة هي آخر
سورة نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم كسورة وليست كآية. نزلت عليه أولاً
تبشره بأن هذا الدين الذين منحه الله تعالى إياه فسيمنحه الله تعالى معه
النصر والخير الكثير. وهي إشارة في نزولها إلى تمام هذا الدين في شرعه
والرسالة ولذلك هذه السورة كما ذكر ابن عباس رضي الله تعالى عنه وعمر رضي
الله تعالى عنه أنها في أَجَل النبي صلى الله عليه وسلم. لعلنا نتأمل من
خلال هذه السورة هذا المعنى العظيم ونأخذ منه مقصداً عظيماً وهو أن الله
تعالى يعدنا بأن هذا الدين موصول بالنصر وموصول بالفتح إلى يوم الدين
"وليبلغنّ هذا الدين ما بلغ الليل والنهار". ويبين الله تعالى أن هذا النصر
مربوط بأمر وشروط هي تسبيح الله عز وجل والتوبة إليه والرجوع إليه وصدق
الرجوع إليه كما سيأتي في بيان هذه السورة. لعلنا نأخذ بعض آيات هذه السورة
وقبل ذلك هل يمكن أن نأخذ فيها معنى بيان أَجَل النبي صلى الله وسلم؟


د.
الخضيري:
لا شك أن هذه السورة لما نزلت علم منها
فقهاء الصحابة أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذلك لأنه إذا جاء نصر
الله وفتح الله على رسوله صلى الله عليه وسلم فاستغفر يا محمد وسبح بحمد
ربك واستعفر إن الله تواب عليك. يفهم كل واحد من هذا المعنى من هذا السياق
أنه قد أديت الأمانة وأكملت الرسالة وبلّغت المهمة التي عليك فاستعد للقاء
الله بالتسبيح والاستغفار. هذا ما فهمه أبو بكر رضي الله تعالى عنه وما
فهمه عمر وما فهمه ابن عباس ولذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما أخذ بعض
الصحابة عليه أنه يُدخل ابن عباس مع كبار الصحابة أراد أن يبين لهم لماذا
يفعل ذلك، لمكانة ابن عباس وعلمه بالكتاب.


د.
الربيعة:
وببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم
له.


د.
الخضيري:
نعم، ببركة دعاء النبي صلى الله عليه
وسلم عندما دعا له قال: اللهم فقهه في الدين وعلّمه التأويل" فعُلِّم
التأويل. فابن عباس رضي الله عنه وأرضاه يوماً ما دعاه عمر ليدخل مع كبار
الصحابة فلما اكتمل المجلس قال ما تقولون في قول الله عز وجل (إِذَا جَاء
نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ
اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ
إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3))؟ فهم أجابوا بظاهر الآية وظاهر الآية وما
أجابوا صحيح وليس خطأ ولكن عمر كان يسأل عن المعنى الذي يحتاج إلى تأمل
وتدبر وإعمال فِكر فهذا هو الذي كان يبحث عنه عمر رضي الله عنه ويقيس به
فهم ابن عباس ومدى رسوخه في العلم. فقال ما تقولون فيها؟ قالوا أمر الله
نبيه صلى الله عليه وسلم إذا فتح الله عليه ونصره ودخل الناس في دين الله
أفواجاً أن يسبح بحمد ربه ويستغفره. قال ماذا تقول فيها يا ابن عباس؟ قال
هذه أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم. يعني أنها تبين أن محمداً قد حان
أجله لأنه لما قال إذا جاء نصر الله فسبح يا محمد واستغفر يعني إستعد
للموت. قال لا أعلم منها إلا ما تعلم فأذعن الصحابة وعلموا ابن عباس قد
أوتي علماً وهو شاب. ولذلك يقول ابن عباس في وصف نفسه وهو يتمدح في قول
الله عز وجل (هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ
مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا
الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ
ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ
إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ
كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ
(7) آل عمران) يقول أنا من الراسخين في العلم.


د.
الربيعة:
وذلك ببركة دعاء النبي صلى الله عليه
وسلم له. نستفيد من هذا أنه إذا لمحنا من شاب فطنة وإقبالاً على العلم أننا
نجعل له من أمرنا اهتماماً ونجعله في مجالس الكبار حتى يتعلم منهم.


د.
الخضيري:
بلى بل إننا يجب أن نكون لماحين في
التعرف على أبنائنا ومن حولنا فنسخر كل واحد فيما يصلح له. قال النبي صلى
الله عليه وسلم "إعملوا كلٌ ميسر لما خُلق له". فعندما أرى شاباً عنده ذكاء
وفطنة فاجعله مع من يوقظه وينبهه وعندما أجد شاباً جلداً على الزراعة
والحرث أعلمه ما ينتفع به، كما كان النبي يسخر الصحابة لما أسلم خالد بن
الوليد قال هذا سيف من سيوف الله سلّه الله على المشركين.


د.
الربيعة:
هذه رسالة.

د.
الخضيري:
ولما اسلم أبو هريرة وجاء ورأى عنده
حرصاً على أحاديث رسول الله دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالبركة في
الحفظ فصار أحفظ أصحاب رسول الله حتى حكى لهذه الأمة أكثر من خمسة آلآف
حديث وعنده خير كثير لم يدانه أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.


د.
الربيعة:
لعلنا نقف عند لفتة في دعاء النبي صلى
الله عليه وسلم لابن عباس بالعلم أنه ينبغي أن نُكثر من الدعاء لأبنائنا
بالعلم وبفهم القرآن العظيم فإنه إن علموا وفهموا كتاب الله فقد استقاموا.
لعلنا ندلف إلى السورة في قوله عز وجل (إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ
وَالْفَتْحُ) إذا تأملت هذا الأسلوب العظيم (إذا جاء) أنه لم يأت بعد مع
أنه قد جاء. هنا قال الله تعالى (إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ)
والنبي صلى الله عليه وسلم قد نُصر وفُتح له فهذا يعطينا معنى عظيماً أن
هذا النصر لا يزال ولن يزال لهذه الأمة، هذا النصر وهذا الفتح. فهذا يعطينا
بشرى من الله للمؤمنين بان هذا الدين ودينكم منصور ما بقيت الدنيا فما
أعظم هذا المعنى في هذه السورة العظيمة.


د.
الخضيري:
قول الله عز وجل (إِذَا جَاء نَصْرُ
اللَّهِ وَالْفَتْحُ) يجب أن نعلم أن هذا النصر الذي يؤتى من الله وأنه إذا
كان النصر الذي ستؤتاه الأمة من الله فيجب علينا أن نعتني بالله لأن النصر
من عنده. الناس يعتنون الآن الحكومات والدول سواء منها الإسلامية وغير
الإسلامية تعتني بالتسليح وتعتني باشياء كثيرة ترى أن النصر يتحقق بها
وتنسى الله. نحن لا نقول لهم اتركوا الإعداد، الإعداد مطلوب ولكن يجب أن
يكون هذا الإعداد وسيلة والحقيقة يجب أن نعلم أن النصر لا يكون إلا من الله
ولا ينحقق إلا بالله ولا يُسأله أحد إلا الله وعلينا أن نوفي الله حقه وأن
ننصر الله بتحكيم شرعه والقيام بأوامره واجتناب نواهيه. فإذا فعلنا ذلك
عملت هذه الوسائل وأدّت مفعولها وأثّرت في واقع الحياة وهذا شيء يجب علينا
أن ننتبه له، النصر من عند الله. ولعلنا نذكر شيئاً حدث للمسلمين في عهد
قريب مع إخواننا في غزة انتصروا مع أنهم كانوا مغلوبين وكانوا محاصرين
لأكثر من عام ونصف والعدو يحاصرهم من كل زاوية حتى منع عنهم الطعام والشراب
والدواء ثم قاتلهم قتالاً شديداً ودمّر البنى التحية لأرضهم ومع ذلك لم
يستطع أن يتقدم شبراً واحداً في أرض غزة لأنه خاف ولأنهم وجدوا أسوداً
نصروا الله سبحانه وتعالى فنصرهم فكانت هزيمة ساحقة لليهود وإسرائيل التي
تدّعي أنها إسرائيل وهي كاذبة في دعاوها، كانت هزيمة ساحقة. ونحن نعلم أن
إخواننا في غزة عندهم أخطاء ولم يكملوا كل شيء لكنهم صدقوا في نصرتهم لله
عز وجل وفي التجائهم إلى الله فأعطاهم الله النصر وإلا كانوا بين فكي
الكماشة يكاد عدوهم أن يستأصلهم. وقد قال من قال من علماء الحرب والعسكريين
أن اليهود سيمسحون غزة من الخارطة وسيفعلون بهم الأفاعيل وسيذهب كل من في
غزة من البشر، ماذا حدث؟ ثلاث وعشرون يوماً وإسرائيل تدك وتدك إخواننا في
غزة ويئست من ذلك ورجعت خاسئة خائبة بحمد الله سبحانه وتعالى.


د.
الربيعة:
هنا وقفة أشرت إليه في قوله (نصر الله)
النصر ليس على كل حال أن يكون الإنسان يُفتح له في البلاد، النصر هو لثبات
على الدين والقوة والرسوخ كما مثلت في نصر إخواننا في غزة. لقد نُصروا وإن
لم يفتح لهم في بلادهم لكننا نسال الله أن يُتبع الله لهم هذا النصر فتحاً
فيمكنهم في الأرض وبإذن الله سيكون لهم ذلك إن ثبتوا على نصر الله ودينه.
في قوله (وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا)
هذا وعد من الله بأن هذا الدين سيدخله الناس.


د.
الخضيري:
وهذا رآه الناس فيما قبل ورأينا شيئاً
منه


د.
الربيعة:
ورآه النبي صلى الله عليه وسلم في عام
الفتح وفي عام الوفود.


د.
الخضيري:
في عام الوفود بعد الفتح بعام جاءت وفود
من كل مكان فدخلت في دين الله أفواجاً. ونحن اليوم نرى شيئاً من ذلك، في
قارة أفريقيا يدخل الناس في دين الله أفواجاً والله ليسوا بالمئات ولا
بالآلآف بل بعشرات الآلآف قرى بأكملها عن بكرة أبيها تدخل في دين الله عز
وجل مذعنة طائعة.


د.
الربيعة:
بل في الدول العظمى التي تواجه الإسلام
تجد من المسلمين كثير. لعلنا نختم السورة بختامها (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ
رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا)


د.
الخضيري:
ينبغي أن نقابل كل نعمة بأن نُكثر من
عبادة الله وذكره. وذكر الله هو أجلّ العبادات. فإذا فتح الله عز وجل علينا
وآتانا من فضله فعلينا أن نشطر نعمة الله سبحانه وتعالى وأن نسبح بحمد
الله وأن نستغفره. قد تقول لماذا الاستغفار وقد أنعم الله علينا؟ لماذا
الاستغفار وقد قمنا بنصر الله؟ فأقول لا يمكن للإنسان أن يقوم بعبادة الله
على وجه الكمال والتمام فلا بد أن نقصِّر نحن بشر لا بد أن نخطيء نحن بشر،
ولا بد أن يجري على أعمالنا شيء من الشوائب نحن بشر ولذلك نستغفر الله عز
وجل. أُنظر إلينا أول ما ننتهي من صلاتنا نستغفر الله لأنك في صلاتك قد
تخطيء، قد تسهو، قد تغفل، قد تقصر في الخشوع فإنك تستغفر الله لأنك ما عبدت
الله عز وجل حق عبادته.


د.
الربيعة:
وهناك معنى آخر وهو أن الاستغفار يقطع
على الإنسان وساوس الشيطان بالبطر والإعجاب بهذا العمل بعد تمامه فإن هذا
من أعظم مداخل الشيطان يصطاد بها الإنسان يُظهر له العُجب وأنك فعلت وفعلت
فيُبطل أجره. فهذا الاستغفار يجعلك تستحضر قصورك وافتقارك وأن هذا العمل
ليس في حق الله لم يكن في حق الله في شيء فحق الله عظيم، هذا عمل يسير فيما
آتاك الله تعالى. ختام السورة عظيم فتسبيح لله عز وجل هو تمجيد يوم أن
مجّدك الله ومجّد دينك تمجّده وتسبحه. والحمد هو الوصف الكامل لله عز وجل
فتسبحه وتحمده (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ) فهذا من الشكر
يوم أن كمّل الله تعالى لك الدين فاجعل هذا في الثناء على الله عز وجل ثم
بعد ذلك في الاستغفار فالجمع بينهما له مناسبة ظاهرة. ثم في ختام السورة
(إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) هذا المعنى يعطينا فسحة من ربنا والله تعالى يمد
يديه إلينا فيقول (إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) إنه يدعونا أن نتوب وأن
نستغفر وأن نرجع إليه


د.
الخضيري:
وهو توّاب كثير التوبة على عباده.

د.
الربيعة:
ما أعظم هذا الختام! وما أعظم أن نكون من
أهله وأن نقتدي برسولنا صلى الله عليه وسلم الذي كان يتأوّل هذه السورة
فكان يُكثر في آخر حياته من الاستغفار والتسبيح لله عز وجل كما قالت عائشة
رضي الله عنها


د.
الخضيري:
كان يُكثر أن يقول في سجوده وفي ركوعه
سبحانك الله وبحمد اللهم اغفر لي.

د. الربيعة:
ختاماً هذه السورة العظيمة التي تعطينا معنى النصر والوعد من ربنا بالنصر
وتعطينا الوعد من ربنا بالفتح وتعطينا من ربنا لهذه الأمة أن هذه الأمة أمة
سيكثرها الله تعالى بالدخول في دين الله عز وجل فما علينا إلا أن نقوم بحق
هذا الدين بالنصر، حق هذا الدين أن نكون من أنصاره وأن ننصر الله عز وجل
بعبادته وطاعته والدفاع عن دينه والبذل في سبيله علنا أن نحوز وأن نكون من
أهل نصر الله عز وجل. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يمنحنا نصره المبين
وفتحه الكريم وأن يقر أعيننا بفتح ونصر للإسلام والمسلمين. بهذا نختم هذا
اللقاء ونسأل الله عز وجل لنا ولكم التوفيق وصلى الله وسلم على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: موسعة برامج القران الكريم متعدد الحلقات   الخميس 6 مايو 2010 - 14:56

الحلقة 25

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف
الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. هذا هو اللقاء
السابع عشر من لقاءات هذا البرنامج أضواء المقاطع ونحن الآن في الجزء
السابع عشر من كتاب الله عز وجل وفي سورة الحج تحديداً وفي الآية 38، يقول
الله عز وجل فيها (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ
اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ﴿٣٨﴾ أُذِنَ لِلَّذِينَ
يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ
لَقَدِيرٌ ﴿٣٩﴾ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ
إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ
بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ
وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ
اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴿٤٠﴾)


في هذه الايات بشرى من الله سبحانه وتعالى لأهل
الإيمان بأنهم إن صدقوا في إيمانهم وثبتوا على دينهم فإن الله يتولى الدفاع
عنهم بل بأن ينصرهم في كل موطن يقابلون فيه عدوهم. قال الله سبحانه وتعالى
(إن الله يدافع) فيا أيها المؤن إطمئن فإن الله معك ينصرك ويؤدك ويذب عنك
ويحميك ويدافع عنك ولا يتركك ولا يسلمك لعدوك، أُصدق في إيمانك تحقق من
الإيمان تأكد منه وتثبت من سلامته فإنك إذا كنت كذلك فإن الله كريم يفي
بوعده والله لا يخلف الميعاد. هذا الوعد ينبغي أن يكون حاضراً في بالنا
عندما يجتمع علينا أعداؤنا وينبغي ان يكون حاضراً في بال المسلم عندما يقوم
برفع راية الحق ودعوة الناس إلى الله سبحانه وتعالى بأن لا يخاف وأن لا
يجبن وأن لا يهن ولا يضعف ولا يحزن فإن الله سبحانه وتعالى يدافع عنه
ويمكنه ويقوم بنصرته ويتولاه ولا يخذله. ثم قال (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ
كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ) أي لا يحب من اتصف بهاتين الصفتين الصفة الأولى
صفة الخيانة وهي نقض العهد والميثاق وعدم الوفاء بهما والثانية الكفور وهو
الذي يكثر منه الكفران فيكفر مرة يعد مرة ويبادر في الكفر نسأل الله
العافية والسلامة. وهذا يستفاد منه أنه يجب على المؤمن حتى يستحق هذا الوعد
الكريم من الله سبحانه وتعالى أن لا يكون خواناً وأن لا يكون كفوراً فإذا
كان وفياً بوعده قائماً بالميثاق الذي عقده مع ربه ومع المخلوقين أيضاً
وكان شاكراً لنعم الله سبحانه وتعالى إستحق هذا الموعود الكريم من الله جل
وعلا. ثم قال الله سبحان وتعالى (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ
بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) قوله
أُذن تدل على أن الجهاد كان محرّماً لأنه ما أذن الله فيه إلا لأنه كان
محرماً من قبل وقد كان كذلك بالفعل. لما كان المؤمنون بمكة كان قد حُرم
عليهم الجهاد في سبيل الله ولم يؤذن لهم به إلا عندما استقلوا وصارت لهم
دولة وأيضاً لما صارت لهم دولة واستقلوا وبدأت تتكون لهم قوة لم يؤمروا
بالجهاد مراعاة لحال الضعف الذي كانوا فيها بل أذن لهم به في أول الإسلام
أو في أول العهد المدني وهذا الإذن ليس عاماً قال (أُذِنَ لِلَّذِينَ
يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) يعني فمن قاتلكم أيها المؤمنون في أول
عهدكم بالمدينة فإن الله قد اذن لكم أن تردوا عليه فتقاتلوه. وهذه الاية
كما يقول العلماء هي أول آية نزلت في الجهاد. أباح الله للمؤمنين أن
يجاهدوا من قاتلهم من الكافرين ثم تطور أمر الجهاد بأن أمر الله عز وجل أن
نقاتل من قاتلنا وأوجبه علينا ثم انتهى أمر الجهاد بأن أوجبه الله سبحانه
وتعالى على المؤمنين فقال (فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ
فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ
وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ
وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ
إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (5) التوبة). إذن نستفيد من هذه الاية بأن
هذه المرحلة من مراحل الجهاد وكانت في اول العهد المدني وهنا ياتي سؤال مهم
هل هذه المرحلة منسوخة؟ فنقول إنها منسوخة وليست منسوخة، منسوخة في حق
أقوام وليست منسوخة في حق آخرين فمن كان حاله كحال رسول الله صلى الله عليه
وسلم بعد فتح مكة من القوة والتمكن فإن هذه الآية منسوخة في حقه ولا يجوز
له أن يعمل بها ومن كان حاله كحال رسول الله من الضعف في بداية الدولة
الإسلامية في العهد المدني فإن هذه الآية باقية في حقه. ومن كان حاله كحال
المسلمين في مكة في ضعفهم وتمكن عدوهم منهم وقلتهم وعدم وجود دولة تحميهم
فإن هذه الحالة لم يؤمروا بها بعد بل يجب عليهم أن يتركوا الجهاد حتى يقووا
وحتى يكون لهم دولة وتكون لهم فيئة ثم بعد ذلك يتدرجوا في مراحل تشريع
الجهاد لهم كما حصل للمسلمين الأوائل وهذا ما أجاب به شيخ الإسلام ابن
تيمية من سأله عن هذه الايات هل هي منسوخة أو باقية. قال الله عز وجل
(وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) هذا وعد من الله سبحانه
وتعالى فأنتم أيها المؤمنون إذا قاتلتم فيما أباح الله سبحانه وتعالى لكم
من القتال وأمركم به من الجهاد فإن الله سبحانه وتعالى ينصركم ويؤيدكم وهو
قادر على ذلك ولاحظوا كيف جاءت قوله (وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ
لَقَدِيرٌ) مؤكَّدة بعدد من المؤكدات (إنّ، على نصرهم، لقدير) هذه لتؤكد
للمؤمنين أن النصر واقع لا محالة. ثم قال الله عز وجل مبيناً حال هؤلاء
المؤمنين الضعفاء الذين يستحقون النصر من الله سبحانه وتعالى (الَّذِينَ
أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ) أي ظُلِموا والمظلوم له دعوة
لا ترد والله سبحانه وتعالى يجيب دعوة المظلوم. فهؤلاء المظلومون قد بُغي
عليهم وطغى الكفار في حقهم، أخرِجوا ليس من ديار الكفار وإنما من ديارهم
التي هي لهم حقاً وصدقاً. (بغير حق) أي ظلماً وعدواناً. (إِلَّا أَن
يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ) أي ليس لهم ذنب أُخرجوا بسببه إلا أنهم قالوا
ربنا الله فلم يعتدوا ولم ينتقصوا حق الكفار ولم يظلموا أحداً من عباد الله
ولكنهم صدعوا بالحق وجهروا به وآمنوا بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم
فهؤلاء حقيقون بالنصر. وهذا يبين لنا أن النصر من الله سبحانه وتعالى إنما
يأتي عندما نلتزم أوامر الله ونتقي الله حق التقوى فلا نظلم أحداً من عباد
الله ولا نتعدى شيئاً من حدود الله (وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ
يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا (120) آل عمران). قال (وَلَوْلَا دَفْعُ
اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ
وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا) يبين
الله عز وجل لنا في هذه الاية سنة المُدافعة وهو أنه يجب علينا أن نقوم
بالجهاد حتى ندفع عدوان المعتدين ولا يبقى للكفر يد علينا وعلو على أهل
الإسلام. ثم أكد الله عز وجل وعده الكريم بقوله (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ
مَن يَنصُرُهُ) فإن الله سبحانه وتعالى قد قطع على نفسه وأقسم بأن سينصر من
ينصره. ثم أكد ذلك بإسمين كريمين له جل وعلا مبيناً أنه هو القوي وهو
العزيز الذي يمنع عباده من كل ظلم فقال (إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ).
اللهم انصرنا بنصر من عندك. اللهم أعز الإسلام والمسلمين وصلى الله وسلم
وبارك على نبينا محمد والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: موسعة برامج القران الكريم متعدد الحلقات   الخميس 6 مايو 2010 - 14:58

الحلقة 24

د.
الربيعة:
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب
العالمين وصلى الله سلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. حياكم الله
في جلسة من جلساتنا المباركة في برنامجنا لنحيا بالقرآن ومع سورة كريمة من
سور هذا القرآن العظيم ومن قصار سوره، وهي سورة الكافرون. يقول الله سبحانه
وتعالى (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴿١﴾ لاَ أَعْبُدُ مَا
تَعْبُدُونَ ﴿٢﴾ وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴿٣﴾ وَلاَ أَنَا
عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ ﴿٤﴾ وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴿٥﴾
لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴿٦﴾). لو تأملنا في هذه السورة في تسميتها
بالكافرون ونداء الله عز وجل هنا للنبي صلى الله عليه وسلم (قُلْ يَا
أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴿١﴾ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) فإننا نلحظ
ظاهراً أن هذه السورة تتحدث في موقفنا من الكافرين


د.
الخضيري:
ومن معبوداتهم

د.
الربيعة:
والمفاصلة التامة بيننا وبينهم

د.
الخضيري:
وأنهما لا يلتقيان مهما طال الزمن وتغيرت
الوسائل وتعددت الخطان لا يمكن أن يلتقيا


د.
الربيعة:
إذن هذه السورة كما ذكر ابن القيم رحمه
الله هي في البراءة من الكافرين ومن دينهم وعباداتهم.


د.
الخضيري:
ولذلك يسميها العلماء سورة الإخلاص بمعنى
أنها أخلصت العبادة لله جلا وعلا فلا أحد يُعبد إلا الله سبحانه وتعالى.
ولعل هذا هو السر في أننا أمرنا بقراءتها في مواطن متعددة هي وسورة الصمد
وهما سورتا الإخلاص، تقرآن في ركعتي نافلة الفجر وتقرآن في الركعتين بعد
المغرب وتقرآن في آخر صلاة يصليها الإنسان في ليلته في ركعتي الوتر وفي
ركعتي الطواف وتقرأ عند النوم وتقرأ سورة الصمد عند النوم. هذا يدلنا على
أنها سورة من سور التوحيد العظيمة.


د.
الربيعة:
بمعنى أن الإنسان حينما يكررها ويقرأها
في بداية يومه وفي نهاية يومه وفي بدء ليله ليجدد التوحيد والإخلاص


د.
الخضيري:
ونحن بحاجة لئن نجدد التوحيد ونجدد
الإخلاص في قلوبنا وفي نفوسنا وفي حياتنا ولهذا نوجه رسالة لا تظن أنك
بإيمانك الأول قد انتهى كل شيء وبتوحيدك الأول قد انتهى كل شيء أنت بحاجة
لئن تجدد التوحيد في كل يوم. نلاحظ المؤذن يرفع الأذان كل يوم لا يسبح الله
ويحمده إنما يؤكد على معنى التوحيد فيقول (الله أكبر الله أكبر، اشهد أن
لا إله إلا الله ثم يختم بلا إله إلا الله) تجديداً للتوحيد وتأكيداً له
لأننا بحاجة لئن نجدد التوحيد.


د.
الربيعة:
قد يتساءل المستمع في الفرق بين سورة
الكافرون وسورة الصمد في سر اجتماعهما والفرق بينهما في كونهما سورتي
الإخلاص


د.
الخضيري:
الذي يظهر والله أعلم أن سورة الكافرون
هي في توحيد العبادة لله عز وجل يعني التوحيد العملي لله، يعني عملك لا
يكون إلا لله، صومك، صلاتك، استغاثتك، خضوعك، ذلك، إخباتك، حجك، صدقتك،
برك، إحسانك، كله لله عز وجل.


د.
الربيعة:
يعني إخلاص العبادة لله عز وجل.

د.
الخضيري:
أما سورة الصمد فهي سورة الإخلاص بمعنى
أنها هي خالصة في ذكر الله عز وجل لا يشارك الله عز وجل أحد فيها فهي وحّدت
الله في ألوهيته وفي ربوبيته وفي أسمائه وصفاته. في سورة الكافرون هي في
الإخلاص العملي وسورة الصمد في العلمي الاعتقادي. فأنت أيها المسلم عندما
تؤمن بسورة الصمد وتصدق فيها فإنك قد أسلمت حقاً لله ولم تشرك مع الله
أحداً سواه ولذلك نلاحظ أن الشارع جعل قراءتها بثلث القرآن (وهذا سيأتي
الحديث عنه)


د.
الربيعة:
هذا يدعوننا ونحن في هذا الوقت الذي
تقاربت به أمم أهل الأرض وتداخل أهل الديانات بعضهم مع بعض أننا بحاجة أعظم
الحاجة اليوم في تحقيق هذه السورة.


د.
الخضيري:
نعم هذا صحيح، لأنه نجد هناك من يدعون
إلى وحدة الأديان ويقولون اليهودية والنصرانية والإسلام كلها أديان سماوية
فلماذا لا نوحّد بينها؟ ولماذا لا نجمع بينها؟ فنقول كيف تجمع بين التوحيد
والشرك؟! واحد يقول الله ثلاثة وواحد يقول الله واحد، هل يمكن أن يلتقيا؟!
لا يمكن. لأنهم قد اختلفوا في أصل الدين. الآن لم يختلفوا في الصلاة هل هي
الثانية عشر أو الواحدة، لم يختلفوا في الصوم هل هو في شعبان أو رمضان، لا،
ولم يختلفوا في الحج هو هو في ذي القعدة أو في محرم، لكنهم اختلفوا في ما
هو أعظم من ذلك هل محمد رسول أو ليس برسول؟. أما النصراني واليهودي فلا يقر
برسالة محمد، هل الإله واحد أو متعدد؟!


د.
الربيعة:
وهذا يجعلنا نرجع إلى السورة نفسها في
سببها. السورة نفسها في تقارب الأديان سبب ذلك أن المشركين حينما رأوا قوة
النبي صلى الله عليه وسلم في دينه ونفوذه وتأثيره واتساعه قالوا لا سبيل
لنا إلا أن نلتقي معه نتقارب معه يكون بيننا وبينه توافق فأتوا إلى النبي
صلى الله عليه وسلم فقالوا نعبد إلهك سنة وتعبد إلهنا سنة. فالنبي صلى الله
عليه وسلم لم يجبهم إلى ذلك جواباً لينتظر وحياً من الله عز وجل فجاءه وحي
من الله عز وجل صريحاً وبمواجهة صريحة مع الكافرين قال (قُلْ يَا أَيُّهَا
الْكَافِرُونَ) لم يقل يا أيها الناس ولا يا قريش أو يا أيها المحاورون،
تصريح في كفرهم قل يا أيها الكافرون بالله كيف نجتمع وإياكم وأنتم كافرون
بالله؟ إذن كل كافر بالله في توحيده لا يمكن أن ألتقي معه.


د.
الخضيري:
بهض الناس يقول هذه مسألة بسيطة فلماذا
أنتم تشددون في هذا الأمر؟ تقولون إن قضية التوحيد هي أخطر قضية وهي القضية
التي نفاصل فيها غيرنا من الأديان فلماذا أنتم تشددون في هذا الأمر؟ الأمر
اسمح من ذلك. وأنا أرد على هؤلاء برد جميل: أنت لا ترضى بهذا لنفسك، يعني
زوجتك التي تزوجتها هل ترضى أن يشاركك أحد ما فيها؟ يقول لا، أبداً لماذا؟
لأنها هي حق لي ولا أرضى أن يشاركني أحد فيها. أولادك، هل ترضى أن يشاركك
أحد فيهم؟ يوقل لا، أبداً لا يمكن، مالك الذي في جيبك أو رصيدك الذي في
البنك هل ترضى أن نتشارك فيه؟ يقول لا أبداً، لماذا؟ لأنها حقوق خاصة لك.
فإذا كانت حقوقك الخاصة لا ترضى أن يشاركك فيها أحد فالله عز وجل حقه لا
يرضى أن يشارك فيه أحد وهو حقه الذي ليس وراءه حق، ليس هناك مجال أن يتنازل
عن الحق أو يعترف أن هؤلاء الذين يعبدون هم آلهة بالفعل أو لهم حق في
العبودية


د.
الربيعة:
لأنه سبحانه وتعالى هو الخالق وهو
الرازق، هو المجيب هو النافع هو الضارّ. هل من إله غير الله عز وجل يدفع
الضر ويحلب النفع؟


د.
الخضيري:
أبداً. ولذلك نقول نحن نؤكد كما أكد في
السورة على أن هناك براءة تامة ومفاصلة تامة بين الإيمان وبين الكفر وأنهما
ضدان لا يلتقيان ولا يجتمعان وأنه من حاول أن يجمع بينهما كمن يحاول الجمع
بين الليل والنهار وكمن يحاول الجميع بين الظالم والمظلوم ويجعلهما شيئاً
واحداً فنقول كذبتم وربي لا يمكن لهذا أن يجتمعوا.


د.
الربيعة:
ولهذا هذه المفاصلة أيضاً ظاهرة في
السورة في كل آياتها. يقول الله عز وجل (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ
﴿١﴾ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴿٢﴾ وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا
أَعْبُدُ ﴿٣﴾) أنا لا أعبد ما تعبدون آلهة غير الله وأنتم لن تعبدون الله
حقاً إلا أن تتجردوا الألوهية له وتخلصوا العبادة له، إذن لا يمكن ذلك، كيف
هم سيعبدون الله سنة مع آلهتهم فهل تتحقق عبوديتهم لله إله النبي صلى الله
عليه وسلم؟


د.
الخضيري:
لا تقبل العبادة لله إلا إذا كانت له
وحده دون أحد سواه.


د.
الربيعة:
ثم يعيد مرة أخرى فيقول (وَلَا أَنَا
عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ (4) وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5))
القارئ يقول ما هذا التكرار؟ هذا التكرار مقصود في تأصيل هذه القضية
وتأكيدها في النفس وإن كنا نلحظ فرقاً بين المعنيين فهل يمكن أن تبينه لنا؟


د.
الخضيري:
العلماء ذكروا أن الأوليين مختلفان عن
الأخريين. فبعض العلماء يقول (لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) (39)) هذه
في المستقبل فيما ياتي من زمن بعد ذلك ، (وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا
عَبَدتُّمْ (4) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (5)) هذه في الماضي يعني لم
يحصل ذلك ولن يحصل. وبعضهم عَكَس المعنى وبعضهم قال الأولى في الآلهة
والثانية في العبادة يعني لا أعبد آلهتكم ولا أعبد كعبادتكم والمقصود من
هذا كله تأكيد هذا الأمر وبيان أنه لا التقاء بين الإيمان والكفر لأنهم كما
أنهم لا يؤمنون بالله ولا يوحدونه فكيف نرضى أن نلتقي معهم في شركهم نسأل
الله العافية والسلامة. وبهذه المناسبة تحضرني قصة جميلة حصلت للمسلمين في
القرون الأولى يقال إن يهودياً كان في بغداد يطوف على المساجد يقول يا أيها
الناس هل تؤمنون بموسى؟ فيقول الناس نعم، نؤمن بموسى، فيقول حسناً، هل
تؤمنون بعيسى؟ فيقول الناس نعم نؤمن بعيسى، فيقول حسناً أما نحن اليهود
فنؤمن بموسى وأما عيسى فلا نؤمن به، ويقول لهم هل تؤمنون بمحمد؟ فيقول
الناس نعم نؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم فيقول ونحن اليهود لا نؤمن بمحمد
أيها الناس دعونا نجتمع على الذي اتفقنا عليه وهو موسى وندع ما اختلفنا
فيه وهو عيسى ومحمد، لبّس على الناس وجاء بشبهة ليلبّس على الناس. قالوا
فما زال يطوف بالمساجد ويحير الناس بسؤاله ذلك فمرة دخل أحد المساجد فقام
رجل من عقلاء المجانين وعقلاء المجانين هؤلاء أناس عندهم ذكاء لكنه بصورة
مخالفة لما هو معتاد وعنده تصرفات مضحكة ولكنهم يأتون بإجابات سديدة فقام
إليه في أحد المساجد وقال يا هذا من موسى الذي تدعونا إلى الإيمان به؟ هل
هو موسى بن عمران الذي بشّر بمحمد أو غيره؟ قال لا، موسى بن عمران الذي لم
يبشر بمحمد، قال هذا والله لا نؤمن به قال فكأنما فُرج على الناس فقاموا
وضربوا ذلك اليهودي حتى كاد أن يموت.


د.
الربيعة:
انظر كيف تكون الحجة في بيان الحق.

د.
الخضيري:
وهذا يدلنا على أنه لا التقاء بيننا
وبينهم. ولا يمكن أن نلتقي معهم حتى يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وحتى
يوحدوا الله فلا يقولوا عُزير ابن الله ولا المسيح ابن الله ولا يثبتوا
الألوهية لأحد من دون الله عز وجل.


د.
الربيعة:
تأمل في تمام السورة تأتي المفاصلة مرة
أخرى فيقول الله عز وجل فيها بلسان محمد صلى الله عليه وسلم (لَكُمْ
دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)


د.
الخضيري:
دينكم خاص بكم وديني خاص بي لا أشارككم
في دينكم ولا تشاركونني في ديني.


د.
الربيعة:
في التوحيد والعقيدة لا يمكن أن يكون
هناك لقاء أما في التعامل فيما بين المسلمين وغيرهم فهذا أمر بيّنه الشرع
فهناك خطوط التقاء في التعامل وفي المصالح والتجارات وغيرها أما في العقيدة
والتوحيد فلا لقاء ولا التقاء.


د.
الخضيري:
ولذلك قال الله عز وجل في سورة الممتحنة
(لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ
وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا
إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8)) فبينت أن من لم
يقاتلنا ولم يعتدي علينا يجوز أن نبرّه ونحسن إليه ونعامله بالحسنى أما من
أساء واعتدى وظلم أهل الإسلام فإنه لا يجوز لنا أبداً أن نمد يد الرحمة له
لأنه كافر بالله ولأنه لم يحسن إلى أهل الإسلام.


د.
الربيعة:
نعرض بمثال الآن كثير من المسلمين قد
يخالط كافرين في عمله أو في مجتمعه أو ربما يسافر إلى بلاد الغرب نريد منهج
عملي في التعامل مع هؤلاء.


د.
الخضيري:
لا شك أن المسلم لا يبدأ بالعدوان على
غيره ويقدم بيان الحجة والأخلاق الفاضلة ويحرص على أن يكون مسلماً بسمت حسن
ويبين أخلاق الإسلام ويجتهد في ذلك ويقصد بذلك دعوة غير المسلمين. فنقول
كل من لم يسئ إلى المسلمين ولم يتبين ويظهر من حاله أنه لا عدوان لا سوء
منه على المسلمين فإنه المسلم يعامله بالحسنى ويتقي الله عز وجل بذلك ويقصد
بذلك دعوته إلى الله جل وعلا. وأما من كان محارباً للمسلمين وظالماً لهم
ومعتدياً عليهم فإن هذا ليس له عندنا إلا السيف ما لم يكن المسلم ضعيفاً
فإذا كان ضعيفاً فإنه يجوز له أو يورّي أو يتقي كما قال الله عز وجل (لاَّ
يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ
الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ
إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ
وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ (28) آل عمران)


د.
الربيعة:
إذن نلحظ أن هذه السورة العظيمة سورة
الكافرون تعطينا منهجاً ربانياً في التعامل مع الكافرين منهجاً في اننا لا
لقاء بيننا وبينهم في التوحيد والعقيدة أما بالنسبة للتعامل فهذا له أحكامه
في الشريعة إنما ينبغي أن نأخذ هذه السورة في واقع حياتنا نجدد بها
توحيدنا لله عز وجل في عباداتنا كلها فلا يكون شيء من عباداتنا في صلاة أو
في صوم أو في نفقة أو في تعامل إلا لله عز وجل خالصاً. ولنسلك هذا المنهج
إنه منهج رباني عظيم يجدد لنا التوحيد والإخلاص الذي نسأل الله عز وجل أن
يحققه لنا في حياتنا كلها ونسأله أن يحيينا على الإخلاص ويميتنا على
الإخلاص ولنا بإذن الله عز وجل لقاء في مجالس أخرى. نستودعكم الله وصلى
الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: موسعة برامج القران الكريم متعدد الحلقات   الخميس 6 مايو 2010 - 14:58

الحلقة 24

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على
خيرالمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فهذا هو المجلس السادس عشر من
برنامج أضواء المقاطع ونحن الآن في الجزء السادس عشر من القرآن وفي سورة
الكهف تحديداً وفي الآية 103، يقول الله سبحانه وتعالى فيها (قُلْ هَلْ
نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ
سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ
يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ
رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (105) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا
كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (106) إِنَّ الَّذِينَ
آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ
نُزُلًا (107) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (108)). في
هذه الآيات يبين الله سبحانه وتعالى لنا قوماً من الكفار حالهم أنهم
يجتهدون في العمل ويظنون أنهم باجتهادهم يحسنون صنعاً وما دروا أن الله
سبحانه وتعالى لم يقبل منهم لا صرفاً ولا عدلاً ويقابل ما عملوه بأن يجعله
هباء منثوراً كما قال في سورة الفرقان (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا
مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا (23)). هؤلاء القوم وصفهم
الله بقوله (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) فهم
أصيبوا بالضلال فهم كانوا يسعون وكانوا يجتهدون وكانوا يبادرون إلى أعمال
كثيرة ولكنها مع كل أسف لم تكن متوجة بالإيمان ولم يرد بها طاعة الرحمن ولم
تكن على منهاج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وبذلك خسروا تلك الأعمال
وشقوا في الحياة وضل سعيهم الذي سعوه. لقد سماه سعياً مما يدل على أنهم
كانوا جادين في عملهم وكانوا بهذا السعي يستحقون أن يجازوا ولكن هذا السعي
لما فقد شرطه الأساس وهو الإيمان بالله وتوحيد الله سبحانه وتعالى لم يقبل
منهم شيء من ذلك العمل الذي تقدموا به أو تقربوا به. قال الله سبحانه
وتعالى مبيناً حال هؤلاء الأخسرين أعمالاً (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)
إذن قد يظن الإنسان أنه يحسن صنعاً ولكن لا ينبغي للإنسان أن يظن أن مجرد
نيته الطيبة أو ظنه أنه يحسن صنعاً أنه كاف في بلوغ الأجر والوصول إلى
الحال الحسنة التي يحبها الله. إنك لن تبلغ رضوان الله ولن تكون على منهاج
الله حتى تطيع الله وتطيع رسوله صلى اله عليه وسلم وتؤمن بالله وملائكته
وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره وتقوم بالأعمال التي
أوجبها الله عليك ولا تظن أن صدقاتك وزكواتك وأعمالك وبرك وصلتك ستؤجر
عليها عند الله سبحانه وتعالى فإن هذا كله لا ينفعك كما قال الله عز وجل في
سورة البلد (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ﴿١١﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا
الْعَقَبَةُ ﴿١٢﴾ فَكُّ رَقَبَةٍ ﴿١٣﴾ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي
مَسْغَبَةٍ ﴿١٤﴾ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ﴿١٥﴾ أَوْ مِسْكِينًا ذَا
مَتْرَبَةٍ ﴿١٦﴾ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا
بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ﴿١٧﴾ أُولَئِكَ أَصْحَابُ
الْمَيْمَنَةِ ﴿١٨﴾) فهؤلاء هم الفائزون. وكذلك قال الله عز وجل (وَمَنْ
أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ (19) الإسراء)
لا بد من الإيمان، إذا لم تأت بهذا الشرط الذي تزكو به الأعمال والذي هو
شرط قبولها عند الله سبحانه وتعالى فإن سعيك يضل ولا ينفعك يوم أن تلقى ربك
وتلقى الجزاء عليه في الدنيا لكنك في الآخرة لن تحصّل منه شيئاً. قال
(وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) هل هذا مراد به
المسلمين؟ لا، هذا يراد به الكفار بدليل قوله سبحانه وتعالى (أُولَئِكَ
الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ
أَعْمَالُهُمْ) كانت لهم أعمال حبطت لأنهم كفروا بآيات ربهم وكفروا بلقاء
الله عز وجل ولم يؤمنوا بالله واليوم الآخر. كما سألت أم المؤمنين عائشة
رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ابن جدعان وكان رجلاً
كريماً محسناً يفك العاني ويغيث الملهوف ويطعم الجائع فقالت أنافعه شيء من
ذلك يا رسول الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنه لم يقل يوماً رب اغفر
لي خطيئتي يوم الدين. قال (فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ) أي ذهبت فلم يلقوا
من جزاء تلك الأعمال شيئاً لأنهم جاؤوا بها بغير شرطها الذي أراده الله
سبحانه وتعالى من كل عامل. قال (فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
وَزْنًا) يعني يكونون في ذلك اليوم قد خفّت أوزانهم قال الله عز وجل (فَمَن
ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102) المؤمنون)
وقال (فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ
رَّاضِيَةٍ (7) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ
هَاوِيَةٌ (9) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ (11)
القارعة) فبيّن الله عز وجل أنه لا يقيم لهم وزناً أي لا يزنون عند الله
شيئاً. والميزان يوم القيامة توزن به على الصحيح من أهل العلم الجامع لكل
الأحاديث والآيات الواردة في هذا الباب أنه يكون للعامِل وللعمل وللصحيفة
فالعامِل يوزن والعمل يوزن والصحيفة التي كتب فيها العمل أيضاً توزن ومن
تتبع الايات والأحاديث وجد ذلك واضحاً. وهذه الآية قال الله تعالى فيها
(فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا) يكونوا خفيفي الوزن
إذا وضعوا على الميزان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي
أخرجه البخاري ورواه أبو هريرة رضي الله عنه "إنه ليأتي الرجل العظيم
السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة وقال اقرأوا إن شئتم (فَلَا
نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا). ولما كان الصحابة يوماً
جالسين عند شجرة فصعد ابن مسعود فبدت ساقه وكانت دقيقة جداً فضحك الصحابة
من دقة ساقه فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنها لأثقل في الميزان من جبل
أُحد. فدلّ ذلك على أن العامل يوزن والعمل يوزن والصحيفة أيضاً توزن.
(فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (105) ذَلِكَ
جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي
هُزُوًا (106)) لاحظوا كيف أن القرآن لا يأتي بالعقوبة مجردة من دون ذكر
الأسباب التي توقع في تلك العقوبة بل تذكر العقوبة ويذكر السبب الموصل إلى
تلك العقوبة كما يذكر الوعد ويذكر السبب الموصل إلى ذلك الوعد الكريم من
الرب العظيم. قال (ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا) أي بسبب
كفرهم ولأنهم (وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا) استهزؤا بالله
واستهزؤا برسل الله صلوات الله وسلامهم عليهم فكذبوهم واتهموهم بالسحر
والشعر والكهانة وبأنهم جاؤوا باساطير الأولين وقالوا فيهم أقاويل يربأ
المسلم أن يتلفظ بها في حق هؤلاء الثلة الأخيار من أنبياء الله ورسله صلوات
الله وسلامه عليهم. لكن يأتي سؤال وهو أن المؤمن يقرأ هذه الايات فيخاف
وأن الصحابة رضوان الله عليهم قد حملوا هذه الايات على بعض المسلمين. نقول
نعم، هذه الآيات تحمل على من شابه الكفار في شيء من أعمالهم فمن عمل عملاً
من الأعمال الصالحة وهو يعمله لا يتقرب به إلى الله فإن عمله ذلك لن ينفعه
وكذلك من عمل عملاً في نظره أنه صالح ولكنه لم يتبع به منهج رسول الله وظن
أن عمله هذا يوصله إلى الله سبحانه وتعالى فنقول له انتبه لئلا تكون من
الأخسرين أعمالاً. وقد حمل بعض الصحابة هذه الآية ونظائرها على الخوارج
لأنهم كانوا يعملون أعمالاً يحقر أحدكم صلاته عند صلاتهم ويقرأون القرآن
ولكنه لا يجاوز تراقيهم كما ورد في الحديث فقد كانوا يتعبدون وانوا يفعلون
افعالاً ولكن من دون علم فضلّوا وأضلّوا نسأل الله العافية والسلامة. ولذلك
حمل بعض الصحابة مثل هذه الآيات عليهم وعلى أمثالهم علماً أن الخوارج لم
يكونوا إلا بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم لما ذكر الله هؤلاء
ذكر في مقابلهم أهل الإيمان على عادة القرآن في ذكر الوعد والوعيد والترغيب
والترهيب وتثنية أحدهما بالآخر فقال جل وعلا (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا)
فبدأ بالإيمان ثم ثنّى بالعمل الصالح مما يدل على أنهما قرينان وأنه لا
يليق بأحد أن يدعي الإيمان دون أن يكون عنده ما يصدق ذلك الإيمان من العمل
الصالح. ولا يجوز لأحد أن يعمل صالحاً دون أن يكون معه سلاح الإيمان الذي
تقبل به الأعمال. ماذا لهم؟ (كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ
نُزُلًا) كأنها من تحقق وقوعها قد صارت ومضت وحكمت وقضي بها لهم علماً
بأنهم لم يملكوها ولم يصلوا إليها بعد ولكن من شدة التحقق وتأكيد الوقوع
قال (كَانَتْ لَهُمْ) وليست لأحد سواهم. (جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا)
وجنات الفردوس هي أعل الجنان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث
الصحيح: ل"إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط
الجنة ومنه تفجر أنهار الجنة". قال (جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا) ضيافة
فالله يجعلها بمثابة الضيافة لهم ولشدة كرامتهم عند الله ولكونهم يكرمون
في كل يوم ويبالغ في إكرامهم جزاء ما قدموه وما فعلوه جُعلت الجنة كأنها
ضيافة يعني ليست مجرد سكن ومستقر بل إنهم يعيشون فيها كالأضياف. ماذا تفعل
بضيفك إذا جاء إليك؟ إنك تكرمه وتحسن غليه وترعى حقه قدر ما تستطيع وتفعل
به كل ما بوسعك من الإكرام والإحترام والتقدير. قال الله عز وجل
(خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا) أي إن الله كتب لهم
الجنة وكتب لهم ما هو أعظم من الجنة وهو الخلود فيها. فإنه لو قيل لك إنك
ستدخل الجنة يوماً ثم تموت أو تفنى الجنة، قلت وماذا بعد؟ّ ماذا أنتفع بهذا
الخير إن كان لمدة يوم أو لمدة عام أو عامين أو أكثر أو أقل إذا لم يكن
خالداً باقياً. قال (خَالِدِينَ فِيهَا) وخلودهم هذا من ورائه شيء وهو أنهم
لا يبغون عنها حولا، لا يريدون أن يتحولوا عنها لشدة رضاهم بما آتاهم ربهم
فيها، فهم مطمئنون ومرتاحون وملتذون ومسرورون وهو في كل يوم يزدادون
نعيماً على النعيم الذي يعطيهم الله سبحانه وتعالى إياه. تأملوا في هذه
الاية فإن الله ما ذكرها إلا لأنها تخالف الواقع الذي نعيشه في الحياة، في
الحياة إما أن نؤتى النعيم فنفى نحن نموت وندع ذلك النعيم أو يذهب النعيم
ونحن نراه وهو يفنى أمام أعيننا فتزداد حسرتنا. أما في الجنة فإن نعيمها لا
يزول، شبابها لا هرم بعده ولباسها لا يفنى ونعيمها لا يتحول، لا إله إلا
الله! ثم إنه قال (لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا) الدنيا مهما بلغت في
لذتها وحبورها وجمالها وأعطت صاحبها ما أعطت إن الإنسان يملها ويبغي عنها
حولا يبني البيت فيحسنه ويجمله ويتمه ويفعل به كل ما يشتهيه فإذا سكنه ملّ
منه ثم طلب بيتاً آخر أما في الجنة فإن أهلها لا يبغون عنها حولا. أسأل
الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من أهلها. اللهم اجعلنا من أهل الفردوس
الأعلى من الجنة. اللهم اجعلنا ووالدينا ومن نحب وجميع المسلمين من أهل
الفردوس الأعلى من الجنة. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد والسلام
عليكم ورحمة الله وبركاته.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: موسعة برامج القران الكريم متعدد الحلقات   الخميس 6 مايو 2010 - 14:59

لحلقة 23

د.
الخضيري:
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله
والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. هذا المجلس هو
المجلس الثاني والعشرون من مجالس هذا البرنامج المبارك "لنحيا بالقرآن".
ستلاحظون في هذه الحلقة أننا سنكون مع سورة قصيرة ولكن معانيها وما فيها من
الوقفات قوي جداً. وستلاحظون أننا سنحتاج إلى وقت طويل من أجل أن نستوعب
ما في هذه السورة من معاني. وهذا يدلنا على أن القرآن فيه من الخير ما
يستوعب كل حاجات البشر. اليوم وقفتنا بإذن الله عز وجل مع سورة الكوثر حيث
يقول الله سبحانه وتعالى (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ
لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3)) هذه السورة
كما تسمعون وتقرأون مكونة من ثلاث آيات فهي أقصر سورة في القرآن من حيث
تعداد الآيات. ولكن انظروا إلى ما فيها الخير الكثير يكفي أن اسمها الكوثر
والكوثر يدل على الخير الكثير، يدل على ذلك النهر الذي أعطاه الله سبحانه
وتعالى لنبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم في الجنة وهو نهر عظيم نسأل
الله سبحانه وتعالى أن يوردنا إياه. وفي الوقت ذاته يدل كما يقول كثير من
المفسرين على الخير الكثير الذي أوتيه محمد صلى الله عليه وسلم. وقد شرحنا
في سورة الضحى بعض الخير الذي أوتيه محمد صلى الله عليه وسلم حيث قال الله
تعالى له مطمئناً لما أوحِش قلبه أن ربه قد ودّعه وقلاه قال الله
(وَالضُّحَى ﴿١﴾ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ﴿٢﴾ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا
قَلَى ﴿٣﴾ وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى ﴿٤﴾ وَلَسَوْفَ
يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴿٥﴾) هذا بعض الخير الذي أعطاه الله لرسوله
صلى الله عليه وسلم. وهنا يقول له الله جل وعلا (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ
الْكَوْثَرَ) هذه السورة نزلت أيضاً تسلية لقلب النبي صلى الله عليه وسلم
لما سبّه المشركون وعنفوه وآذوه بألسنتهم وقال له بعضهم كما ورد في بعض
أسباب النزول إن محمداً أبتر يعني لا يولد له بنون يكونون من بعد يُبقون
ذكره.


د.
الربيعة:
لما مات ابنه عبد الله

د.
الخضيري:
فهم أرادوا أن يحطموا رسول الله صلى الله
عليه وسلم وينالوا منه فقال الله عز وجل لهم لقدأعطيناك الخير الكثير يا
محمد فانشغل بعبادة ربك، صلِّ لله، وانحر لله ولا تلتفت لهؤلاء الشانئين
فهؤلاء هم المبتورون ولست أنت المبتور. وبالفعل بقي ذكر رسول الله وبقي
اثره وبقي المحبون له وانتشر دينه وذهب أولئك إلى الجحيم، ذهبوا إلى لا شيء
فلا يذكرهم أحد ولا يعرفهم أحد ولا يذكرون بخير في الناس


د.
الربيعة:
إذن هذه السورة سورة امتنان من الله على
نبيه صلى الله عليه وسلم. امتنان وتسلية، تسلية حينما شنيء منه المشركون
وذلك الشقي الذي شنأ منه حينما مات ابنه عليه الصلاة والسلام وهي امتنان من
الله على نبيه بان أعطاه الخير الكثير. وهذا الامتنان الذي أعطاه الله
لنبيه صلى الله عليه وسلم هو امتنان من الله تعالى لأمته حينما منح الله
تعالى نبيه وخصّه بهذا النهر العظيم وخصّه بهذا الخير الكثير الذي منحه
إياه ومنحه أمته فما أحرانا أن نرتبط بهذه السورة حقاً إنها موضع إرتباط
لهذه الأمة.


د.
الخضيري:
موضع ارتباط لرسول الله ولأمته لأن كل من
أخذ بدين رسول الله ناله من ذلك الخير بقدر ما أخذ. وهذه فيها وقفة جميلة
جداً وهي بقدر ما تأخذ من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يصيبك الخير
ويفتح الله لك من طيب النفس وانشراح الصدر وسعة الرزق وحسن الذكر ولسان
الصدق بقدر ما تأخذ من ذلك الخير, فالذي أوتيه رسول الله خير كثير فالناس
أمام هذا الخير مستقلون ومستكثرون. فهناك أناس يأخذون برفق أو يأخذون شيئاً
يسيراً فيصيبهم من الخير بقدر ما أخذوا. وهناك أناس يخوضون في هذا الخير
فيأخذون منه شيئاً كثيراً وهذه جعوة لنا جميعاً أن نأخذ من علم رسول الله
وأن نأخذ من هذا الهدي الذي أنزل على رسول الله وأن نأخذ من السنة التي
أبقاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا، أن نأخذ منها ونأخذ بها ونستمسك
بها فيسؤتينا الله من الخير بقدر ما أخذنا من ذلك الخير.


د.
الربيعة:
هناك معنى يقابل ذلك وهو أنه مهما شنأ
بنا أعداؤنا واستهزؤا بنا وسخروا منا فأنت أيها المؤمن حينما يستهزئ بك أحد
فإن الله تعالى قد أعطاك خيراً كثيراً.


د.
الخضيري:
يعني لا يصيبك اليأس والقنوط أو تصاب
بحالة من الاكتئاب بسبب كلمة ألقيت عليك.


د.
الربيعة:
أعطاك الله الإسلام والهداية واللغة
وأكرمك أن جعلك من عباده.


د.
الخضيري:
كنت مرة في أمريكا فكان عندي مجموعة من
الطلاب أدرسهم قصار المفصل وبعض السور التي يحتاجونها لما رأيتهم يعانون
عناء شديداً من نطق الحروف العربية في اول ايام تعليمهم، فقلت لهم بكم
تشتري لساني هذا؟ قال أحدهم أنا أشتريه بكل ما أملك وقال الثاني أنا اشتريه
بالدنيا وما عليه، وقال الثالث يا شيخ إتق الله هذا اللسان ليس له مثال في
الدنيا فقلت والله إن هذا لخير كثير من الله سبحانه وتعالى أعطانا إياه
قبل أن نسأله إياه وهذا من فضل الله علينا. واليوم أقول لإخواني قد زهد
الناس بهذا اللسان وصاروا يتعلمون لغة الأعاجم ويدعون اللغة العربية لا
يتعلمونها وهم من أهلها مع الأسف وهي لغة القرآن.


د.
الربيعة:
لو تأملنا في السورة يقول الله عز وجل
(إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) هذا افتتاح عظيم فيه معاني عظيمة هل
يمكن أن يفتح الله عليك بمعنى من المعاني في هذا الافتتاح؟


د.
الخضيري:
لا شك أن في قوله (إنا) تعظيم لهذا الذي
أعطيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الله ما نسبه إلى نفسه إلا وهو
عظيم عنده. فالله قد أعطى رسوله هذا القرآن فهو عظيم فمن أخذ بالقرآن أخذ
بشيء عظيم. وكذلك أعطاه هذا الدين وهو عظيم ومن أخذ بهذا الدين فقد أخذ شيء
عظيم.


د.
الربيعة:
إذن الآية فيها عِظم المُعطي والمُعطى
والعطاء. المُعطي الله سبحانه وتعالى والمعطَى النبي صلى الله عليه وسلم
والعطاء هو الخير


د.
الخضري:
هذا الخير الذي أوّله الوحي وآخره شرائع
الإسلام وهذه السنن وهذه الشرائع التي جعلها الله عز وجل رحمة للعالمين.


د.
الربيعة:
ومن هذا العطاء ما قاله النبي صلى الله
عليه وسلم أن الكوثر هو نهر أعطانيه الله عز وجل في الجنة لأنه خُصّ به
النبي عليه الصلاة والسلام.


د.
الخضيري:
لعلنا ننتقل إلى قول الله عز وجل
(فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ). كما في سورة قريش لما ذكر الله عز وجل
النعم على أهل مكة قال (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3)) وهنا
لما ذكر الله العطاء العظيم لرسول صلى الله عليه وسلم قال يا محمد قابل هذا
العطاء بأن تصلي لربك وتنحر. (فَصَلِّ لِرَبِّكَ) صلِّ له مخلصاً له الدين
وانحر. وعندي في هذا وقفات. الأولى كيف بدأ بالصلاة؟ لأنها أجلّ الأعمال
وأعظمها قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الصلاة خير موضوع فمستقل ومستكثر"
وأنا أقول عظِّموا هذه الصلاة واعتنوا بها وأقيموها فأنه لم يؤمر بها في
القرآن إلا على وجه الإقامة (أقيموا الصلاة، المقيمين الصلاة، أقاموا
الصلاة).


د.
الربيعة:
وأيضاً في سر الأمر بالصلاة والله أعلم
أنه لما كانت السورة نازلة في تسلية النبي صلى الله عليه وسلم من هذا
الاستهزاء الذي استهزأ به المشركون كانت الصلاة أعظم من تصله بربه وتُذهب
همه فإذا أصابك هم إفزع إلى الصلاة وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه
أمر فزع إلى الصلاة. فهي مناسبة في حال إذا أصاب المسلم هم أو غم أو فزع
أو ضاقت به الدنيا


د.
الخضيري:
وأيضاً الصلاة فيها ميزة عظيمة جداً وهي
أن البدن كله يتحرك بها القلب يخشع اللسان يذكر العين تنظر إلى موضع السجدة
اليد تقبض على بعضها أو توضع على الركبتين، الجبهة والأنف تخضع لله عز وجل
وتمرغ بالتراب بين يدي الله جل وعلا. إذن هي عنوان العبودية ولذلك بدأ
الله بها. يأتي السؤال ما علاقة النحر؟ كإنها مثل الزكاة عندما يقرن الله
عز وجل الصلاة بالزكاة في كثير من المواطن هنا قرن الله الصلاة بالنحر
أولاً تحقيقاً للعبودية والتوحيد وهذا من الجوانب التي أخل بها المشركون
فكانوا يذبحون لأصنامهم وآلهتهم شركاً والعياذ بالله.


د.
الربيعة:
لعل هذا فيه إشارة إلى الاستخفاف بهم
أولئك يذبحون للأصنام والأحجار وأنت يا محمد تذبح لربك.


د.
الخضيري:
والثاني أن النحر فيه منفعة ومصلحة للناس
لأنك إذا نحرت لله عز وجل أطعمت المساكين بخلاف ما ذكره الله في السورة
السابقة عن الذين يكذبون بالدين فإنهم يدعون اليتيم ولا يحضون على طعام
المسكين ويمنعون الماعون أما أنت فأنت تنحر وتعطي كما فعل النبي صلى الله
عليه وسلم في حجة الوداع نحر مائة من الإبل ثلاثة وستين بيده الشريفة
والباقي نحره علي بن أبي طالب ثم تُركت للناس يأخذون من اللحوم ما شاؤوا
وهذا يدل على أن الإسلام لم يأت ليكون ديناً في مسجد أو في محراب أو جلسة
مع مصحف وإنما هو دين للحياة نحن علاقتنا مع الله وعلاقتنا أيضاً مع عباد
الله نتعبد لله عز وجل بأن نطيعه وأن نسجد بين يديه ونتعبد لله وأن نعطي
عباده وأن نحسن إليهم.


د.
الربيعة:
ولعل من المعاني التي تستنبط في قوله
(وانحر) الدلالة على التوحيد فهؤلاء يعبدون غير الله وأشار بالنحر الذي هو
من أعظم أنواع التوحيد والعبادة فقال انحر لربك أي حقق توحيد ربك وصلّ أي
اعبد ربك كما أمرك الله تعالى فإن هذا هو الشرع.


د.
الخضيري:
قال الله عز وجل (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ
الْأَبْتَرُ) ماذا يمكن أن نستفيد من دلالات من خلال هذه الجملة العظيمة
التي ختم الله بها هذه السورة؟


د.
الربيعة:
هذا الختام هو بعد أن ابتدأ الله عز وجل
الامتنان على النبي عليه الصلاة والسلام بأن أعطاه الخير الكثير وشرّفه
بهذا الفضل العظيم ختم السورة بما هو مناسبتها وكأنه قال لا يهمك أمره بعد
هذا العطاء وهذا الخير هل يليق بالإنسان بعد أن يعطيه الله الخير أن ينظر
إلى أولئك المستهزئون وأولئك الشانئون وأولئك الساخرون؟! لا والله، كفى به
شرفاً وعزاً وقوة أن يكون على هذا الدين. ختام السورة في قوله (إِنَّ
شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ) كأنه قال الله عز وجل لا تأبه بهم فإن الله
سيقطع أمرهم وشأنهم هو الأبتر هو الأقطع، هل في معنى الأبتر معنى في
الاستهزاء بهم والسخرية منهم؟


د.
الخضيري:
لا شك أنهم استهزأوا برسول الله في شيء
ورد الله استهزاءهم عليهم ورد كيدهم في نحورهم فجعلهم هم المبتورين. يعني
وإن كنتم تملكون الإعلان والدعاية والمنصب والملك والقدرة على التأثير على
الناس فإن كل ما تفعلونه سينقطع ويندثر ويذهب وسيبقى رسول الله. وانظر إلى
الوعد الذي تحقق من الله سبحانه وتعالى فإن وعد الله لا بد أن يتحقق ولا
يمكن أن يُخلف وعد الله أن يبترهم فبترهم ووعد الله أن يرفع ذكر محمد صلى
الله عليه وسلم فرفع ذكره حتى إننا اليوم نشاهد أن ذكر رسول الله صلى الله
عليه وسلم لا ينقطع من الأرض طرفة عين. في الأذان فقط الآن الأذان لا ينقطع
من الأرض يدور في الأرض دوراناً. هناك الآن أناس في هذه اللحظة يؤذنون
الظهر والآن هناك أناس يؤذنون العصر والآن هناك أناس يؤذنون المغرب والآن
هناك أناس يؤذنون العشاء وأناس يؤذنون الفجر وفي كل أذان رفعة لمحمد صلى
الله عليه وسلم فكل واحد منهم يقول أشهد أن محمداً رسول الله، هذا بالأذان
فكيف بأنواع الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم!. هل هذا خاص برسول
الله؟ ليس خاصاً برسول الله بل من سلك مسلك رسول الله وقام بدين الله فإن
شانئه ومبغضه والكائد له هو الأبتر هو الذي سنقطع وهو الذي سيزول ملكه
وتذهب دولته وبذهب شرفه ويبقى شرف هؤلاء الدعاة. وانظر إلى شرف دعاة
الإسلام في قديم الزمان وفي حديثه يكثر أعداؤهم ويؤذون ويودعون السجون، شيخ
الإسلام ابن تيمية مات وهو في السجن وخرجت جنازته من السجن، أين هم الذين
سجنوه؟ من يعرفهم؟ الذين وشوا به أين هم؟ ذهبوا وبقي ذكر ذلك الرجل الذي
نصر سنة رسول الله


د.
الربيعة:
وهذه الآية في ختام البرنامج تعطينا
درساً عظيماً أن أولئك الشانئون لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يمثلون
بصوره اليوم كأمثال الدانمارك وغيرهم سيبترهم الله وسيقطعهم بإذن الله عز
وجل.


د.
الخضيري:
ونحن واثقون من ذلك. كانت المعاني
المستنبطة من هذه السورة على قلة آياتها كثيرة جداً ولو أردنا أن نأخذ من
ظلالها ونأخذ من معانيها ومن هداياتها ونجمع ذلك فإننا لا نستطيع ذلك في
حلقة ولا حلقتين ولا أكثر ولكن يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق. أسأل الله
عز وجل أن ينفعني وإياكم بكلامه وكتابه وصلى الله وسلم على نبينا محمد
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: موسعة برامج القران الكريم متعدد الحلقات   الخميس 6 مايو 2010 - 14:59

الحلقة 22

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف
الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فهذا هو
المجلس الخامس عشر من هذا البرنامج المبارك أضواء المقاطع في هذا المجلس
نأخذ مقطعاً من الجزء الخامس عشر من كتاب الله الكريم ومن سورة الإسراء
تحديداً من الآية 23، يقول الله جل وعلا (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ
تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا
يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل
لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا (23)
وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ
ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا
فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ
غَفُورًا (25)) هذه الاية جاءت من ضمن آيات الوصايا في سورة الإسراء.
وآيات الوصايا في سورة الإسراء تبدأ من قول الله عز وجل (لاَّ تَجْعَل مَعَ
اللّهِ إِلَـهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولاً (22)). افتتحت
هذه الايات آيات الوصايا في سورة الإسراء بأمر التوحيد والتأكيد عن النهي
عن الشكر وختمت كذلك بقول الله عز وجل (ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ
رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلَهًا آخَرَ
فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا (39)) وهذا يدلنا على شديد
العناية بأمر التوحيد وأنه أمر عظيم عند الله سبحانه وتعالى فبه تفتتح
الأعمال وبه تختتم. ثم ثنّى الله عز وجل بعد ذلك بأن ذكر بحقه وحق الوالدين
لعظم حقهما فقال مفتحاً هذه الاية بقوله (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ
تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) ومعنى قوله
قضى أي أوجب وحكم وأوصى (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ
إِيَّاهُ) أي اعبدوه وحده ولا تشركوا معه أحداً سواه. (وَبِالْوَالِدَيْنِ
إِحْسَانًا) أي قضى أن يُحسن إلى الوالدين ولاحظوا كيف أن الله سبحانه
وتعالى لم يأمرنا بأن لا نسيء إلى الوالدين ولم ينهنا عن العقوق وحده بل
أوجب علينا أن نحسن إلى والدينا والإحسان مرتبة زائدة عن النهي عن العقوق.
فقد يترك الإنسان عقوق والديه فلا يسيء إليهما ولا يضرهما بشيء ومع ذلك لا
يكون مطبقاً لما جاء في هذه الاية وهو أن يُحسن الإنسان إلى والديه فيوصل
إليهما البر والخير ويعطف عليهما ويدعو لهما ويبذل تجاههما كل ما يستطيع.
قال (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ
وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) ومن هذا يتبين أن مراتب الناس بالنسبة
للوالدين ثلاثة: المرتبة الأولى مرتبة المحسنين وهم الذين أدوا ما أوجب
الله عز وجل عليهم في كتابه بأن برّوا آباءهم وقدموا إليهم الخير وأطاعوهم
وامتثلوا أوامرهم وفعلوا ما بوسعهم مما يسمى براً وإحساناً. والقسم الثاني
على الضد من ذلك وهم من عقوا والديهم وإساؤوا إليهم فضربوا وسبوا وشتموا
وبخلوا وعصوا ولم يستجيبوا والقسم الثالث وهم برزخ بين هؤلاء وهؤلاء وهم
الذين لم يعقوا ولم يحسنوا والله سبحانه وتعالى إنما أمر بالإحسان. فإذا لم
يأت الإنسان لوالديه بالإحسان فإنه لا يكون ممتثلاً للأمر ويكون مخالفاً
لمقتضى هذه الاية الكريمة. ثم بيّن الله عز وجل صورة من صور هذا الإحسان
فقال (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا)
هذه المرحلة من مراحل عمر الوالدين هي المرحلة التي يحتاج فيها الوالدان
إلى الولد ولذلك خصها بالذكر وإلا فإن الإحسان إلى الوالدين لا يقتصر على
مرحلة معينة بل يجب على الإبن أن يحسن إلى والديه في كل الأحوال فقال
(إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا) في
تلك المرحلة مرحلة الضعف والوهن وقلة الحيلة وضعف التدبير وكثرة الأمراض
ووصول الأبوين إلى سن الهرم بل والخرف أحياناً مع الأعياء الشديد وغير ذلك
مما يحصل لمن رق عظمه ولان جسمه وأصبحت تنتابه الأمراض. قال (إمَّا
يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَر) لاحظوا قوله (عندك) يعني أن الأصل فيهما
عندما يكونان كبيرين أن يكونا عندك لا عند أحد سواك، ليس في الملجأ وليس
عند الأجنبي عنهما أو القريب لهما غير ابنهما بل عندك قال (إِمَّا
يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا) لا تظن أنك
تبلغ البر بأن تحسن إلى أحدهما وتدع الآخر وتقول أنا أكتفي بأحد الوالدين
وأدع الثاني بل يلزمك أن تحسن إليهما جميعاً وأن تقوم بحقهما جميعاً وأن لا
تقصر أياً كان ما يحتاجوه سواء كانت الأم تحتاج إلى البر وإلى الإحسان
أكثر أو كان الأب أو كان كل واحد منهما محتاجاً لذلك منك. قال (إِمَّا
يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل
لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا) وهنا يتبين لنا سر اختيار هذه المرحلة
لتوجيه هذه الإرشادات والأوامر. العادة أن الإنسان لا يستطيع أن يقول
لأبويه أف وهما نشيطان وهما قادران على العمل وهما يرجى منهما خير للإبن
وهما يعقلان ما يقولان ويحسنان التدبير في أمورهما إنما يقول لهما أف عندما
يكونا في حالة الضعف وعندما تضعف عقولهما وتضجر أنفسهما. فيأتي الأب ويطلب
من ابنه أن يفعل أشياء لا يرغب فيها الإبن أو لا يحبها افبن أو يرى الإبن
أنها غير مناسبة له أو لا تليق بحاله مع ابنه أو مع زوجته فتكون هذه من
الأوامر المضجرة وليست من الأوامر المعقولة. مثل أن يقول لك كم بقي على
صلاة الظهر؟ فتقول بقي نصف ساعة ثم بعد دقيقتين يقول كم بقي على صلاة
الظهر؟ فتقول بقي نصف ساعة ثم يقولها مرة ثالثة ويستمر يسألك سؤالاً إثر
سؤال فتضجر وتقول أف ما هذا لماذا تكرر علي السؤال؟! ألا تفهم! في هذه
المرحلة يوصيك الله سبحانه وتعالى أن تثبت وأن تحسن وأن تتجمل بالقول فيقول
(فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ) ينهاك أن تقول أدنى شيء يمكن أن يقال
للوالدين مما يخالف مرتبة الإحسان التي أمرك الله سبحانه وتعالى بها فيقول
(فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ). إذن ليس الحديث عن السب والشتم واللعن ولا
الحديث عن الضرب واللكم واللكز إنما الحديث عن شيء تافه قد يضر بعلاقتك مع
والديك، شيء قد لا يسمعه الأب وقد لا يدركه وقد ينساه لأول لحظة ولكنه لا
يليق بالمؤمن البر الذي يريد أن يبلغ درجة الإحسان ويحقق ما أمر الله به في
القرآن (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا). قال (فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ
وَلاَ تَنْهَرْهُمَا) قال العلماء في جانب القول ذكر أقل ما يمكن أن يقال
وفي جانب الفعل ذكر أدنى ما يمكن أن يفعل وهو النهر والنهر عادة يكون
بأفعال كثيرة لكن من أقلها أن ينفض الإنسان يديه فهذا لون من ألوان النهر.
قال العلماء فلما ذكر أدنى القول القبيح وأدنى الفعل القبيح ذكّر بضدهما
(وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا) لم يقل لا تقل لهم أفّ وسكت عن ذلك، بل
قابل ما يضجرانك به من الأقوال بألا تقل لهما أف وقل لهما قولاً كريماً،
تقول يا والدي بقي على أذان الظهر نصف ساعة، يقول لك كم بقي على أذان
الظهر؟ تقول يا والدي بقي 25 دقيقة، يقول لك يا ولدي كم بقي على أذان
الظهر؟ تقول يا والدي يا حبيبي بقي عشر دقائق، بقي دقيقتان، الآن يؤذن، ولا
نضجر بل تقول قولاً كريماً، غفر الله لك يا أبي بقي كذا، جعلني الله وغياك
ممن يقيمون الصلاة، وقل لهما قولاً كريماً والقول الكريم النفيس الرفيع
الطيب الذي يفيض بالعبارات الجميلة الطيبة والودودة الحنونة التي يحسن
بالإنسان أن يسمعها من غيره ويحسن بالإنسان أن يسمعها لوالديه. ولما ذكر
الفعل القبيح بقوله (وَلاَ تَنْهَرْهُمَا) ذكر أيضاً الفعل الجميل فقال
(وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) يعني لِن لهما وكن
كالأرض الوطيئة مثل الرمل عندما يمشي عليه الإنسان بقدميه لا يشعر بوخز ولا
يحس بشيء من الأذى. (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ
الرَّحْمَةِ) اخفض لهما جناحك هذا الجناح الذي تطير به وتمشي به وتسعى به
اخفضه لهما يعني كن طيعاً كن ليناً كن رهن إشارتهما لا تخالفهما في أمر
يريدانه منك. (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) أي من
شدة رحمتك بهما. (وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا)
سبحان الله! قبل قليل قال (وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا) ألا يكتفى
بذلك؟ لا يكتفى بذلك الآن هما يحتاجان منك الدعاء ويطربان من سماعه من فمك
وهما الآن قد تعطلت أعضاؤهما عن كثير مما كانا يقومان به من العبادة فعليك
أن تكثر لهما من الدعاء (وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي
صَغِيرًا) في هذه اللحظة ترد الجميل الذي أسدياه إليك وكل ما تفعله في
حقهما لن يكون كبيراً ولن يكون كثيراً ولن يكون موازياً لما قدماه لك.
(وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) قل قولاً كريماً
وفي الوقت نفسه أكثر لهما من الدعاء. وهذا يبين لنا إلى أن من أعظم ألوان
البر البر بالقول وهو الذي يخطئه كثير من الناس فقد يحسن الإبن إلى أبويه
فينفق عليهما وقد يحسن فيؤيهما وقد يحسن فيقوم على علاجهما وخدمتهما
ونظافتهما ولكنه يقصر بأن يتكلم معهما بالكلام الطيب الرفيق اللين الذي
يحتاجان إليه. إننا بحاجة لأن نتذكر هذا الأمر ونعمل به (وَقُل لَّهُمَا
قَوْلاً كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ
الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24)).
ثم ختمت الآيات بقوله (رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن
تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا) أي الله
يعلم ما في نفوسكم من إرادة البر إذا كنتم صادقين في ذلك أو إرادة العقوق
وتمني الخلاص من الوالدين فإن كنتم صالحين فإن الله يغفر لكم ما يبدر منكم
من نقصير في حق والديكم وهذا من رحمة الله بنا فإن البر لا يطاق على وجه
الكمال ولا يقدره كل أحد في كل الأوقات ولكن الله يعلم أنك قد تخطئ هذا
البر وليس في نفسك أنك تريد العقوق فالله يقول لك (رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ
بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ
لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا). أسأل الله أن يجعلني وإياكم من البررة الذي
يبرون والديهم في حياتهم وبعد مماتهم أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: موسعة برامج القران الكريم متعدد الحلقات   الخميس 6 مايو 2010 - 15:02

الحلقة 22

د.
الخضيري:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد
لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه هذا هو المجلس
الحادي والعشرون من مجالس برنامجكم "لنحيا بالقرآن". هذا المجلس مخصص
لسورة الماعون، هذه السورة التي تتكون من آيات معدودة يقول الله تعالى فيها
(أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ﴿١﴾ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ
الْيَتِيمَ ﴿٢﴾ وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ﴿٣﴾ فَوَيْلٌ
لِلْمُصَلِّينَ ﴿٤﴾ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ ﴿٥﴾
الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ ﴿٦﴾ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴿٧﴾) هذه السورة
هي سورة تتحدث عن المكذبين بيوم الدين وعن أخلاقهم السيئة تنفر من تلك
الأخلاق وتبين أثر التكذيب بالدين على أخلاق الإنسان. إن الإنسان إذا كذب
بالدين ظهر أثر ذلك على حياته فتجده لا يبالي بحقوق الخلق لا يبالي
بالضعفاء ولا يرحم المساكين ولا يقوم بالواجبات ولا يقري الضيف ولا يكرم
الجار ولا يحسن إلى الناس ولا يحترم الأنظمة لأنه لا يؤمن باليوم الآخر
ويظن أن الحياة هي هذه الحياة وكفى ولذلك هذه السورة جاءت لتبين لنا كيف أن
التكذيب بالدين يؤثر بالإنسان وعلى طريقة تعامله مع الحياة والأحياء
وطريقة تعامله مع أوامر الله عز وجل ونواهيه فهي تطغى عليه تهيمن عليه وعلى
تصرفاته. هذا ملاحظ جداً وسيبين الدكتور محمد كيف هذا الأثر يظهر على
الإنسان عندما مكذباً بيوم الدين.


د.
الربيعة:
هذه السورة تتحدث عن المكذبين بالدين
وصفاتهم وبيان أثر هذا التكذيب في سوء الأخلاق وسوء التعامل وانعدام نفع
الناس أن يكون الإنسان المكذب همه نفسه مصلحته لأنه لا يؤمن بالجزاء ولا
يؤمن بالآخرة. فما الذي يدعوه إلى الإحسان وما الذي يدعوه إلى البذل
والعطاء إلا رياء وسمعة أو مصلحة شخصية فإذا انعدم الإيمان باليوم الآخر
انعدم نفع الإنسان للناس وبذله وعطاؤه. وتأمل كيف سميت هذه السورة بسورة
الماعون. هناك علاقة بين هذا الإسم فإن هذا الماعون إناء الطعام يشير إلى
أن المكذبين بالدين يبخلون بالنفع والعطاء حتى بالماعون لأن العرب من
عادتهم في قلة آنيتهم وقلة ما عندهم كان يستعير بعضهم من بعض فإشارة إلى
أنهم يمنعون الماعون فضلاً عن أنهم يعطون الطعام بالماعون ويمنحونه.


د.
الخضيري:
قد نجد أناساً ينضبطون بالأخلاق وينفعون
الناس وهم لا يؤمنون باليوم الآخر ولكن كل ذلك لمصالح حاضرة وعاجلة. مثل
الآن ما نراه من الغربيين تجدهم منضبطين في حياتهم منضبطين بالأنظمة
واللوائح والقواني التي تسنها الدول ما الذي يحدوهم إلى ذلك؟ الخوف من
الجزاء والعقوبة الدنيوية وليس العقوبة الأخروية ولذلك إذا أمنوا هذه
العقوبة نجدهم أول من يلقي بهذه القوانين والأنظمة عرض الحائط ولا يبالي
بها. ولذلك تجد في بلادهم أحياماً كتب تصدر تقول لك كيف تستطيع الوصول إلى
الشياء الفلانية من دون أن يكون هناك مدخل عليك من جهة الأنظمة، ليس هناك
خوف من الآخرة، ليس هناك خوف من الجزاء والحساب. أبيّن هذا في مشهد يتكرر
كثيراً، تجد مثلاً هؤلاء أمناء عندما تتعامل معهم معاملة مالية تجد أن هناك
قدر واضح من الأمانة قد لا تجد عند بعض المسلمين للأسف الذين هم مسلمون
بالإسم ولكنهم لا يمتثلون إسلامهم على الحقيقة. هذه الأمانة هل هي صادرة من
الإيمان باليوم الآخر؟ لا وكلا، هي من رجائه لأن تتم المعاملة بينك وبينه
حتى يضمنك كزبون لمصلحة يريد تحقيقها. الدليل على ذلك أُنظر إليه في تعامله
مع والديه عندما يبلغ الثامنة عشرة يغادر بيت والديه ويذهب يضرب في
الحياة، لا يكاد يعرف والديه إلا في السنة مرة في عيد الميلاد أو رأس السنة
يرسل بطاقة أو رسالة قصيرة أو يتصل بالهاتف ويسلم على والده ووالدته.
عندما نذكر قيمة الوفاء هم أوفياء لكن ليس لأجل الآخرة وإنما لمصالح دنيوية
آنية متى علموا أنها لا تفيدهم ضربوا بها عرض الحائط. ولذلك من أحق الناس
بالوفاء؟ أليس والديك؟ اللذان قاما عليك وأديا حقوقك وأطعماك واجتهدا في
تربيتك ثم بعدما بدأ نفعك ذهبت وتركتهما وتبخل عليهما بنصف دولار ترسله
إليهم


د.
الربيعة:
أذكر مثالاً على هذا في أخلاق الكافرين
فيما بينهم مما يدل على جفاف نبع الخير في نفوسهم والعطاء والنفع والسبب في
ذلك هو عدم الإيمان باليوم الآخر. أرأيتهم كيف تعاملهم فيما بينهم إذا ذهب
بعضهم مع بعض للمطاعم تجد كل واحد يشتري لنفسه كما يقال للأسف الشديد من
بعض الشباب الذي يريد أن يقلدهم "على الطريقة الأميركية". أذكر مرة من
المرات كنت مع أحد الشباب ذاهب من القضيم إلى الرياض وفي الرياض وقفنا عند
مطعم وقال نحن على الطريقة الأميركية فقلته له ما هي الطريقة الأميركية؟
قال تشتري لتفسك واشتري لنفسي، قلت أنا أعتذر عن هذا فأعطيت صاحب المطعم
النقود فجاء ليحاسب فعاتبني فقلت هذا ليس على منهجنا وعادتنا للأسف الشديد
شبابنا يظنون أن هذه الطريقة طريقة حضارية وهي الحقيقة دليل على عدم الرحمة
فيما بينهم والتعاون فيما بينهم وبذا العطاء والنفع فيما بينهم.


د.
الخضيري:
وعدم رجاء الآخرة. النبي صلى الله عليه
وسلم أول ما دخل المدينة ما هي الكلمات التي أعلنها كدستور وميثاق للمسلمين
وهو راكب على ناقته القصواء؟ لم يحط رحاله في مدينته، كان يقول أربع
كلمات، كان يقول: "أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصِلوا الأرحام
وصلّوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام" أربعة أشياء ثلاثة منها في
نفع الناس هذا موعود عليه وعد أن تدخلوا الجنة بسلام فإذا أردت أن تدخل
الجنة بسلام أفشي السلام وأطعم الطعام وصِل الأرحام وصلي بالليل والناس
نيام، أسأل الله أن يجعلني وإياكم كذلك.


د.
الربيعة:
لو أخذنا صفات الكافرين من خلال السورة
يقول الله عز وجل (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ) لاحظ هذا
الاستفهام، اشاهدت هذا المكذب كيف أخلاقه؟ لتعلم أن تكذيبه بالدين يدل على
أنه إنسان غير سوي بأخلاقه وتعامله إذن نستطيع أن نحكم على الإنسان في خلقه
وتعامله مع الناس في مدى صدقه وفي مدى حسن تعامله ووفائه، في مدى بذله
وعطائه وهذا يجعلنا نقول أننا نحن المسلمون ينبغي أن يكون بيننا من التعاون
والتراحم والتعاطف والعطاء والبذل مما يظهر في صفاتنا مقارنة بغيرنا


د.
الخضيري:
ولذلك أقول عوداً على بدء متى تأخر
الإيمان بالدين عنا أو غاب عن قلوبنا وعن حياتنا فإن ذلك سوف يظهر في
أخلاقنا وأفعالنا وتصرفاتنا. تلاحظ الآن في حياة المسلمين ما الذي يجعلهم
يكذبون ويغشون ويفعلون أفعالاً نكراء لا يبالون بحقوق الناس، يظلمون الخلق،
يعتدون على أموالهم ويعتدون على أعراضهم، ما هو السبب في ذلك؟ السبب ليس
أنهم لا يؤمنون بالدين ولكنهم لأن الإيمان بالدين قد غاب عن أذهانهم، لا
يشاهد الجنة ولا يشاهد النار كأنه يراها رأي العين، فهو يعيش في دنياه
ولذلك عنده استعداد أن يظلم ويسرق ويأكل مال الناس ويرتشي، يفعل المنكرات
والمحرمات مع أنه مقتنع بأنها محرمات ومع أنه مقتنع بأنه سوف يجازى ويحاسب
عليها يوم القيامة ولكن هناك غيبة وهناك غفلة وهناك تغطية على القلب حول
هذه الأشياء التي تسير الإنسان وتغير مسارات


د.
الربيعة:
إذن نستطيع أن نقول أن من علامات صدق
الإيمان نفع الناس وخاصة الضعفاء كما قال الله عز وجل في سورة البلد (فَلَا
اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ﴿١١﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ﴿١٢﴾ فَكُّ
رَقَبَةٍ ﴿١٣﴾ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ﴿١٤﴾ يَتِيمًا ذَا
مَقْرَبَةٍ ﴿١٥﴾ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ﴿١٦﴾) العطاء للمساكين
دليل على أنه عندك إيمان لأن هؤلاء ليس بينك وبينهم مصلحة، لا ترجو منهم
شيئاً هؤلاء ضعفاء مجردون من كل ما يمكن أن يمنحونك من مصالح فكلما كنت
قريباً من المساكين كلما كنت أدل على صدق إيمانك وقوة دينك.


د.
الخضيري:
ننتقل إلى الموطن الآخر الذي نحاول من
خلاله أن نركز انتباه المشاهدين على ما في هذه السورة من نواحي عملية. قال
الله عز وجل مبيناً صفات هؤلاء الكافرين (فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ
الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3)) يدع اليتيم
يعني يدفعه عن حقه وهو لا يريد أن يعطيه شيئاً لا من حقه ولا من حق الله
الذي أوجبه له. الله عز وجل أوجب لليتيم الاحترام والعطف والرحمة واللين
والحلم ولذلك قال (فذلك) وأشار إليه إشارة إلى البعيد لأنه قد أبعد عن رحمة
الله وأبعد عن معية الله سبحانه وتعالى.


د.
الربيعة:
وتأمل كلمة (يدُعّ) كلمة فيها قوة ليست
فقط يمنع بل يمنع ويدفع بإهانة وازدراء واحتقار. إن هذا لدليل على جفاف
وقسوة القلوب تماماً.


د.
الخضيري:
ولذلك كان المشركون الذي بُعث فيهم النبي
صلى الله عليه وسلم لا يرحمون الميت، أول ما يموت الميت يأتي الكبير من
روثته كأخيه مثلاً أو ابنه الأكبر فيستولي على ماله ويبقى هؤلاء الضعفاء من
الأيتام لا مال لهم يتكففون الناس وياتي الرجل ايضاً ويستولي على مال أخيه
أو ابنه ويدع زوجته وأولاده بلا مال فجاءت آيات القرآن منكرة هذا الوضع
البشع، هذا الوضع الشنيع الفظيع الذي لا يليق بالإنسانية ولا يليق بأهل
الإيمان (فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ) يدفعه عن حقه ولا يحترمه
ويمنعه عن حقه ثم يقول (وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) يعني
أنه أيضاً لا يرحم المساكين، إذا لم يطعمهم لا يحض على إطعامهم.


د.
الربيعة:
لا يحض على إطعامهم. تصور إنسان يأتيك
فلا تطعمه فيذهب لآخر فلا تحضه على ذلك وربما تمنعه، إن هذا لجفاف، إن هذا
انعدام الرحمة في القلب.


د.
الخضيري:
دعنا ننتقل إلى بعض المواطن العملية في
السورة التي نريد أن نلفت أنظار المشاهدين إليها وهي قوله تعالى (فَوَيْلٌ
لِّلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5))


د.
الربيعة:
هذه الآية عندما تقرأها تستوقفك، تأمل
كيف افتتحها الله عز وجل بالويل (فَوَيْلٌ) وهو واد في جهنم، توعدٌ بجنهم
للمصلين، كيف ذلك؟! فيقف القارئ متدبراً كيف يتوعد الله المصلين؟ ثم تأتي
الآية الآخرى مجيبة على هذا التساؤل في ذهن الإنسان المتدبر (الَّذِينَ
هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ) هم قد يصلون في الظاهر كحال المنافقين بكن
بلا إيمان، بلا روح، بلا استحضار لهذه الصلاة، فلا آثر لها في قلوبهم ولا
في نفوسهم ولا في أعمالهم، أفعال مجردة ومجرد عادات. (الَّذِينَ هُمْ عَن
صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ) تأمل وتدبر قوله تعالى (عن صلاتهم) فهم أولاً عن
الصلاة غافلون وفيها أيضاً غافلون أو ساهون. فالصلاة إذا لم يكن فيها روح
وإذا لم يكن فيها حضور قلب فلا أثر لها، لن يكون لها اثر. ولهذا نقول إذا
أردت أيها الأخ المسلم أن يكون لصلاتك أثر وتجد فيها الطمأنينة والراحة
وتكون ظاهرة على مالك فلتكن في خشوع وحضور قلب.


د.
الخضيري:
أيضاً لعلنا نستكمل المشهد في هذه السورة
بذكر خصلتين مهمتين جداً وكل واحد منا لا بد أن يتوقف عندهما ويتأكد من
عدم إتصافه بهما. الأولى (الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ
الْمَاعُونَ (7)) الرياء إحذروا منه وهو أن تتعبد في ظاهر الأمر لله وفي
باطن الأمر من أجل أن يقال فلان مصلي، فلان صائم، فلان متصدق، فلان قد
أحسن، الرياء هو الشرك الخفي ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخوف
علينا من الرياء ويحذرنا منه ويقول "أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر يقوم
الرجل فيزين صلاته لما يرى من نظر الرجل" نسأل الله العافية والسلامة.
ينبغي إذا قرأنا هذه هذه الآية نحذر من الرياء والأخيرة من الخصال في هذه
السورة العظيمة التي اشتملت على خصال كثيرة نحتاج أن نقف مع أنفسنا من خلال
السورة منع الماعون والمقصود بمنع الماعون الأشياء التي تملكها وتستطيع أن
تمنحها لغيرك من إخوانك الذين يمكن أن ينتفعوا بها ويستفيدوا منها ثم
يردوها إليك وهي "العاريّة" عند أهل العلم. فكل ما يُعار، قلم، محبرة،
ورقة، كتاب، قدر، كأس إناء، إبريق، أثاث، كرسي، أيّاً كان طلبه أخوك المسلم
ولست في حاجته فينبغي لك أن تعطيه إياه ليتم جو راحة وتعاطف وتعاون بين
المسلمين وإياك أن تكون فردياً تعيش لنفسك ولا ترى أن لأحد عليك حقاً فإنك
إن لم تحتج إلى الناس الآن فستحتاج إليهم فيما بعد فأحسِن حتى يُحسن إليك
وأدِّ حقوقهم حتى تؤدى حقوقك.


د.
الربيعة:
حينما تتأمل هذه السورة تلحظ أنها ركزت
على صفة الكافرين وصفة المنافقين فاحذر أيها المسلم أن تتصف بصفات هذين
الفريقين الكفار والمنافقون.


د.
الخضيري:
لعلنا بهذا إن شاء الله نأتي على ختام
مشاهد من هذه السورة العملية ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم من
أهل القرآن الذي هم أهل الله وخاصته والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: موسعة برامج القران الكريم متعدد الحلقات   الخميس 6 مايو 2010 - 15:02

الحلقة 22

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف
الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فهذا هو
المجلس الرابع عشر من برنامج أضواء المقاطع نسأل الله سبحانه وتعالى أن
ينفعنا بكتابه وأن يجعلنا من الهداة المهتدين الذين يستمعون القول فيتبعون
أحسنه. مقطعنا من الجزء الرابع عشر ومن سورة النحل تحديداً من الآية 112،
قال الله عز وجل (وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً
مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ
فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ
وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ (112) وَلَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ
مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (113)
فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلالاً طَيِّبًا وَاشْكُرُواْ
نِعْمَتَ اللّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (114) إِنَّمَا حَرَّمَ
عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالْدَّمَ وَلَحْمَ الْخَنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ
لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ
اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (115)) في هذه الآيات يبين الله سبحانه وتعالى
جزاء من يكفرون بنعمة الله وهذه السورة سورة النحل يسميها كثير من السلف
سورة النعم لأنها ذكرت نعم الله النعم التي أنعم بها على الإنسان وقال الله
عز وجل فيها (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا (18)) أي
إن نعم الله عليكم كثيرة لو اجتمع الناس على عدها لم يستطيعوا إحصاءها. وقد
ذكرت هذه النعم إجمالاً وتفصيلاً تأصيلاً وتفريعاً وهنا قال في ختام
السورة (وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً
يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ
اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ
يَصْنَعُونَ) هذا يقال إنه مثل لأهل مكة ضربه الله لهم بأمة سبقت وأمة بادت
حلّت بها عقوبة الله جل وعلا وقال بعضهم بل المقصود بهم أهل مكة فالذين
قالوا إن المقصود بهم أهل مكة قالوا إنهم بالفعل كانوا أهل قرية آمنة
مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فبعث الله لهم محمداً صلى الله عليه
وسلم فكفروا بأنعم الله وكذبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وجحدوا هذا
الخير العظيم من الله بأن عبدوا مع الله غيره، الله يرزقهم وهم يعبدون سواه
ويشركون معه أحداً غيره، فماذا فعل الله بهم؟ أذاقهم الله لباس الجوع
والخوف. جعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسلط عليهم سنيناً كسني
يوسف عليه السلام فسلطت عليهم سبع سنين رأوا فيها شدة حتى إنهم في أحد هذه
السنين ذهب لهم كل شيء حتى أكلوا الجلود وأكلوا الذي لا يؤكل في العادة من
شدة الجوع الذي حلّ بهم. وكذلك سلط الله عليهم الخوف وذلك عندما هاجر
الرسول صلى الله عليه وسلم فإنهم حصل لهم خوف من رسول الله صلى الله عليه
وسلم حيث كانت سراياه تصل إلى نواحي مكة وكان يخافون من أن يتغلب عليهم
رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ينزل بهم بأسه عليه الصلاة والسلام. وقال
بعضهم بل هذا ضرب مثل لأمة حصل لها هذا الأمر فخوف أهل مكة بهم يعني إحذروا
يا أهل مكة إن كفرتم وتماديتم فيما أنتم فيه فإن الله قادر على أن يعيد
لكم هذا الأمر الذي فعله بمن قبلكم. وهذا يبين لنا أن التاريخ كما يقال
يعيد نفسه وأن هذه السنن تتكرر وتأتي مرة بعد أخرى. قال الله عز وجل
(وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً) آمنة لا تخاف أحداً
كما قال الله عز وجل عن أهل مكة (وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ
نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا
يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا (57)
القصص) فالله عز وجل يمتن عليهم بـن من كان حولهم من قبائل العرب كانت
تغزوهم القبائل الأقوى منهم وكانوا يتعرضون للسلب والنهب والقتل وكانوا
يخافون على أنفسهم وأهليهم وذراريهم وأموالهم وأما أهل مكة فكانوا في أمن
مطبق ولم يكن بمكة حصون ولم يكن بها شيء يقيها من الأعداء لِما أمنها الله
سبحانه وتعالى به. قال (كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا
رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ) وهذا ما قلناه عن مكة لأن الله
استجاب فيها دعاء إبراهيم (وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ
يَشْكُرُونَ (37) إبراهيم) أهل مكة كانت تأتيهم الثمار والزروع والفواكه من
كل مكان وكانت لهم رحلتان رحلة الشتاء إلى أرض اليمن ورحلة الصيف إلى أرض
الشام وكانوا يجلبون من هاتين المنطقتين خيرات كثيرة غير ما يجلبه العرب
لهم من الأرزاق والسمن والذبائح والخيرات التي لم تكن لغيرهم من أهل الأرض.
قال الله عز وجل (يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا) أي واسعاً كثيراً شاملاً
لكل أنواع الطيبات (مِّن كُلِّ مَكَانٍ) وليس من مكان معين كما يحصل في
كثير من البلاد، دخلنا بلاداً لا يعرفون بعض أنواع الفواكه أو لا يعرفون
بعض أنواع الخضار أو لا يعرفون بعض أنواع الأقوات ولم يروها وذلك لأن الرزق
الذي يأتيهم إما من بلادهم أو من مناطق معينة أما مكة وكذلك ما جاور مكة
فإن الرزق يأتيهم رغداً من كل مكان تأتيهم الفواكه من التشيلي ومن اسبانيا
ومن الصين ومن روسيا ومن اليابان ومن اندونيسيا ومن كل مكان. قال الله عز
وجل (فَكَفَرَتْ) يعني قابلت هذه النعم بالكفران والجحود، جحود هذه النعمة
أول ما تكون بأن تنسب إلى غير الله وأن يُعبد غير الله سبحانه وتعالى وهو
الذي أنعم وتفضل وجحود هذه النعمة أن تصرف في غير طاعة الله فيستعمل مثلاً
التمر للخمر ويستعمل الرز ليقدم لمن يعصون الله سبحانه وتعالى ويستعان بع
على النوم عن صلاة الفجر. (فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ) ماذا فعل الله عز
وجل بها عندما كفرت؟ (فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ
بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ) تأملوا كيف جاء بالفاء الدالة على الترتيب
والتعقيب كأن عقوبة الكفر كفر أنعم الله تكون عاجلة وسريعة وغير مؤجلة لمن
كفر بنعم الله. وهذا الكفر ليس المقصود به الكفر العملي وإنما الكفر التام
المطبق وقد يُلحق الله عز وجل بعض الكافرين كفراً عملياً بهذا النوع من
أنواع العقوبة. ثم قال (لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ) يعني كأنهم ألبسهم
هذا الجوع وألبسهم هذا الخوف، كيف ذلك؟ يلبسهم يعني كأنما يحيط بهم من كل
جانب فالجوع يأتي إليهم بسبب قلة المطر وبسبب انقطاع الطريق وبسبب غلاء
الأسعار وبأسباب كثيرة وكذلك الخوف ياتيهم بسبب تسلط أعدائهم عليهم وبسبب
كثرة السُراق وقطاع الطرق وبستت عدم تأمن الطرق واشياء كثيرة من هذا
القبيل. فالله سبحانه وتعالى قادر على أن يبدل أمننا خوفاً وشبعنا جوعاً
وذلك بيده وحده فلا نأمن عقوبة الله وإيانا وإيانا أن نأمن مكر الله عز وجل
بنا إن نحن كفرنا نعم الله!. ما هو المقابل لذلك؟ إن المقابل لذلك هو أن
نشكر نعم الله سبحانه وتعالى فإن شكرنا فإن الله لم يعدنا بأن تبقى هذه
النعم بل وعدنا وعداً قاطعاً أن يزدنا كما قال في سورة إبراهيم (لَئِن
شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ).
قال الله عز وجل (فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا
كَانُواْ يَصْنَعُونَ) أي بسبب ما كانوا يصنعون، ليس تقديراً من الله
سبحانه وتعالى دون أن يكون السبب منكم فالسبب منكم والفضل منه وحده فهو
الذي أنعم وهو الذي تفضل فلما تسببتم بقطع هذه النعمة وقطع هذا الفضل جزاكم
بذلك الجزاء وقطع عنكم هذا الخير. قال الله عز وجل (وَلَقَدْ جَاءهُمْ
رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ
ظَالِمُونَ) انظروا ما هو السبب؟ جاءهم رسول منهم يعرفون صدقه ويعرفون
أمانته ويعرفون نسبه ويعرفون حاله فكذبوه قابلوا دعوته بالتكذيب فأخذهم
العذاب ولاحظوا تأتي كل هذه الجمل معطوفة بالفاء الدالة على التعقيب يعني
أن العقوبة تأتي عاجلة لهؤلاء المكذبون. وهم ظالمون لم يظلمهم الله ولكنهم
ظلموا أنفسهم نسأل الله العافية والسلامة. ثم يوصينا الله عز وجل ويامرنا
بأن نأكل من رزقه وأن نأكل من الطيبات وأن نستمتع بها لكن بشرط أن نشكر
نعمة الله فيقول (فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلالاً) أي دون ما
سواه (طَيِّبًا) عليكم بالطيب دون ما عداه (وَاشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ
إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) اشكروا هذه النعمة. لما كانت هذه لسورة
سورة النعم جيء بكلمة (وَاشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ) علماً بأن هذه الاية
موجود لها نظير في سورة البقرة قال (وَاشْكُرُواْ لِلّهِ (172)) لكن هذه
السورة سورة النعم قال (وَاشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّه) والشكر يكون
بالاعتراف بالقلب وإيمانه الصادق الجازم أنه ما من نعمة إلا من الله والشكر
يكون باللسان أن يذكر الإنسان نعمة الله على لسانه ويحمد الله عليها
والشكر يكون أيضاً بالجوارح كما قال الله عن آل داوود (اعْمَلُوا آلَ
دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13) سبأ). قال
(وَاشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) دل بذلك
على أن الشكر لا يكون إلا بعبادته وهنا يتبين لنا أننا إذا أردنا أن ننجو
من عذاب الله العام أو الخاص فإنه يلزمنا للنجاة من عذاب الله أن نبتعد عن
مساخط الله وأن نقابل نعم الله علينا التي لا تعد ولا تحصى بالشكر مقابلها
بأن لا نكفر. كم من بيننا من ينعم الله تعالى عليه بالليل والنهار ويغدق
عليه الرزق ويعطيه ثم يعطيه ثم يعطيه لكنه مع ذلك غافل عن الله. لو أحسن
إليه رجل من عباد الله بأن أعطاه مبلغاً يسيراً أو كفاه مؤونة شيء أو قام
معه في أمر تفريج كربة فإنه يجد في قلبه محبة لهذا الرجل ويتمنى أن يرد
إليه الإحسان والله سبحانه وتعالى ينعم علينا في الليل والنهار، في الصغر
والكبر في أنفسنا وفي أهلينا وفي ديارنا وأوطاننا وفي كل حال من أحوالنا
ومع ذلك ننسى الله وننسى نعمته علينا. اسأل الله أن يعينني وإياكم جميعاً
على أن نقوم بشكر نعمته علينا. اللهم اجعلنا من الشاكرين واجعلنا من
الذاكرين واجعلنا من الصابرين واجعلنا من القائمين بطاعتك على كل حال يا رب
العالمين. أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم والسلام عليكم ورحمة الله
وبركاته.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: موسعة برامج القران الكريم متعدد الحلقات   الخميس 6 مايو 2010 - 15:03

الحلقة 21

(لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ
الشِّتَاء وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3)
الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ (4) قريش)


د.
الربيعة:
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب
العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. حياكم الله
في برنامجكم القرآني "لنحيا بالقرآن" نسأل الله أن يحيي قلبونا بالقرآن.
معنا اليوم سورة عظيمة من سور كتاب الله عز وجل هي سورة قريش وفي الحلقة 20
من هذا البرنامج. وسورة قريش هي سورة متممة لسورة الفيل ولعلنا نقف مع
مقصدها وما يبرز فيها ثم ندلف إلى آياتها. هذه السورة هي امتنان من الله عز
وجل على قريش الذين قد جعل الله لهم شأناً في بيته، فكانت لهم عظمة ببركة
البيت وببركة هذا البيت حماهم الله عز وجل من أصحاب الفيل.


د.
الخضيري:
قال (أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا
آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا
(57) القصص)


د.
الربيعة:
ولهذا سميت قريش، هذا الشرف الذي نالوه
ومنّ الله عليهم بولاية هذا البيت نعمة عظيمة، هل شكروها؟ وهل عبدوا الله
عز وجل رب هذا البيت أم لا؟ فهذه السورة هي في امتنان الله عز زجل على قريش
بأن جعلهم أصحاب شأن نبسبهم وبخدمتهم وولايتهم لهذا البيت. ونأخذ منها
معنى عظيماً هو أن من أتاه الله شرفاً ومن أتاه الله مكانة ومن أتاه الله
منزلة ينبغي ان يعرف هذه المنزلة وهذا القدر وفي معرفة حق الله عز وجل عليه
الذي جعله في هذه المكانة.


د.
الخضيري:
يعني عندما ينعم الله عليك بنعمة فإن أول
ما ينبغي أن تبادر إليه هو أن تشكر الله عز وجل على هذه النعمة فتسخِّرها
في طاعة الله. هؤلاء القرشيون أنعم الله عليهم بأن حماهم من الفيل ومن
أصحاب الفيل الذين كادوا أن يدمروهم وأن يستأصلوهم ولم يكن عندهم قدرة ولا
طاقة على ردعهم وهذا سر مجاورة سورة الفيل لسورة قريش. والثاني أن الله سخر
لهم رحلتيم للتجارة وهاتان الرحلتان كانتا سببين عظيمين من أسباب رفاهية
أهل مكة فكانت لهم رحلة في الصيف إلى بلاد الشام ورحلة في الشتاء إلى بلاد
اليمن يأخذون من هاتين الدارين ما لذ وطاب من أنواع الثمار من الزبيب
والدقيق والثياب والملابس والمراكب وغيرها. ويسعون في الأرض لا يتعرض لهم
أحد لأنهم أهل الحرم وأهل البيت فلا يتعرض لهم صعاليك العرب ولا يقطعون
عليهم الطريق، هذه نعمة. ماذا يقابل هذه النعمة؟ قال الله عز وجل
(فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ). من أنعم الله عليه بنعمة فعليه أن
يبادر بشكرها فإنه إن شكر زاده.


د.
الربيعة:
يعرف قدرها أولاً

د.
الخضيري:
يعرف قدرها ويشكر الله عز وجل عليها فإنه
إن شكرها قرّت وإن كفرها فرّت، الفرق بينهما نقطة (قرّت - فرّت) إذا
اعترفت فعبدت وسخرتها في طاعة الله فإنه قرّت بل ستزيد (لَئِن شَكَرْتُمْ
لأَزِيدَنَّكُمْ (7) إبراهيم) وإن تركت فرّت.


د.
الربيعة:
وهذا الأمر مما يغفل عنه كثير من الناس
بعض الناس يؤتيه الله تعالى منزله، يوتيه نسباً شريفاً، يؤتيه الله تعالى
جمالاً وبهاء هذا ليس حسابه مثل حساب فقير أو ضعيف في نسبه أو في ماله أو
غير ذلك، لا شك أن كلاً سيحاسب على ما آتاه الله فليحسب لذلك الأمر حساباً.
لندلف إلى السورة في آياتها نتفيؤ فيها المعاني التي يمكن أن نأخذها في
حياتنا. (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ) الله جعل لقريش أُلفة ائتلفوا فيما بينهم
والعرب كانت قريش عندهم ألفة ومكانة وحفظ لكونهم أهل الحرم. وذكر بعض
المفسرين في قوله (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ) معاني لعلك تشير إليها لها اثر في
دلالة الاية، (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ) هل اللام متعلقة بما قبلها بسورة الفيل
أو بما بعدها؟


د.
الخضيري:
بعض العلماء يقول إنها متعلقة بالسورة
التي قبلها وهي قوله (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ
الْفِيلِ ﴿١﴾ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ﴿٢﴾ وَأَرْسَلَ
عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ ﴿٣﴾ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ
﴿٤﴾ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ﴿٥﴾ الفيل) يعني إنما جعل الله ذلك
لكم لإيلاف قريش فهي كأنها لام للتعليل بالنسبة لما قبلها. لكن الطبري رحمه
الله قال لا، قال لما فُصلت السورتان عُرف أن هذه السورة مستقلة بمعناها.


د.
الربيعة:
لعل في تمام السورة سؤال في قوله عز وجل
(فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ) ماذا نلمس من هذه الآية في
مناسبتها لما قبلها؟


د.
الخضيري:
لما ذكر الله عز وجل النعم التي أنعم بها
عليهم وأعطاهم إياها جعل مقابل ذلك أن يتقدموا بشكر هذه النعمة فيعبدوا رب
هذا البيت. هم أُكرموا لأجل هذا البيت وهذا البيت له رب وهذا الرب يجب أن
يُفرد بالعبادة. الذي سخر لهم هذه النعم هو الله والذي يجب أن يُفرد
بالعبادة هو الله سبحانه وتعالى ولذلك قال (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا
الْبَيْتِ). مررت بقصة عجيبة يقولون إن رجلاً كان يتمسح بالكعبة وكأنه
يستجديها ويسألها وكان يستنصر ويستجير بالكعبة يا كعبة الله، ويدعو الكعبة
ويناديها ويجعل لها من العظمة والحرمة مثل ما لله سبحانه وتعالى فسمع به
رجل من العلماء ولم يكن يعرف هذا الشيخ الذي يتحدث فالعالِم جاء إليه وقال
يا أيها الشيخ أريد أن أقرأ عليك شيئاً من القرآن فقرأ عليه سورة قريش فقال
إقرأ فقال العالِم سورة قريش فقال (لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء
والصيف فليعبدوا هذا البيت) فقال الشيخ لا، (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا
الْبَيْتِ) قال العالِم ليست الاية هكذا با فليعبدوا هذا البيت، ألست تقول
يا كعبة الله وتستغيث بها؟ فتفطّن هذا الشيخ فلما جاء في مجلسه القادم قال
للناس إني كنت اقول يا كعبة الله وأناديها وأستغيث بها ولكن الحق يقال أن
هذا خطأ والمفروض أن أنادي الله سبحانه وتعالى وقد أنقذني الله بهذا الرجل.


د.
الربيعة:
لعل هذه القصة تجرنا وإن كان الحديث في
غير سياق السورة إلى أولئك الذين يدعون غير الله ويتوسلون بأصحاب القبور،
ألا يدعون ربهم عز وجل؟ ألا يتوجهون إلى الله مباشرة؟!. والله إن هذا لهو
الحق. ختم الله تعالى هذه السورة بقوله (الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ
وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ)


د.
الخضيري:
يعني مقابل هذا الإطعام وهذا الأمن يجب
أن تكون هناك عبادة وهذا يدلنا على عِظم هاتين النعمتين أن يبيت الإنسان
وقد أمِن وامتلأ بطنه. هناك أمنان أمن داخلي فيه ما يقيه من شر الجوع وأمن
ظاهري وهو أشد وأعظم وهو أن يكون آمنا من السُرّاق ومن الضربات وهجمات
الأعداء فيجب الإنسان أن يستحضر الإنسان هاتين النعمتين نعمة الطعام ونعمة
الأمن فهما من أجلّ نعم الله تعالى على الإنسان. وهذا ما تحقق لأهل مكة
فإنهم كانوا آمنين فلا يخافون أن أحداً من العرب يهجم عليهم لأنهم في حرم
الله وكان الرزق يأتيهم من كل مكان عندهم رحلة في الشتاء ورحلة في الصيف
وكما قال الله تعالى في سورة النحل (وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً
كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ
مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ
الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ (112))


د.
الربيعة:
مثال ليُعرف فعلاً قدر نعمة الله بإطعام
الإنسان وبكفايته وأن حق ذلك العبادة. تصور لو أن إنساناً يعمل عاملاً وجاء
إلى سيده فأعطاه راتبه أو أطعمه وأسقاه ثم ذهب يعمل عند غيره!


د.
الخضيري:
لا شك أن هذا الرجل سيحنث عليه حنثاً
شديداً، أنا الذي أُطعمك وأنا الذي أسقيك وأنا الذي أغنيتك وأنا الذي أصرف
لك راتباً وفي النهاية تجعل خدمتك وطاعتك وعبوديتك لغيري؟! لا شك أنه سيكون
ظالماً وسيكون مستحقاً للعقوبة الشديدة الرادعة له ولأمثاله.


د.
الربيعة:
ختام الآية في قوله (وَآمَنَهُم مِّنْ
خَوْفٍ)


د.
الخضيري:
هذه فيها تقرير نعمة الأمن والله إنها من
أعظم من الأمن ولا يعرف ذلك إلا من جرّبها. لا زلت أذكر أني لم أستشعر
نعمة الأمن في لحظة من حياتي مثلما استشعرتها في الليالي التي كانت تُضرب
فيها مدينة الرياض التي كنت أسكنها أيام حرب الخليج. فكنا غذا أردنا أن
ننام أصبنا الخوف لأنه ستُرسل صواريخ وأن هذه الصواريخ قد تقع على بيتك أو
على بيت مجاور فتهز بيتك وتؤذيك وتقلقك، فكان الناس يبيتون في خوف عظيم
وخصوصاً إذا سمعنا صفارة الإنذار، والله إن هذا يذكّرنا بعظيم نعمة الأمن
في بلادنا وهذه النعمة علينا أن نتذكرها وأن نحمد الله عليها ولذلك النبي
صلى الله عليه وسلم يبين لنا أصول النعم "من أصبح منكم آمناً في سربه معافى
في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا" إذا وجد لك الأمن والصحة
والقوت الذي تقي نفسه به من الجوع فكأنك ملكت الدنيا يعني أن ما وراء ذلك
من الدنيا هو فضل وزيادة ولا يضرك ما فاتك. فعلينا أن نحترم هذه النعم وأن
نقدّرها وأن نشكر الله سبحانه وتعالى عليها ونسعى في حفظها. وهنا يأتي
السؤال: كيف نسعى في حفظ هذه النعم التي أنعم الله تعالى بها علينا؟


د.
الربيعة:
لعل هذا جوابه صريحاً في هذه السورة
العظيمة (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ) أن نحقق لله حقه وهو
العبادة، أن نشكره (لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ) (اعْمَلُوا آلَ
دَاوُودَ شُكْرًا (13) سبأ) فما آتاك الله من نعمة استخدمها في طاعة الله،
آتاك الله عز وجل بيتاً استخدمه في طاعة الله ولا تضع فيه ما لا يرضي الله،
آتاك الله سيارة لا تصرفها في طريق لا يرضي الله ولا تضع فيها ما يُغضب
الله، آتاك الله زوجة وأولاداً فينبغي أن تجعلهم حماة لهذا الدين وأن
تعلمهم وأن ترشدهم وتدلهم على الخير ما استطعت إلى ذلك سبيلا، وإذا آتاك
الله رغداً في العيش ورزقاً وافراً فينبغي أن يكون ذلك دافعاً لك في أن
يزيد عملك الصالح ولا تبطر هذه النعمة فتجعل هذه النعمة سبباً في كبرياء
وبطر على عباد الله كما قال الله عز وجل (كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ
لَيَطْغَى (6) أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى (7) العلق) هذه من أعظم الآفات في
الإنسان أنه إذا اغتنى، أغناه الله بطر. هذه الصفة نجدها كثيراً في أولئك
الناس الذين يمكّن الله عز وجل لهم في المال فيصرفونه في الحرام والصد على
سبيل الله وفي البطر والكبرياء. أقول هذا السؤال العظيم حقاً يجب أن نقف
معه وقفات لكي نستشعر ما آتانا الله عز وجل من الخير والنعمة.


د.
الخضيري:
كثير من الناس الآن لما أفاء الله عليهم
بالنعم مع كل أسف وأكثر الله لهم من الخيرات صاروا يبذرون وصاروا يسرفون
وترى الآن في الأفراح والأعراس ماذا يحصل بالنعم؟ توضع في القمامات في وقت
هناك من المسلمين من هو محتاج ومن يمر به اليوم واليومين والثلاثة ولا يجد
قوته وآخرون يأكلون الطعام وهم يأنفون منه ثم إذا انتهوا منه رموه في أي
مكان، فوالله هذا لا يليق بنا نحن معاشر المسلمين. علينا أن نشكر الله
وعلينا أن نتقي الله سبحانه وتعالى.


د.
الربيعة:
هذه السورة العظيمة سورة قريش تعطينا
معنى هو أننا نقدّر ما آتانا الله من النِعم نعمة الحسب والنسب ونعمة المال
ونعمة الصحة والأمن والطعام والشراب ليكون ذلك دافعاً لنا لعبادة الله حق
عبادته وشكر الله حق شكره. نسأل الله عز وجل أن يجعلنا ممن أدّى نعمة الله
عز وجل وشكره حق شكره، لنا معكم بإذن الله لقاء آخر، نستودعكم الله وإلى
اللقاء وصلى الله وسلم على نبيا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: موسعة برامج القران الكريم متعدد الحلقات   الخميس 6 مايو 2010 - 15:04

الحلقة
20:


(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ
الْفِيلِ ﴿١﴾ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ﴿٢﴾ وَأَرْسَلَ
عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ ﴿٣﴾ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ
﴿٤﴾ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ﴿٥﴾ الفيل)


د.
الخضيري:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد
لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. هذا هو المجلس
التاسع عشر من مجالسنا المباركة في هذا البرنامج "لنحيا بالقرآن". كما
وعدناكم وكما عاهدناكم سنقف مع كل سورة من سور قصار المفصل لنأخذ وقفة أو
وقفتين أو حسب ما يقتضيه المقام ونتحدث عن معنى الآية وكيف نحوّلها إلى
برنامج عملي في حياتنا. هذا ما نقصده لنجعله منهجاً من مناهج التدبر التي
طالبنا ربنا سبحانه وتعالى أن نُعامل بها كلامه ونقوم بها تجاه آيات الكتاب
العزيز. معنا اليوم سورة الفيل، هذه السورة التي جعلها الله سبحانه وتعالى
سلوةً للضعفاء، الضعفاء الذين لا يجدون حيلة ولا يهتدون سبيلا، يسلّيهم
الله عز وجل بهذه السورة ويقول لهم إنه سينصر أولئك الضعفاء وإن لم يكن
بأيديهم ما ينتصرون به فالله قادر على كل شيء وبيده الأمر كله وله القوة
كلها سبحانه وتعالى. وتعرفون -ولا يخفى على شريف علمكم- قصة الفيل عندما
جاء أبرهة بجنود كثيرة ومعه أفيالٌ لا عهد للعرب بها قد قدِم بها من أرض
الحبشة فجاء ليهدم بها الكعبة وليُذِلّ بها خُدّام الكعبة وليريهم أنه أعلى
منهم شأناً. فماذا حصل؟ لما وقف على أبواب الحرم أرسل الله عز وجل عليه
الطير الأبابيل إلى نهاية وحصلت القصة المعروفة فقتل من كان معه وقتل أبرهة
ذاته فجعل الله عز وجل ذلك آية ونصراً عظيماً ودافع الله عز وجل عن حرماته
وعن هذه المقدسات الشريفة وانتصر للضعفاء. في هذه السورة سنجعل المعلم
الأول هو معلم الانتصار للضعفاء وأن الله هو القادر على شيء


د.
الربيعة:
هذه السورة تعطي المؤمنين سلوى بتعظيم
قوة الله وأن قوة أهل الأرض مهما بلغت فليست عند الله وقوته شيئاً. انظر
كيف غمز الله عز وجل إلى قوة الكافرين بالفيل الذي هو في جيش أبرهة علامة
على أنه أقوى سلاح عندهم. فهذا الفيل الذي سُميت به السورة للدلالة على
عظمته وأنه اتُخذ ليكون هيبة لقريش لجسده وعظمته وأن يروه بهذه المهابة
فإنما اتخذ ليكون قوة عظمى. هذه القوة ماذا جعلها الله عز وجل؟ أولاً سخرها
الله عز وجل بعدم تحقيق مرادهم فجثى الفيل ورجع إذا وُجِّه للكعبة توقف
وإذا وُجّه للحبشة رجع. إذن نستطيع أن نأخذ من هذا أننا نحن المسلمون يجب
أن لا نهاب ونخشى ونخاف قوة أعداء الله مهما بلغت ويجب ان نعظِّم قوة الله
فقوة الله أعظم من كل قوة. إذا كان هذا حقاً يقيناً في قلوبنا فإننا بإذن
الله عز وجل سيقوينا الله عز وجل وسيسخر لنا قوة أهل الأرض.


د.
الخضيري:
إذن نحن علينا أن نتفقد أنفسنا في
معاملتنا مع الله ولنعلم أن الله سبحانه وتعالى إذا تفقدنا هذه الأنفس فإن
الله سينصرنا (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ
أَيْدِيكُمْ (30) الشورى) ولذلك قال الله عز وجل (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم
مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ
مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ (165) آل عمران) فنحن نقول القوة من عند الله
والنصر من عند الله وهذه القوة التي بايدي الكافرين لا يمكن أن تعمل عملها
أو تؤثر أثرها إلا إذا أذن الله لها بذلك. ولعل من الشواهد على ذلك ما مضى
في سائر الأيام فيما مضى من هذه الأيام السابقة لنا عندما جاء اليهود بقدهم
وقديدهم ومعهم السلاح الفتاك ومعهم قوة أميركا والدول الأوروبية لا ليغزوا
دولة وإنما ليغزوا قرية إسمها غزّة وأحاطوا بها وجمعوا لها الجنود والعتاد
والقوة ومعهم كل شيء وحاصروا إخواننا عاماً كاملاً منعوا عنهم الغذاء
والمعدات وكل شيء ثم أرادوا أن يستأصلونهم وبقوا ثلاثاً وعشرين يوماً وهم
يدكّونهم ليل نهار ويدمرون البيوت والبنى التحتية، ماذا حصل؟ رجعوا ولله
الحمد خائبين خاسرين وكانت دليلاً على أن النصر بيد الله وأن الله سبحانه
وتعالى هو الذي يدير هذه الأمور ويدبر ما يشاء ويفعل ما يريد.


د.
الربيعة:
مع أنهم استخدموا أسلحة لم يستخدموها من
قبل. فهذا دليلنا في السورة تعطينا هذه السورة قدرة الله وعظمته سبحانه
وتعالى وتعطينا ضعف أهل الأرض مهما بلغوا ومهما بلغت قوتهم ومهما آتاهم
الله من قوة فهذه القوة من الذي سخرها لهم؟ إنه الله. الآية الأولى يقول
الله عز وجل فيها (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ
الْفِيلِ) الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ابتداء وهي خطاب للأمة كلها ألم
تروا كيف فعل الله بأصحاب الفيل؟


د.
الخضيري:
هم لم يروا بالفعل لأن النبي صلى الله
عليه وسلم وُلِد عام الفيل فالمقصود بـ (ألم تر) يعني ألم تعلم كيف فعل ربك
بأصحاب الفيل.


د.
الربيعة:
رمز لهم بأصحاب الفيل، أصحاب تلك القوة.
ثم قال (أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ)


د.
الخضيري:
ألم يجعل كيدهم، تخطيطهم، تدبيرهم، كونهم
يبثون الرعب بين العرب بهذه الآلة التي لا علم للعرب بها جهل الله كيدهم
في تضليل يعني جعل تدبيرهم تدميراً عليهم، هم كادوا كيداً (وَإِن كَانَ
مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46) إبراهيم) لكن الله سبحانه
وتعالى مكره أعظم، يمكرون ويمكر الله، يكيدون والله سبحانه وتعالى يكيد من
ورائهم ولا يشعرون. وهذا ما نراه بأنفسنا عندما كادنا أعداؤنا سواء في غزة
أو في العراق أو في مواقع أخرى من بلاد المسلمين، أرادوا شيئاً وخططوا له
ودبروا له وكادوا المسلمين لكن الله سبحانه وتعالى أبطل كيدهم وردّه في
نحورهم.


د.
الربيعة:
وتأمل قول الله عز وجل (أَلَمْ يَجْعَلْ
كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ) أضلهم هم كانوا على تخطيط ثم أضلّهم الله عن هذا
التخطيط الذي كانوا عليه.


د.
الخضيري:
(وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا
أَبَابِيلَ) يمكن أن نستبط منها استنباطاً جميلاً وهي أن قوة الله سبحانه
وتعالى كانت في هذه الطائرات الحيّة التي جاءت على هؤلاء المشركين من فوقهم
وهذا يجعلنا نقول لأنفسنا وللمسلمين أنه يجب على المسلمين في هذا الزمان
أن يمتلكوا هذه القوة وهي قوة الطيران ويستقلوا بها حتى يستطيعوا أن
يهيمنوا بها على أرض المعركة.


د.
الربيعة:
يعني نستطيع أن نقول أن من أعظم القوى
قوة الطيران. ولعل هذا يشهد له قوله تعالى (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ
وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى (17) الأنفال) هذه الطائرات ليست إلا بالرمي.


د.
الخضيري:
وهذه الطيور التي جاءت كانت تحمل معها
حجارة فوقفت فوق هذا الجيش وبدأت ترميهم بحجارة حتى أبادتهم وأهلكتهم عن
آخرهم فلم ينجو منهم ديّار.


د.
الربيعة:
وهنا ملحظ، انظر كيف أن الله عز وجل عامل
هؤلاء أصحاب هؤلاء القوة أرسل عليهم من أضعف جنده، طيور صغيرة ماذا
تُغني؟، أرسل عليهم طيوراً ليعلموا أن هذه الطيور مرسلة بقوة الله لم يرسل
عليهم جبالاً ولم يرسل عليهم قوة عظيمة وإنما أرسل عليهم جنداً ضعيفاً هذا
وهو ضعيف فكيف لو كانت القوة العظمى من الله عز وجل؟! فالله تعالى بقدرته
وقوته يستطيع أن يُبطل أعظم قوة في الأرض بأضعف جند.


د.
الخضيري:
نعم وانظر إلى الريح، هذا الهواء اللطيف
يسلطه الله سبحانه وتعالى علة من يشاء فيدمر ويذهب ويزيل ويقتلع الأشجار
والأحجار والرجال العتاة الغلاظ حتى يجعلهم الله تعالى كأنهم أعجاز نخل
خاوية، وهي ريح، هواء لطيف يسخره الله فيكون رحمة ويسلّطه فيكون عذاباً
شديداً. ولذلك نحن نقول ينبغي علينا أن نكون مع الله وأن لا نخاف من أحد
إلا من الله سبحانه وتعالى وأن تكون ثقتنا بالله وبما عند الله سبحانه
وتعالى عظيمة جداً.


د.
الربيعة:
ما معنى أبابيل؟

د.
الخضيري:
طيراً أبابيل يعني جماعات غثر جماعات
فكانت هذه الطيور تأتي من جهة البحر كما يقول بعض المفسرين تأتي جماعات إثر
جماعات ومعها هذه الحجارة التي هي من سجيل أي من طين قد طُبخ وقد تصلّب.


د.
الربيعة:
قال بعض المفسرين أنها من حجارة النار.

د.
الخضيري:
من حجارة النار. فالمهم تأتي هذه الطير
وترمي بالحجارة على هؤلاء الكفار وتقاتل عن بيت الله سبحانه وتعالى وهذا
يدلنا على أن بيت الله محمي وأن شرع الله عز وجل لا يمكن لأحد أن يستأصله
من الأرض كما قال الله جل وعلا (جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ
الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ
وَالْقَلاَئِدَ (97) المائدة) فهذه الكعبة باقية إلى أن ياذن الله عز وجل
بزوالها فإذا زالت زال العالم وزالت الأرض وما عليها واذن الله بقيام
الساعة.


د.
الربيعة:
لعلنا نتدبر ختام السورة (فَجَعَلَهُمْ
كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ)


د.
الخضيري:
مثل الهشيم اليابس الذي قد أكلت الدواب
شيئاً منه وداست شيئاً منه فصاروا في وضع يرثى له من شدة ما أصابهم من
البلاء وما نزل بهم من العذاب نسأل الله العافية والسلامة. جاؤوا متكبرين
وجاؤوا وهم ممتلئون حماسة وحيوية وإذا بالنتيجة تنتهي عند هذا الحدّ نسأل
الله العافية والسلامة.


د.
الربيعة:
الحقيقة أن هذه السورة العظيمة سورة
الفيل فيها تسلية للمؤمنين وبيان بأن الله عز وجل هو قوتهم العظمى حينما
يتسلحون بالإيمان به والتوكل عليه والاعتماد عليه عز وجل أولاً وآخراً ثم
الاستعانة بالأسباب التي يسخرها الله عز وجل بقوة كما قال الله عز وجل
(وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ
الْخَيْلِ (60) الأنفال) فالله تعالى أمرنا بفعل الأسباب لكن قبل ذلك أعظم
سبب إيماننا ويقيننا بالله عز وجل. هذه السورة العظيمة نحن بحاجة إليها في
هذا القوت الذي طغت فيه أمم الكفر وتجبرت وأذلّت المسلمين وسامتهم سوء
العذاب في بقاع من الأرض. نحن بحاجة إلى أن نعتصم بقوة الله ونرجع إليها
ونعلم أن هؤلاء حينما يصدون عن سبيل الله عز وجل فإن الله سيقهرهم ولكن
يأمرنا الله عز وجل بأن ننصر دينه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن
تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7) محمد) نصر
الله يأتي.


د.
الخضيري:
لعلنا قبل نختم لقاءنا حول هذه السورة
العظيمة أذكر لطيفة جميلة وهي قوله (بِأَصْحَابِ الْفِيلِ) فهم صاروا
أصحاباً للفيل ولم يكن الفيل صاحباً لهم، لماذا؟ لأن الفيل جاء لمهم وهو
قائم بأمر الله عز وجل يؤدي مهمته في نقل الناس وفي خدمتهم، لكن لما كانت
مقاصدهم سيئة ومقصده ليس سيئاً لما جاءت النهاية التي هم أرادوها أن
يستعملوا الفيل في تدمير عباد الله هذا الفيل أبى، فصاروا هم أصحاباً للفيل
وكان الفيل سيداً. انظر إلى الكلب في سورة الكهف نُسِب إلى الفتية
(سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ
سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ
وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ (22)) الكلب نُسب إليهم لأنه تابع للمؤمنين، وهنا
هم أصبحوا تابعين أصحاب الفيل، لم يُذكروا ولم يبيّن حقيقتهم وإنما
عُرّفوا أنهم أصحاب الفيل فكأن الفيل خير منهم ونحن نقول لكل مؤمن ولكل
مؤمنة، هذا الحيوان قد يكون خيراً منك لأنه عرف حقيقة ما خُلِق له ولم تعرف
أنت حقيقة ما خُلِقت له. لعلنا نختم بهذا المعنى. نسأل الله تعالى أن
ينفعنا بكتابه وكلامه. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون
القول فيتبعون أحسنه وإلى لقاء قادم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: موسعة برامج القران الكريم متعدد الحلقات   الخميس 6 مايو 2010 - 15:05

الحلقة 19

(وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2)
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا
بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) العصر)


د.
الخضيري:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد
لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. هذا هو
المجلس الثامن عشر من مجالسنا في حلقات برنامجكم "لنحيا بالقرآن". هذه
الحلقات المباركة التي نتدارس فيها آيات قصار المفصّل ونحاول أن نطبق هذه
الآيات في حياتنا أو نأخذ من هذه الآيات ما نعمل به في حياتنا ونعطيكم بذلك
النموذج العملي كيف نجعل من هذه الايات آيات تعيش في واقعنا وتحيا معنا
ونهتدي بهديها ونقبس من نورها ولا يكن مجرد طلب الثواب أو البحث عن الأجر
بكثرة قراءة الحروف هو المقصود الأعظم لنا، نعم الإنسان يؤجر بقراءة هذه
الحروف ويثاب على ذلك ولله الحمد والمنّة ولكن أعظم من ذلك أن يهتدي
الإنسان بالقرآن (إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ
(9) الإسراء). اليوم معنا سورة عظيمة قال فيها الإمام الشافعي رحمه الله
"لوما أنزل الله حجة على خلقه إلا هي لكفتهم"، إنها سورة العصر هذه السورة
التي قلّت آياتها وقصرت كلماتها لكن عظمت معانيها وجلّت واتسعت حتى شملت
الدين كله. أقسم الله سبحانه وتعالى في أولها (وَالْعَصْرِ) ثم بيّن
المُقسَم عليه (إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ) ثم استثنى من هؤلاء
الخاسرين وهم كل الناس (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ). هذه السورة على قلة
ألفاظها إلا أنها كبيرة المعاني والله لو حققناها في حياتنا لعلمنا أننا قد
عملنا بالدين كله وكانت سبباً في نجاتنا وسبباً في صلاح جميع أحوالنا.


د.
الربيعة:
لعلي قبل هذا أشير إلى المعنى في مقصد
السورة وفي موضوعها. السورة تلحظ منها تعظيم هذا الزمن الذي يعيشه الإنسان.
جاء التعظيم من القَسم الذي افتتح الله تعالى به السورة ولذلك سميت السورة
بالعصر لعظمة هذا الزمن الذي هو موضع العمل، العمل الصالح والعمل الفاسد،
فيقسم الله تعالى بهذا الزمن الذي جعله الله وقتاً للعمل حُقّ له أن يُقسم
به وإنه عظيم.


د.
الخضيري:
يعني النجاة الخسران والفلاح والفوز
والبطر كله في هذا الزمان؟ في هذا الزمن فلتعتني أخي المسلم بهذا الزمن لكي
تنجو.


د.
الربيعة:
فيه نجاتك، فيه خسارتك وفيه فوزك.

د.
الخضيري:
قال النبي صلى الله عليه وسلم مصداقاً
لهذا الملام "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة الصحة والفراغ" يعني
أن كثيراً من الناس عنده هاتان النعمتين ولا يحسن الإستفادة منهما ولا
يستطيع أن يسخرهما لكي يكونا سبباً لنجاته وسبباً لتحصيل الخير له في
الدنيا وفي الآخرة.


د.
الربيعة:
لعلنا نقف مع بداية السورة في قول الله
عز وجل (والعصر) فتقف هنا تتأمل هذا العصر هذا الوقت الطويل، هذا العمر
الذي تعيشه أنت أيها الإنسان وهذه الحياة التي سخرها الله عز وجل. تأمل هذه
الوقفة في هذه الآية لها دلالة في تأملك وتدبرك لتعرف حقيقة هذا الوقت
والإنسان لا يمكن أن يستفيد من الشيء إلا إذا عرف قيمته وقدره (ولو عظّموه
في النفوس لعُظِّم) كيف تستفيد من وقتك؟ أن تتأمل فيه، لماذا خُلقت فيه؟
لماذا سخره الله لك وهيأه الله لك؟ إنه لأجل أن تعمل فيه بما يرضي الله عز
وجل ويكون فيه نجاتك. (والعصر) ولفظ العصر هنا فيه فخامة وفيه عظمة فالتأمل
في هذا العصر وهذه الحياة وهذا الزمن يجعلك تدرك حقيقة الزمن. إذا عرفت
أنك اليوم شاباً ومتعك الله ستكون يوماً من الأيام كبيراً، أين زمن الشباب؟
ولّى وذهب. إذا كنت كبيراً فإن زمنك قد قرُب على الزوال فاغتنم ذلك


د.
الخضيري:
وكما ورد في الحديث "خذ من صحتك لمرضك
ومن شبابك لهرمك"


د.
الربيعة:
ينبغي أن نتأمل في هذا الوقت، كثير من
الناس تضيع عليه أوقاته وأيامه لأنه لا يدرك أهمية هذا الزمن وقيمته في
الحياة ولو أدرك ذلك حقيقة لاغتنمه اغتناماً صحيحاً ثم يقول الله عز وجل
بعد ذلك (إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ)


د.
الخضيري:
يعني كل الناس خاسرون

د.
الربيعة:
في الأصل الإنسان خاسر

د.
الخضيري:
(وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ
عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا (71) مريم)


د.
الربيعة:
الإنسان بكونه إنساناً لكن حينما يتصف
بصفات الدين فيكون مسلماً أو مؤمناً أو محسناً فإنه سينقلب من الخسران إلى
الفلاح فالإنسان في أصله خسران إلا بما يملأ به هذا الزمان وهذا العصر بما
يجعله رابحاً


د.
الخضري:
مما يؤكد كلامك من أن الإنسان خاسر قول
الله عز وجل (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ
مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72)
الأحزاب) في الأصل أن الإنسان مركب فيه الظلم والجهل فإذا استجاب لهما
ولبّى داعيهما في نفسه ولم يترفع ويزكي نفسه بالأخلاق الطيبة والعلم النافع
والعمل الصالح فإنه لا محالة خاسر. ولذلك لكا يقول الله عز وجل لآدم يوم
القيامة يا آدم أخرِج بعث النار فيُخرج بعث النار، من كل ألف تسعمائة وتسعة
وتسعين، والناجي من بني آدم واحد من ألف، هذا هو الناجي. هل أنت هذا
الواحد؟ تأكد فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر أن الذي ينجو من بني
آدم واحد من ألف، فهل عملت حتى تكون هذا الواحد؟


د.
الربيعة:
عمر رضي الله عنه كان يقول: لو قيل يوم
القيامة كل الناس ناجون إلا رجل لظننت أني أنا هذا الرجل، من خوفه وهو عمر
بن الخطاب رضي الله عنه!. في هذا السياق لو تأملنا واقع الناس اليوم في
حياتهم لوجدنا أن كثيراً من الناس مغبون ومحروم من وقته وخسران، كم تضيع
علينا الأوقات؟! تجد الإنسان يسمر مع زملائه ساعات ولا يبالي مع الأسف ولا
يظن أنه خاسر


د.
الخضيري:
وعندما تقول هه في المقابل يا فلان هناك
محاضرة، هناك درس، هناك جلسة قرآن، يقول لك والله أنا مشغول، عندي ارتباط،
تأتي المشاغل وتأتي الهموم وتأتي الارتباطات عندما تكون هناك جلسة حقيقية
تعيد الإنسان إلى صوابه وتعود بوصلة الإنسان للإتجاه الصحيح. أما عندما
يكون هناك سمر وسهر ولعب ولهو فإن الإنسان يعطي الأوقات بلا حساب


د.
الربيعة:
أضرب مثالاً في وقت الصلاة تجد الناس إذا
أتوا للصلاة وتأخر الإمام دقائق معدودة فإذا هم ينظر الواحد منهم إلى
الآخر ثم إذا سلّم الإمام وخرج ربما يقف هو وصاحبه ساعة كاملة يتحدثون عند
الباب في أمور الدنيا


د.
الخضيري:
أو ذهب إلى بيته وبقي أمام التلفاز يشاهد
البرامج والله لا تعود عليه بشيء من النفع.


د.
الربيعة:
لماذا؟ أن مقياسه للحياة مقياس عكسي لو
كان يعرف حقيقة هذا الزمن والوقت وأنك بطاعة الله ومكوثك في المسجد الذي
تستغفر لك به الملائكة والله لازدت بذلك طمأنينة ومكوثاً. ثم الواقع الذي
نعيشه تجد بعض الشباب يسمر مع أصحابه في استراحة أو على البحر أو في نزهة
طيلة الليل ومن جلوسهم إلى انتهائهم لا يذكرون الله.


د.
الخضيري:
وهذه مصيبة. يقول النبي صلى الله عليه
وسلم "ما جلس قوم مجلساً لم يذكروا الله تعالى فيه ولم يصلّوا على النبي
صلى الله عليه وسلم فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار". دعنا ننتقل إلى شروط
النجاة والخسران، ذكر الله أربعة شروط يعني من حققها نجا ومن أخل بواحد
منها فله نصيب من الخسران، قد يكون الخسران كاملاً وقد يكون ناقصاً قال
(إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا
بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)


د.
الربيعة:
لعلنا نشير إشارات.

د.
الخضيري:
أولها الإيمان. أنا أريد أن أسأل نفسي
وأسأل المشاهدين هل نحن مؤمنون حقاً؟ المؤمن حقاً هو الذي يرى ما وراء
الغيب كأنه بين عينيه. أنت مؤمن بالجنة؟ تقول نعم أنا مؤمن بالجنة، لو كنت
مؤمناً بها حقاً لعملت لها. أنت مؤمن بالنار؟ لو كنت مؤمناً بها حقاً لخفت
منها ولحذرت منها. مثل أن تقول لإنسان أنت تحب الغنى؟ يقول نعم أنا أحب
الغنى ولذلك أخرج إلى العمل من الصباح إلى الليل. هل تخاف من الفقر؟ نعم
أنا أخاف من الفقر بدليل أني ما أترك فرصة يبدو لي فيها ربح أو مكسب إلا
بادرت إليها. غذن أنت بالفعل تحب الغنى وتخشى الفقر. إذا لماذا لا تعامل
الجنة والنار بمثل ذلك؟ لأن الإيمان ضعيف، باهت، قد ذبُل في نفسك. إذن
ينبغي أن أراجع إيماني، إيماني بالله، إيماني برسله، إسماني بملائكته،
إيماني باليوم الآخر، إيماني بالقدر، إيماني بالكتب، إيماني بكل ما أوجب
الله عز وجل.


د.
الربيعة:
يعني من أعظم مقاييس الربح وموازينه
الإيمان.


د.
الخضيري:
سأسمعك قصة ولا تخفى على مثلك. رجل رأى
النبي صلى الله عليه وسلم وهو ذاهب إلى خيبر فدعاه النبي إلى الإسلام فأسلم
ولما أسلم دخل الإيمان في قلبه فقال له بعض الصحابة إذهب إلى صاحبك فقال
بل أذهب فأرد إليه الغنم وأعود لأقاتل مع رسول الله فقال له النبي صلى الله
عليه كأنه لم يستعجل عليه فقاللا، ألم أبايعك على أني إن قاتلت معك فقتلت
دخلت الجنة؟ قال نعم، فذهب وردّ الغنم إلى صاحبها ثم جاء فقاتل مع رسول
الله صلى الله عليه وسلم وقد أشار في كلامه مع رسول الله قال أريد يا رسول
الله أن يأتيني سهم طائش فيضربني هاهنا فأموت فأدخل الجنة، فوجدوه وقد ضربه
سهم في المكان الذي اشار إليه ولم يسجد لله سجدة، فقال النبي صلى الله
عليه وسلم إنه لم يسجد لله سجدة ومع ذلك دخل الجنة. انظر إلى مستوى الإيمان
عندما ارتفع عند هذا الرجل تحقق له النجاة به بإذن الله.


د.
الربيعة:
أعظم موازين الربح الإيمان ولذلك يقول
عمر رضي الله عنه "لو وُزِن إيمان الأمة بإيمان أبي بكر لرجح إيمان أبي
بكر" لعظم إيمانه. الميزان الثاني من موازين الربح والخسارة هو العمل
الصالح ربحاً والعمل السيء خسارة. فالعمل الصالح هو جميع أمور الطاعات بعد
الإيمان من الصلاة والذكر وبر الوالدين وصلة الرحم والنفقة والصدقة والأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر وحسن الخُلُق


د.
الخضيري:
والقيام بهذه الوظائف الموكولة إلينا
وأدائها على الوجه الصحيح هذه من العمل الصالح. والثالث التواصي بالحق أن
أوصيك بالحق وتوصيني، أن أكون مرآة لك وأن تكون مرآة لي، اصدق معك وتصدق
معي، أنصحك وتنصحني


د.
الربيعة:
والله هذه التي نحن بحاجة إليها.

د.
الخضيري:
والآن نلاحظ أن مجتمعاتنا صارت تسقط إذا
رأينا واحداً من إخواننا قد نقصت دنياه جميعاً ننكب وننصحه عندما نراه قصّر
في دنياه. مثلاً الأب لما يرى ابنه قد تخلف عن وظيفة أوعن المدرسة ينصحه
ويشفق عليه ويعظه وقد يزجره ولا يهنأ له نوم ويخاف عليه أن يخسر في الدنيا،
لكن عندما ينام عن الصلاة، عندما يترك الصوم، عندما لا يبادر إلى الحج،
عندما لا يطيع الله عز وجل يقول لكم دينكم ولي ديني والهادي هو الله. لماذا
لا يكون الهادي هو الله في أمور الدنيا؟


د.
الربيعة:
إذن يجب علينا أن نتواصى بالحق

د.
الخضيري:
وأن يكون كل واحد منا مرآة لأخيه. ويختم
بالتواصي بالصبر.


د.
الربيعة:
التواصي بالصبر ختم الله بها هذه الصفات
لأنها جامعة لهذه الأمور، نحن بحاجة إلى الصبر في الإيمان والعمل الصالح
والتواصي. والتواصي بالصبر يعني في واقع حياتنا أن نصبر على طاعة الله
ونصبر عن معصية الله ونصبر على أقدار الله المؤلمة، هذا هو كمال الصبر.
ونحن في هذه الحياة كم تأتينا من الأمور التي ربما يواجهها الإنسان وقد لا
يصبر. يحتاج لأن يوثق نفسه بالصبر. فأنت أيها المؤمن حينما تتصف بهذه
الصفات الأربعة الإيمان والعمل الصالح ثم تنشر هذا الإيمان والعمل الصالح
بالدعوة والتواصي بينك وبين إخوانك ثم تصبر وتثبت إن هذا هو الدين الحق وأن
هذا هو الربح والفوز.

د.
الخضيري:
ومما يؤكد كلامك بأن الصبر ليس صبراً على
أقدار الله فقط وإنما أيضاً على طاعة الله قول الله عز وجل (وَأْمُرْ
أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا
نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132) طه) لما استعمل الصبر
في أمر الأهل بالصلاة قال واصطبر عليها لا نسألك رزقاً نحن نرزقك والعاقبة
للتقوى. هذه الأمور الأربعة إذا التزمنا بها وقمنا بها وتعاهدنا عليها
ووصى بعضنا بعضاً بها فإننا والله مفلحون ناجحون مدركون لخيري الدنيا
والآخرة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعينني وغياكم على ذلك وإلى لقاء قادم
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: موسعة برامج القران الكريم متعدد الحلقات   الخميس 6 مايو 2010 - 15:06

لحلقة 18

(أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ﴿١﴾ حَتَّى زُرْتُمُ
الْمَقَابِرَ ﴿٢﴾ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿٣﴾ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ
تَعْلَمُونَ ﴿٤﴾ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ﴿٥﴾
لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ﴿٦﴾ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ﴿٧﴾
ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ﴿٨﴾)


د.
الربيعة:
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب
العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. نسأل الله
عز وجل أن يحيي قلوبنا بالقرآن. نحن مع مجالس هذا البرنامج المبارك مع
المجلس السابع عشر مع سورة التكاثر. لعلنا نقف وقفة مقدة مع هذه السورة ثم
ندلف إلى ما فيها من درر وآيات بينات. بالتأمل في هذه السورة والتدبر فيها
نجد أن هذه السورة تتوجه أول من تتوجه إليه إلى أولئك الذين شغلتهم دنياهم
عن آخرتهم، إلى أولئك الذين همهم في هذه الحياة الدنيا الجمع والتكاثر
متناسين ذلك اليوم الذي سيلقونه وتلك النار العظيمة التي سيصلاها العصاة
والكافرين. ولذلك القارئ خينما يقرأ هذه الآية ينبغي أن يلحظ هذا المعنى
وهو أن هذه السورة هي موعظة له حينما كان منشغلاً بأمر دنياه عن آخرته،
بتكاثره، بماله، بأصوله، بأولاده، التكارث هنا يعم كل شيء. كما قال الضحّاك
قال هذه سورة التُجّار، كيف هي سورة التُجّار؟ إنها موعظة للتجار. وأذكر
أحد الإخوة ذكر لي قال جاءني رجل أعمال يقول أنا مع ما آاتني الله من مال
فأنا أعيش في ضيق وأجد ضغطاً نفسياً فما الحل وما العلاج؟ قال لن أعطيك
علاجاً صعباً وإنما سأعطيك علاجاً يسيراً بإذن الله،


د.
الخضيري:
ما هو هذا العلاج؟

د.
الربيعة:
قال أريدك أن تقرأ سورة التكاثر عشرين
مرة، قال سورة التكاثر؟ سورة نحفظها جميعاً قال تقرأها وتسمعها لكنك لم
تفهمها كما ينبغي.


د.
الخضيري:
ولم تتعظ بها كما ينبغي أن يتعظ بها.

د.
الربيعة:
لو قرأتها كما أراد الله منك في قراءتها
والله لوعظتك وجدت قيمة الحياة وعرفت قيمة المال الذي عندك. قال فذهب فأكثر
من قراءتها يقول فلقيته بعد مدة قال والله إني وجدت لها أثراً وطعماً في
نفسي وفي حياتي، قال كيف؟ قال وعرفت قيمة الحياة حقاً وقيمة المال الذي أنا
فيه فإن همّي الذي انغمس في هذا المال وهذا التكاثر وهذا الجمع هو في
الحقيقة الذي أقلقني وهو الذي ملأ قلبي غفلة عن الآخرة ولم أجد للصلاة
طعماً ولم أجد لذكر الله أثراً فعرفت أنني في طريق الخطأ.


د.
الخضيري:
ولذلك جاء التعبير في السورة بـ (ألهاكم)
يعني كلما يشغل الإنسان عن ربه سبحانه وتعالى بما هو صورته قد تكون حسنة
لكنه يريد أن يكاثر زميله وصديقه وأخاه وأباه وجماعته واقاربه ومن حوله أن
يقول لهم أنا أكثركم مالاً، أنا أكثركم دمراً، أنا أكثركم بساتين، أنا
أكثركم سيارات، أنا أكثركم شهادات. هنا عندما يكون قصد الإنسان هو التكاثر
يكون ما هو فيه له، حتى أذكر شيئاً في غاية الغرابة وهو لو أن إنساناً أراد
أن يجمع أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل أن يقول لزملائه
وأقرانه أنا أحفظ أكثر منكم بل أريد أن أذكر ما هو أغرب من ذلك وهو أن
الإنسان قد يحفظ أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وحفظها عبادة ومع ذلك
لا يكون قصده إلا ليكاثر بها أصحابه وزملاءه واقرانه ومشايخه يقول أنا
أحفظ منكم، أنا أكثر جمعاً للأحاديث منكم، فيكون بذلك مع أنه في ظاهره في
أمر الدين إلا أن الذي حمله على ذلك المفاخرة، لم يحفظها ليعمل بها، لم
يحفظها من أجل أن يبلّغها وأن يقوم بحقها وإنما من أجل أن يقول أنا أكثر
منكم. فما دام هذا فإن الذي يفعله يعتبر لهواً. ولاحظ أنه عبّر باللهو لأن
اللهو مشغلة للقلب، بمعنى أن قلبه قد انشغل. لأن العادة في القرآن إذا عبّر
باللهو فمعنى ذلك أنه للقلب وإذا عبّر باللعب فمعنى ذلك أنه للبدن. (وَمَا
هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ (64) العنكبوت)
اللعب للبدن واللهو للقلوب. نحن نقول هذه موعظة لنا جميعاً أنه أي شيء
ننافس فيه ونحرص عليه إن كان مرادنا به وجه الله وزيادة العمل فهذا ليس
لهواً وإن كان مرادنا أن ننافس به الأصدقاء والأصحاب ونلفت به أنظار الناس
ونوجه به قلوبهم إلينا فهذا لهو ولا ينفعنا عند الله.


د.
الربيعة:
إذن المناط هو النية

د.
الخضيري:
نعم المناط هو النية. هذا فيما هو من عمل
الآخرة أما فيما هو من أعمال الدنيا فهذا ينبغي أن يكون الإنسان حذراً
فيه، أحياماً الإناسن يجمع الدنيا ثم يجمع ثم يجمع تقول له لماذا؟ ما الذي
يحملك على أن تجمع هذه الدنيا ولو كانت من حِلّ وتترك الواجبات من صلة
الرحم وبر الوالدين والصلاة مع الجماعة والقيام بحقوق الله والقيام حقوق
الزوجة والولد وغير ذلك؟ فيقول حتى تكون أموالي كثيرة، حتى أصل إلى الأرقام
التي وصل إليها فلان وفلان، وحتى أستطيع أن أكون أكبر وأكثر وأقدر وأغنى
(يريد أفعل التفضيل أيّاً كان، على حساب ماذا؟)


د.
الربيعة:
لو أن الإنسان اعتنى بجمع المال وأحسن
الني وجاهد نفسه أن لا تشغله عن طاعة الله واجتهد في إخراج ما ييسر الله
ويعينه الله عليه في أمور الخير هل يلام في هذا؟ تكاثر في المال لكن ليس
قصده أن يباهي ويفاخر إنما قصده أن يكون عنده مال يغنيه عن الناس ويكون
قصده بإذن الله نفع هذه الأمة بإنفاق المال، هل يُلام في هذا؟ أو هل يعد من
أهل هذه الآية أم لا؟


د.
الخضيري:
إذا قصد بماله أن يجمعه لينفقه في سبيل
الله فإني أرجو أن لا يكون داخلاً في هذه الآية. لكن هل تتوقع أن أحداً من
الناس يجتهد في الدنيا فلا يُضر إجتهاده في الدنيا بآخرته؟! هما ضرّتان
ولذلك ينبغي على الإنسان أولاً إذا فتح الله عليه شيئاً من الدنيا أن يكون
متيقظاً لحظّ الآخرة، لحق الله عز وجل في الواجب الذي أوجبه الله عليه ثم
ما بقي من الوقت أو زاد إذا صرفه في أمور الدنيا فإنه لا ملامة عليه بإذن
الله إذا نوى في ذلك النية الطيبة وصدق في عمله.


د.
الربيعة:
ما الذي يجعله يذكره بأن لا تكون نيته
التكاثر؟ لأنه قد يغفل


د.
الخضيري:
قد يكون والله أعلم من أهم الأسباب التي
تقيه من ذلك أن يستكثر من مجالسة الصالحين فإن هؤلاء يردونه كلما شعر بأنه
قد انغمس في الحياة ردّوه كما قال عز وجل للنبي صلى الله عليه وسلم
(وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ
وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ
زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ
عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28) الكهف)
هذا أمر. والثاني قراءة القرآن بتدبر فإنه إذا قرأ القرآن كلما قرأ من ورده
شيئاً رجع إلى الحقيقة وفكر لماذا خُلِق؟ وعاد إلى الله سبحانه وتعالى
وسخر هذه الدنيا التي أوتيها في طاعة الله جل وعلا ولم تصرفه عن أداء
الحقوق والقيام بالواجبات.


د.
الربيعة:
ولذلك قال الله عز وجل بعدها (حَتَّى
زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) مما يجعلك تتذكر وتعرف حقيقة هذا المال ونهاية هذا
التكاثر أنك ستتركه وتزور المقابر.


د.
الخضيري:
ما المقصود بتزور المقابر؟

د.
الربيعة:
إما أن يكون المقصود بها أجلُك ستزورها
يوماً من الأيام بعد موتك وتكون من أهلها.


د.
الخضيري:
يقولون قد سُميت زيارة لأنها قصيرة هي
برزخ ثم بعدها يُبعث الإنسان ويعيش الحياة الحقيقية إما في نعيم دائم أو في
عذاب مقيم والعياذ بالله.


د.
الربيعة:
أيضاً نلمس من هذا أن زيارة المقابر
وزيارة القبور مما تذكّر بالآخرة وتُبعد عن التكاثر في الدنيا وغيرها.


د.
الخضيري:
ولذلك قال النبي صلى اله عليه وسلم
"أكثروا من ذكر هادم اللذات" و"وزوروا المقابر فإنها تذكركم الآخرة" فنقول
داوي قلبك يا مسلم كلما شعرت أنك انغمست في هذه الحياة وكاثرت الناس وبدأت
تنشغل بها عما خُلٌِت له داوي قلبك بأن تجعل لنفسك زيارة بين أسبوع وآخر
بين شهر وآخر، تذهب فتزور المقابر تنظر إليها وتعتبر وتتفكر، زيارة المقابر
ليس المقصود بها أن نستشفع بالموتى أو نسألهم أو نستعين بهم فهم بحاجة إلى
دعائنا وصلواتنا وسلامنا عليهم أن نسلم عليهم وندعو لهم بالرحمة والمغفرة
ونتذكر الآخرة.


د.
الربيعة:
معنى ذلك أن من أعظم ما يجعل الإنسان في
هذه الدنيا مّتزناً هو أن يتذكر الآخرة. ثم انظر ماذا قال الله بعد ذلك،
ليس فقط تذكرك لهذه المقابر قال (كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿٣﴾ ثُمَّ
كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿٤﴾ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ
﴿٥﴾ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ﴿٦﴾) وهذه هي والله الطامة الكبرى. هذه التي
تجعل الناس حقاً يتذكر هذه التي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم "ذكر
النار يجثو لها الملائكة المقربون والأنبياء المرسلون"


د.
الخضيري:
في ذلك اليوم تجثو كل أمة من شدة ما ترى
من الهول. وأنا أقول والله أعلم إنما ذُكرت النار لما قال الله عز وجل
(ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ) ذُكرت النار لأن ذكرها هو الذي
يؤثر في قلب الإنسان فيوقفه عند حده ويجعله يتذكر أنا عندما اقف بين يدي
الله وأقوم وهذه النار جيء بها لها سبعون ألف زمام مع كل زمان سبعون ألف
ملك يجرّونها، ماذا ينفعني؟! هل سينفعني هذه الصور التي جمعتها؟ هؤلاء
الأصدقاء الذين تكاثرت بهم؟ هذه النوادي التي سجّلت بها؟ هذه الشهادات التي
حصّلتها؟ هذه الأموال التي جمعتها من حلال أو من حرام إذا كان الإنسان
كاثر بها عما أوجب الله عز وجل عليه؟ عند ذلك سيندم على كل ما تشاغل به عن
ذكر النار والاستعداد لها.


د.
الربيعة:
انظر إلى ختام السورة وما مناسبته
للسورة؟ ما هو ختام السورة؟


د.
الخضيري:
ختام السورة ختمها بقوله (ثُمَّ
لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ)


د.
الربيعة:
هذا تذكير آخر مما يجعل الإنسان يوقفه عن
هذا اللهو والتكاثر بالمال في هذه الدنيا والإنشغال به عن طاعة الله أنه
يعلم أنه مسؤول عنه.


د.
الخضيري:
هذه الآية تذكرني بقصة وقعت مع النبي صلى
الله عليه وسلم خرج مرة أبو بكر وعمر وكلٌ منهما قد وضع على بطنه حجراً من
شدة الجوع وجلسا فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما أخرجكما؟ قالا
والله يا رسول الله ما أخرجنا إلا الجوع وأرياه الحجر الذي على بطونهم
فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم على بطنه وإذا عليه حجران يعني هو أشد
جوعاً منهم فعند ذلك رقّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لحالهما وأراد أن
يزور رجلاً من الأنصار كان الله عز وجل قد أفاء عليه وهو أبو الهيثم اين
تيّه فذهب إليه في بستان قريب من مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما
جاء إليه في بستانه سلّم فردّت امرأته فقال النبي صلى الله عليه وسلم أين
ابو الهيثم؟ قالت إنه ذهب يستعذب لنا الماء فأمرتهم بالدخول فدخلوا في
البستان فجاء أبو الهيثم وقال من أكرم مني أضيافاً اليوم؟ فذهب وجذ لهم
عرقاً من النخل ووضعه بين ايديهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم هلاّ
اجتليت لنا أي انتخبت لنا شيئاً من التمر أو من الرطب فقال أبو الهيثم يا
رسول الله إني أردت أن تأكلوا من بُسره ورُطبه وتمره. ثم أخذ المدية يعني
السكين يريد أن يذبح فقال النبي صلى الله عليه وسلك إياك والحلوب يعني لا
تضر بنفسك وتذبح شاة من غنمك يكون فيها حليب فيه نفع لك ولأولادك، يعني
إذبح جدياً فذبح لهم وشوى لهم ثم قرب لهم الطعام فأكلوا فقال النبي صلى
الله عليه وسلم لما قُرِّب لهم الماء قال لتسألن عن هذا النعيم يوم
القيامة، ولما قُرب لهم التمر قال لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة ولما
قُرب لهم اللحم قال لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة.


د.
الربيعة:
وهم إنما أكلوا من جوع

د.
الخضيري:
من جوع وفي حال بئيس وشدة وقد يأكلون
اليوم ويبقون بعده يومين لا يأكلون شيئاً. فقال عمر يا رسول الله أونُسأل
عن هذا؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم يا عمر ألم تسمع ربك يقول (ثُمَّ
لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ)؟ إذا كان رسول الله يقول
لصاحبيه وهما أجلّ الناس وأعظم الناس وأعبد الناس يقول لهم ستسألون عن هذا
النعيم، فما بالنا بي وبك؟ فما بالنا بأنفسنا؟ ماذا نقول وهذه النعم من
حولنا قد طغت علينا أو كثرت علينا ومع ذلك نتباطئ بشكر الله، نسهر عن صلاة
الفجر، ونتثاقل عندما نجر أنفسنا لنذهب إلى المسجد لنقيم صلاة مما أمر الله
سبحانه وتعالى أن نؤديه. والله لنُأالنّ عن هذا النعيم، عن الأنوار
والمكيفات والشوارع والسيارات والمياه وكل شيء مما حولنا فلنتق الله عز وجل
ولنعدّ لهذا السؤال جواباً. وأحب أن أذكّركم بقول النبي صلى الله عليه
وسلم إن أول ما يُسأل عنه العبد يوم القيامة أن يُقال له ألم نصلح لك جسمك
ونرويك من الماء البارد؟ وكثير منا ولله الحمد قد أصح الله لهم أجسامهم
واعطاه من الماء البارد فهذه نعم وسنسأل عنها يوم القيامة وسؤال الله عز
وجل لنا عن هذه النعم يعني هل أدينا شكرها وهل قمنا بالواجب في مقابل ذلك؟
إسأل نفسك أخي وإسألي نفسك أختي الكريمة هل أديت ذلك وحمدت الله على
النعمة؟.


د.
الربيعة:
إذن هذه السورة ما أعظمها أنها تعطينا
موعظة وتذكّر بأمر هذه الدنيا وحقيقتها وما ينبغي أن نتمثله فيها أن نتذكر
الآخرة وأننا مسؤولون عن هذا النعيم. نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من
الشاكرين الذاكرين. ولنا بإذن الله عز وجل لقاء مع سورة أخرى وصلى الله علي
نبيينا محمد وعلى آله صحبه أجمعين.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: موسعة برامج القران الكريم متعدد الحلقات   الخميس 6 مايو 2010 - 15:08



الحلقة 17

(وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ﴿١﴾ الَّذِي
جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ ﴿٢﴾ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ ﴿٣﴾
كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ ﴿٤﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ
﴿٥﴾ نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ ﴿٦﴾ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى
الْأَفْئِدَةِ ﴿٧﴾ إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ ﴿٨﴾ فِي عَمَدٍ
مُمَدَّدَةٍ ﴿٩﴾)


د.
الربيعة:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته الحمد
لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد. معكم في
حلقة من حلقات برنامجنا المبارك "لنحيا بالقرآن" والذي نتفيؤ فيه ظل آيات
الله عز وجل نقف معها وقفات تدبرية نعني بالجوانب العملية والتطبيقية في
حياتنا اليومية. في هذه الحلقة نعرض لسورة من قصار سور المفصل وهي سورة
الهمزة. هذه السورة العظيمة يرمز لنا إسمها وافتتاحيتها بالحديث عن أولئك
الذي قد سخّروا ألسنتهم للصدّ عن سبيل الله والسخرية بعباد الله وأذيّة
المؤمنين بالهمز واللمز وكيف أثرهم على المؤمنين ثم يبين الله في ختام
السورة عاقبتهم (كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ). إذن هذه السورة
العظيمة سورة تتحدث عن أولئك الذي سخّروا ألسنتهم للسخرية بالمؤمنين
وأذيتهم بالقول لمزاً وهمزاً وسخرية واستصغاراً ويبين الله عز وجل سبب ذلك
فيهم ثم يبين عاقبتهم فلعلنا نتدبر هذه السورة نأخذ منها جوانب عملية من
خلال هذا المعنى لنحذر من أن نتصف بهذه الأوصاف أو نكون من أهلها.


د.
الخضيري:
من أول الأوصاف التي تواجهنا وتبدو لنا
ظاهرة من السورة بل من اسمها قوله (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) هذا
العيّاب اللعان الشتام الطعّان الذي يؤذي الناس بلسانه فلسانه مثل الثعبان
لا يكاد يمر بشيء إلا لدغه، هذا الإنسان ويلٌ له، ولا يجوز لأحد أن يجعل من
صفته وسمته أن يكون همازاً لمازاً "ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا
الفاحش البذيء" وهذه قضية يستهين بها مع كل أسف كثير من الناس حتى من
المسلمين فتجده إذا أوتي لساناً وأوتي كلاماً صار يتكلم يقول كلمة فيؤذي
هذا ويقول كلمة فيؤذي هذا ويقول كلمة فيلعن ذاك ويقول كلمة فيغتاب ذاك،
ويقول كلمة فينمّ بين هذا وهذا ويقول كلمة فيسخر بها من هذا أو ذاك. والنبي
صلى الله عليه وسلم قد حذرنا من عاقبة اللسان لما قال النبي صلى الله عليه
وسلم "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت" ليس أمامك
إلا خيارين إما أن تقول الخير أو تسكت عما سواه، لأنك إذا تكلمت فيما سواه
فأنت بين سوأتني السوءة الأولى أن تقول شراً فتهلك والسوءة الثانية أن تقول
شيئاً مباحاً فتندم، لأنك إذا جئت يوم القيامة هذا اللسان الذي يمكن أن
تحصّل فيه الحسنات والخيرات وإذا بك حصّلت به التفاهات فيكون ندامة وحسة لك
يوم القيامة. قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ لما قال له إملك عليك
لسانك وأخذ بلسانه، فقال معاذ أونؤاخذ يا رسول الله على ما نتكلم به؟ قال
ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو قال على مناخرهم
إلا حصائد ألسنتهم" تصوروا ماذا يحصل للناس يوم القيامة إن كثيراً من
جرائمهم وكثيراً من سيئاتهم وكثيراً مما يكبهم في النار هو ما يتفوهون به
بألسنتهم ولذلك ورد في الحديث "إن الرجل يتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي
لها بالاً يهوي بها في النار سبعين خريفاً" ويتكلم بالكلمة من رضوان الله
لا يلقي لها بالاً يبلغ بها من رضوان الله مبلغاً عظيماً.


د.
الربيعة:
ولعل أعظم ما يتكلم به الإنسان إثماً
وجرماً وظلماً هو أن يكون هذا الكلام في الصدّ عن سبيل الله والسخرية
بالمؤمنين.


د.
الخضيري:
هذا في القمة وقد يُخرِج الإنسان من
دينه.


د.
الربيعة:
أرأيت الذي يلمزون المطوعين من المؤمنين
ويلمزون أهل الحسبة من المؤمنين ويلمزون أهل الخير والاستقامة من المؤمنين،
كيف وزرهم وإثمهم؟


د.
الخضيري:
كان مع النبي صلى الله عليه وسلم وكان في
غزوة تبوك رجالٌ سولت لهم أنفسهم وتكلموا بكلمات ما ظنوا أنها تبلغ ما
بلغت، قالوا ما رأينا مثل قرّائنا هؤلاء (وهم خيار الصحابة) أرغب بطوناً
ولا أكذب ألسنة ولا أجبن عند اللقاء فسمعهم أحد الصحابة فذهب إلى النبي صلى
الله عليه وسلم فأخبره بما قالوا فأنزل الله عز وجل قوله (قُلْ أَبِاللّهِ
وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ (65) لاَ تَعْتَذِرُواْ
قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ
نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ (66) التوبة)
فالقضية خطيرة.


د.
الربيعة:
إذن الويل كل الويل لمن جعل همه ووظيفته
في الحياة أن يسخر بالمؤمنين في الصحف أو في مواقع أو في وسائل الإعلام أو
في أي مجال


د.
الخضيري:
حتى في المجالس العادية، أحياناً يتندّر
الإنسان يريد أن يضحك الناس فيستهزئ بعبد من عباد الله، إمام مسجد أو مفتي
أو عالِم أو حتى مؤمن عادي، كل ذلك من موارد الهلاك، إتقِ الله، النبي صلى
الله عليه وسلم نهى المؤمن أن يسخر من أخيه المؤمن و قال الله عز وجل (يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن
يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ
خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا
بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ
يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11) الحجرات)


د.
الربيعة:
ما الفرق بين اللمز والهمز؟

د.
الخضيري:
هذه قضية اختلف فيها المفسرون فبعضهم
يقول الهمز يكون بالعين واللمز يكون باللسان ويستدلون على ذلك بقول الله عز
وجل (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي
الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ
مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (79) التوبة)


د.
الربيعة:
لمزوهم بألسنتهم

د.
الخضيري:
إذن الهمز يكون بالعين أو بأداة أخرى.
وعلى كل أنا أرى أن هذا من الأمثلة الواضحة للخلاف الذي يقع بين اللغويين
أو يقع بين السلف الصالح في تفسير الآية لكنهم جميعاً يحومون حول معنى واحد
سواء قلت الهمز هذا أو اللمز هذا أو العكس فالجميع مذموم.


د.
الربيعة:
ولهذا أذكر معنى جميلاً لأحد المفسرين
يقول الغرض في الجمع بينهما ليشمل كل حال من أحوال السخرية والهمز واللمز
والعيب ظاهراً أو باطناً، خفياً أو علناً، باللسان أو بالإشارة أو غير ذلك.
إذن كل من اتخذ المؤمنين وسيلة لعيبهم بأي مجال من مجالات أو من الوسائل
فهو داخل في هذه الآية.


د.
الخضيري:
ولذلك نقول في هذه المناسبة هناك شيء قد
لا يفظن له بعض الناس والآية تصرّح بأنه داخل في هذه الأمور التي ذكرناها.
هؤلاء رسامي الكاريكاتور قد يرسم كاريكاتوراً يسخر به من جماعة أو من أهل
الحسبة أو من بعض طلاب العلم أو من بعض النافعين من العباد فنقول له إحذر
أن تكون من الداخلين في هذا الوعيد (وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ)
طعّان عيّاب همّاز سخّار بالناس فنحن نحذر هؤلاء ونقول إتقوا الله في
أنفسكم وفي دينكم لئى يصابوا باللاء ولئلا يستجرهم ذلك إلى عقوبة الله عز
وجل.


د.
الربيعة:
وأعظم ما يدخل في هذا أولئك أعداء الله
الذين سخروا برسول الله صلى الله عليه وسلم فرسموا فيه تلك الرسومات
والتصاوير المهينة، إن أولئك من أعظم من يدخل في هذه الآية ومن أعظم ما
يستحق له الويل وأسأل الله ما يذيقهم ما فيه وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ
لُّمَزَةٍ مهانة وذلة.


د.
الخضيري:
هناك ملحظ نريد أن نصوره للمشاهدين. نحن
نلاحظ أن عندنا أزمة حقيقية في ألفاظنا يجب علينا أن نسعى جميعاً لتداركها،
الألفاظ التي نتفوه بها ونتكلم بها في كثير من علاقاتنا ألفاظ جافة ليس
فيها دفء وليس فيها رحمة ولا لين ولا مودة ولا رحمة وإنما تجد السب والشتم
والكلمات الجارحة. عندما يحدثك معك لا يناديك إلا بأقبح أسمائك واقبح
ألقابك وهذا لا يليق بنا نحن نحن المؤمنين. يجب علينا أن نكون مجتمع حضاري
في علاقاتنا مع بعضنا ألفاظاً جافة والسب والشتم والألفاظ الجارحة لا
يناديك لا يناديك إلا بأقبح اسمائك وأقبح ألقابك وأقبح ما تُكنى به وهذا لا
يليق بنا نحن المؤمنين، يجب أن نكون مجتمعاً رفيعاً حضارياً مجتمع راقي
"رحماء بينهم" عندما تنادي صاحبك وتقول له يا أخي، يا حبيبي، تقول لوالدتك
أو تقول لوالدك أو ولدك يا قرة عيني كم تشيع بيننا المحبة عندما نستعمل
هذه الأساليب؟


د.
الربيعة:
إنما تصدر من القلوب التي تشعّ بالإيمان
فالإيمان يبعث على هذه الكلمات الطيبة. نحن ما زلنا في الاية الأولى.


د.
الخضيري:
نقف قليلاً عند (الَّذِي جَمَعَ مَالًا
وَعَدَّدَهُ) هذا الذي جعله يكون همازاً لمازاً أنه اعتدّ بماله، جمع المال
وأخذ يعده ويقول عندي رصيد، عندي سيارات، عندي خدم، عندي حشم فيسب هذا
ويتكبر على هذا وليس عنده مانع أن يفعل ذلك ويظن أن المال سيخلده. سيأتي
يوم تكون فيه تراباً وهذا المال الذي جمعته واعتتدت به سيذهب كما ذهبت أنت.


د.
الربيعة:
ولكن انظر كيف عاقبته، هذا الذي تجبر
واعتلا بكبريائه وغطرسته وقوله السيء ما عاقبته عند الله؟


د.
الخضري:
(كَلَّا لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ)
ليطرحنّ طرحاً في الحطمة.


د.
الربيعة:
معنى عظيم. موقف فيه إهانة وفيه إذلال
وفيه طرح بلا أي قيمة.


د.
الخضيري:
وأيضاً يقول الحطمة يعني كما حطّم الناس
بلسانه وقوله وعابهم وكسر خواطرهم سيحطم هو في نار جهنم. ما قال كلا لينبذن
في النار، لا، في الحطمة، والتحطيم يدل على التكسير والإهانة والإذلال
وهذا معنى مناسب لذلك الشخص الذي كان يسخر ويعيب ويطعن في أعراض الناس.


د.
الربيعة:
ولهذا قال تعالى (وَمَا أَدْرَاكَ مَا
الْحُطَمَةُ) ليستحضر الإنسان هذه الاية.


د.
الخضيري:
(نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (6) الَّتِي
تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (7))


د.
الربيعة:
تلك الأفئدة التي امتلأت بالكبر والشر
والأذى الذي ينفذ به اللسان.


د.
الخضيري:
هذه النار ستدخل في أجوافهم وتطلع على
أفئدتهم. لما كان مصدر الهمز واللمز شيء من القلب من احتقار الناس
وازدرائهم جعل الله عز وجل العذاب يصل إلى المكان مصدر ذلك الاحتقار
والازدراء، تطلع على الأفئدة وتعرف ما فيها وتذيب ما فيها من الكبر. ولذلك
أقول نقِّ قلبك من الكبر، نقِّ قلبك من الضغينة، إحرص على أن تكون صادقاً
مع نفسك وتظهر قلبك من كل شر وبلاء ودخن.


د.
الربيعة:
يختم الله هذه السورة بقوله (إِنَّهَا
عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ (8) فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ (9)) مغلقة مؤصدة وهم
أيضاً في عمد ممددة مقيدون مسلسلون بتلك العُمد يعذبون بها في نار جهنم
والعياذ بالله. هذه السورة تعطينا عظم تولي كِبر الصدّ عن سبيل الله بالأذى
باللسان بالاستهزاء بالمؤمنين ويا ويل لمن اتخذ هذا وظيفة له في هيه
الحياة! في أي مجال من مجالات الحياة، في الصحف، في القنوات، في مواقع
الانترنت، يا ويله! ونعوذ بالله أن نكون من أهل هذا الوصف. فعلينا إخوة
الإسلام أن نحذر من هذه الأوصاف ونسال الله عز وجل أن يحفظنا وإياكم وأن
يجعلنا ممن ينصر هذا الدين بقوله ولسانه ولنا لقاء بإذن الله تعالى في جلسة
أخرى وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: موسعة برامج القران الكريم متعدد الحلقات   الخميس 6 مايو 2010 - 15:09

لحلقة 16

د.
الخضيري:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد
لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. هذا هو
المجلس الخامس عشر من مجالس برنامجنا الذي نسأل الله عز وجل أن يبارك فيه
لنا ولكم "لنحيا بالقرآن" هذه المجالس جعلناها على مائدة هذا الكتاب العزيز
نستخرج من قصار المفصل آية أو آيتين من سورة من سوره ثم نحاول أن نجعل
منها برنامجاً عملياً كيف نحيا بها ونجعلها مؤثرة على حياتنا وسلوكنا وكيف
نجعلها مهيمنة على جميع أعمالنا وتصرفاتنا. اليوم جلستنا مع سورة القارعة.
لن نتوقف كثيراً عند كل كلمة من كلمات هذه السورة العظيمة ولو أتحنا
لأنفسنا وأردنا أن نسترسل مع معانيها وما فيها لطال بنا المقام ولكننا نركز
على بعض المعاني البارزة حتى نُشعر أنفسنا أننا يمكن أن نتأمل كتاب الله
عز وجل ونستخرج منه الهدايات والعبر والعظات والأعمال ونجعل من ذلك سلوكاً
نعيش به في حياتنا. هذه السورة يقول الله عز وجل فيها (الْقَارِعَةُ ﴿١﴾
مَا الْقَارِعَةُ ﴿٢﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ ﴿٣﴾ يَوْمَ يَكُونُ
النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ ﴿٤﴾ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ
الْمَنْفُوشِ ﴿٥﴾ فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ﴿٦﴾ فَهُوَ فِي
عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ﴿٧﴾ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ﴿٨﴾ فَأُمُّهُ
هَاوِيَةٌ ﴿٩﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ ﴿١٠﴾ نَارٌ حَامِيَةٌ ﴿١١﴾) هذه
السورة افتتحت بذكر وصف من أوصاف يوم القيامة، إنه وصف القارعة يعني أن هذه
القيامة لشدة هولها تقرع القلوب وترجف بالأفئدة فتخاف وتوجل ويصبها
الاضطراب وتتزلزل كما ذكرنا في سورة الزلزلة.


د.
الربيعة:
لعل لفظ القارعة وتسمية السورة بالقارعة
يدل دلالة واضحة على أن الغرض والله أعلم منها قرع القلوب الغافلة عن طاعة
الله وقرع قلوب المشركين وقرع قلوب المعرضين بالأهوال التي تزلزلهم وتبين
لهم الحق. ولذلك تأمل كيف وصف الله عز وجل أوصاف الناس فيها.


د.
الخضيري:
قال (يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ
كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ)


د.
الربيعة:
تطايرهم، والجبال ليس الإنسان فقط، تلك
الجبال الراسية العظيمة تكون كالعهن المنفوش


د.
الخضيري:
مثل القطن المنفوش

د.
الربيعة:
بعد هذا القرع وهذا الهول فما ميزان
الإنسان؟


د.
الخضيري:
هنا يأتي البيان حال الناس في ذلك اليوم
بحسب ما عندهم من الأعمال. هي تقرع وتقلقل وتزلزل لكن المؤمن بما آتاه الله
عز وجل من الأعمال الصالحة يكون ثقيلاً فإذا اهتز الناس لا يهتز وإذا
تشتتوا وزلزلوا واضطربوا وإذا به ساكن (وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ
آمِنُونَ (89) النمل) (لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) وهذا
اليوم يجب أن نعمل له. لكن هنا ملاحظة: من قرعت القيامة قلبه في الدنيا
اطمأن يوم القيامة فلا يجمع الله على عبد زلزلتين ولا خوفين ولا أمنين من
أمن في الدنيا خاف يوم القيامة ومن خاف في الدنيا أمِن يوم القيامة ومن
قرعت القيامة قلبه في الدنيا في يوم القيامة يكون مطمئناً.


د.
الربيعة:
ولهذا سبحان الله إنظر إلى السر في تكرار
لفظ القارعة، ثلاث مرات تكررت والسورة إنما هي قصيرة (الْقَارِعَةُ ﴿١﴾
مَا الْقَارِعَةُ ﴿٢﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ ﴿٣﴾) كلها لتقرع
القلب مرة بعد مرة بعد مرة، القلب الغافل الذي قد تراكمت عليه الذنوب
وتراكمت عليه الشبهات وتراكمت عليه المعاصي وأنواع الشرك يحتاج إلى قرع
شديد حتى ينفكّ والله تعالى أعلم أن هذا من أسرار تكرار لفظ القارعة في
الآية ولهذا المسلم ينبغي إذا قرأ ينبغي أن يتذكر هذا المعنى ليقرع بها
قلبه الغافل وكلنا ذلك الرجل نحتاج إلى ما يقرع قلوبنا فيصححها ويفتح
مغاليقها إلى ذكر الله عز وجل. يقول الله عز وجل في وصف عظيم لهذه القارعة
وهو (يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ) والله إنه لمشهد
عظيم، هؤلاء الناس الذين يعيشون على هذه الأرض ويمشون عليها في لحظة يكونوا
متطايرين في الهواء كالفراش المبثوث من خفّتهم بسبب الهول التي أصاب تلك
الأرض كما ذكرنا في سورة الزلزلة (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا
(1) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (2)) إذا كانت الأرض ستخرج ما
فيها فكيف حال الإنسان؟ لا قيمة له!


د.
الخضيري:
ولذلك لما ذكر حال الناس عندما تأتي هذه
القارعة وهي أنهم ينتشرون كالفراش قال بعدها (فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ
مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ (7))


د.
الربيعة:
بماذا تثقل الموازين؟

د.
الخضيري:
هذا هو السؤال الذي يجب أن نوجهه لأنفسنا
ولذلك أقول هذه النقطة بعد هذه المقدمة في ذكر القارعة هي التي يجب أن
يلتفت لها نظر المؤمن. إسأل نفسك، هل عملت على أن تثقّل موازينك؟ إن هذا
السؤال يجب أن يلاحقك في يومك وليلك بل في كل ساعة من ساعات يومك وهي كيف
أثقّل موازيني؟ إن ساحات العمل كبيرة وإن العمل متاح وتثقيله لا يلزم منه
أن الإنسان يكون عنده مال ولا يلزم الإنسان أن يكون عنده زوجة ولا يلزم أن
يكون الإنسان عنده ولد ولا سيارة ولا بيت، يمكن أن يقوم بأعمال صالحة كثيرة
جداً، ذكر الله، تلاوة القرآن، الصلاة، الصوم، نصيحة الخلق، الأمر
بالمعروف، النهي عن المنكر، أعمال كثيرة.


د.
الربيعة:
وقبل ذلك وبعده التوحيد الذي يثقل
الميزان حقيقة.


د.
الخضيري:
نعم وتعرف حديث البطاقة، الرجل الذي جاء
يوم القيامة وله سيئات كالجبال من كثرتها حتى إذا ظنّ أنه هالك قال له الله
تعالى إنك لا تُظلم، فيؤتى له ببطاقة مكتوب فيها لا إله إلا الله، فيقول
ما تغني هذه البطاقة عند هذه السجلات؟! فتوضع السجلات على كفة ولا إله إلا
الله على كفة فتطيش بهن لا إله إلا الله، يعني تثقّل الميزان. لا إله إلا
الله قيلت بصدق وحق وتوحيد بإيمان وإخلاص ويقين فنفعت وليس أن يقولها
الإنسان بلسانه وهو لا يفهم من معناها شيئاً أو يقولها ويُشرك مع الله
سواه.


د.
الربيعة:
وأيضاً من أعظم ما يثقّل الميزان مما ورد
في الحديث الصحيح "كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان، حبيبتان
إلى الرحمن سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم". حينما تسبح الله وأنت
تحمده لا شك أن هذا عظيم.حُقّ لهذا المعنى العظيم أن يُثقّل الميزان.
وحينما تصف الله بالعظمة لا شك أن هذا معنى عظيماً يثقل الله به الميزان.
ليس فقط أن تقول باللسان سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم، بل ينبغي أن
تستحضر معنى سبحان الله وبحمده. سبحان الله وبحمده يعني تنزّه الله
تنزيهاً كاملاً مصاحباً لحمده وهو وصفه بالكمال.


د.
الخضيري:
هذا هو الوصف التام، التنزيه مع الثناء
ووصف الكمال لله سبحانه وتعالى. عندي قصة في مسالة ثقيل الموازين علها
تنفع، كانت هناك فتاة تحب السعي في كفالة الأيتام من فقراء الملسمين في
أنحاء العالم الإسلامي عبر إحدى الجمعيات الخيرية الموجودة في بلاد
المسلمين فكانت تأخذ هذه الكفالات وتعرضها على زميلاتها وصديقاتها وتأخذ
مبلغ الكفالة وترسله إلى المؤسسة لتقوم بكفالة يتيم من أيتام المسلمين. هذه
الفتاة ذات يوم رأت في منامها أنها في عرصات القيامة وأنها في هول شديد
وأنها عارية ليس عليها شيء وأنها قد وضعت على الميزان، جيء بها إلى ميزان
حقيقي ووضعت عليه فوجدت أن الميزان لم يتحرك إلا شيئاً قليلاً فعلمت وايقنت
بالهلاك قالت فخفت خوفاً شديداً ثم قالت ما شعرت إلا وعدد من الأطفال
ياتون إلى الميزان ويتعلقون بي فرأيت المؤشر قد ارتفع فوصل إلى النهاية
ففرحت ثم قمت فعلمت أن الذين أمسكوا بهذا الميزان وثقلوه هم هؤلاء الأيتام.
وهذا يدلنا غلى أن كفالة الأيتام ورعايتهم من أجل الأعمال وأعظمها.


د.
الربيعة:
بل يدلنا على أن الإنسان ينظر ما هو أرجى
عمل يرجوه عند الله يثقل به الميزان.


د.
الخضيري:
وهناك مسألة أخرى وهي مهمة جداً وينبغي
أن ننبه عليها ونعظ أنفسنا بها فنحن أحوج بأن نعظ أنفسنا وهي أن يكون لك
أخي المسلم خبيئة تثقل بها ميزانك لا يطلع عليها أحد لا والد ولا زوجة ولا
ولد، صدقة خفية، عمل سري تعمله كل يوم لا تذكره لأي إنسان، تصدق مع الله
فيه ويكون ذلك العمل على منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذه القضية
ينبغي لنا أن نحرص عليها وأكثر من الخبيئات فليكن لك في الصلاة خبيئة وليكن
لك في قرآءة القرآن خبيئة وليكن لك في الذكر خبيئة وليكن لك في كفالة
الأيتام خبيئة وليكن لك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خبيئة وليكن لك
في صلة الرحم خبيئة وهكذا حتى إذا جئت يوم القيامة ووردت على الله عز وجل
ماذا وجدت؟ نجد أعمالاً كثير كلها تثقل ميزانك. وبهذه المناسبة أحب أن تذكر
المشاهدين من هو المفلِس؟


د.
الربيعة:
من إذا ذُكر النبي صلى الله عليه وسلم لم
يصلي عليه.


د.
الخضيري:
هذا البخيل والمفلِس من يأتي يوم القيامة
بأعمال كأمثال الجبال ولكنه يأتي وقد ظلم هذا وشتم هذا وأخذ مال هذا فنقول
إنتبهوا يا إخواني وغياكم أن تكونوا من هؤلاء المفلسين تعملون أعمالاً
تثقل موازينكم ولكنكم تفسدونها بظلم العباد وأخذ أموالهم وأكل حقوقهم
والنيل من أعراضهم فهذا والله لا يليق بكم.


د.
الربيعة:
في تمام الآية يقول الله عز وجل (فَهُوَ
فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ) هذا الذي ثقلت موازينه سيكون عند الله عز وجل في
ذلك اليوم الذي فيه القارعة وفيه الهول وفيه تطاير الناس في عيشة راضية
(وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ) هو في ذلك اليوم في الفزع آمن وهو
عند الله بعد ذلك في جزائه في عيشة راضية. تأمل قوله عز وجل (فِي عِيشَةٍ
رَّاضِيَةٍ) هو سيعيش عند الله عيشة راضية يعني سيرضى. متى يرضى الإنسان في
العيشة؟ إذا كان عنده رغد العيش تماماً فستكون أيها المؤمن بأعمالك
الصالحة في عيشة راضية وكلما كنت أعظم أعمالاً بإخلاص وصدق فأنت أعظم عيشة
وأعظم رضى بإذن الله. لعلك تقف وقفة سريعة مع ختام هذه السورة قال الله عز
وجل (وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9))


د.
الخضيري:
من خفت موازينه أي لم يجد في ميزانه ما
يثقل به ذلك الميزان، ليس عنده أعمال صالحة لا صلاة ولا صوم ولا بر والدين
ولا صلة رحم فهو يعيش لنفسه، يعيش ولا يرى في هذه الدنيا إلا ذاته ولهذا خف
ميزانه يوم القيامة، فهذا أمه هاوية يعني أمه النار، النار ستكون أمه تضمه
ضماً شديداً وتحتويه وتؤويه إليها لأنه لا يليق به لما جفّ من الأعمال
الصالحة لا يليق به إلا أن يكون حطباً لنار جهنم.


د.
الربيعة:
ولذلك قال بعدها (وَمَا أَدْرَاكَ مَا
هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ (11)) إنه والله وعظ عظيم للمؤمن إذا قرأ هذه
السورة. هذه السورة نحتاج والله أن نعظ بها قلوبنا ونحن ينبغي أن نقرأ هذه
السورة كثيراً عندما تقسو قلوبنا ونشعر بغفلة وما يران على قلوبنا من غفلة
يجب أن نقرأ هذه السورة التي تفتح لذكر لله عز وجل ولطاعته وينبغي أن نتذكر
دائماً أنه لن يثقل ميزاننا عند الله إلا بأعمالنا ولن نعيش عيشة راضية
إلا باعمالنا الصالحة بعد رحمة الله عز وجل. نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من
المتعظين بكتابه ولنا بإذن الله معكم لقاء آخر ونستودعكم الله وصلى الله
وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: موسعة برامج القران الكريم متعدد الحلقات   الخميس 6 مايو 2010 - 15:10



الحلقة 15

د.
الربيعة:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد
لله وأصلي وأسلم على نبينا محمد الأمين وعلى آله وأصحابه أجمعين. ما زلنا
وإياكم في عرض الحلقات المباركة مع برنامج نريد أن نعيش وإياكم فيه مع
القرآن "لنحيا بالقرآن" وفي هذه الحلقة نعيش جميعاً وإياكم فيها بإذن الله
مع سورة كريمة من سور القرآن من قصار المفصل وهي سورة العاديات.
(وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا ﴿١﴾ فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا ﴿٢﴾ فَالْمُغِيرَاتِ
صُبْحًا ﴿٣﴾ فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا ﴿٤﴾ فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا ﴿٥﴾
إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ﴿٦﴾ وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ
لَشَهِيدٌ ﴿٧﴾ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ﴿٨﴾ أَفَلَا يَعْلَمُ
إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ ﴿٩﴾ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ ﴿١٠﴾
إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ ﴿١١﴾) لعلنا نقف منها أولاً
وقفة متدبرة نستخرج منها أبرز ما فيها والمقصد الذي ربما أن يكون تجمعه.
حينما نتأمل إمسها العاديات ونتأمل افتتاح الله عز وجل بالقسم بالعاديات
بصفاتها الخمس ثم جواب القسم في بيان حال الإنسان إذا تجرد عن حقيقته حقيقة
الدين نعلم أن هذه السورة تبين لنا حقيقة الإنسان وهدفه في الحياة. ما هو
هدفه في الحياة؟ ما هو الأمر الذي يكون عليه الذي خلقه الله من أجله؟ وما
هو الأمر الذي يكون عليه إذا تجرد عن دين الله عز وجل؟. تأمل كيف افتتح
الله سبحانه وتعالى هذه السورة بالقسم بالعاديات. والعاديات على القولين
أنها الخيل أو الجِمال، لكن الأصح أنها الخيل وهي الأكثر عند المفسرين. وهي
ليست كل خيل وإنما هي الخيل التي تعدو في الجهاد في سبيل الله عز وجل، أي
الخيل التي تحمل غايتها أو حقيقة هدفها في الحياة، ما هو أعظم غاية لهذه
الخيل؟ هو الجهاد (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ
وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ
(60) الأنفال) من الخيل من أعظم أغراضها أهدافها أن تكون مركوباً للجهاد في
سبيل الله. لعلنا نتأمل أوصاف هذه الخيل والصفات الخمس وماذا تعني؟ أولاً
(وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا) ما معنى العاديات ضبحاً؟


د.
الخضيري:
العاديات من العدو وهي السرعة والضبح صوت
أنفاس الخيل عند الجري


د.
الربيعة:
لعلنا نلمس من هذا المعنى وهو انطلاقها
بقوة إلى هدفها وهذا يجعلنا نأخذ معنى يحققه الإنسان في هدفه في الحياة وهو
العبودية أن ينطلق إلى هدفه بقوة ويكون انطلاقه صادقاً، انطلاقاً صادقاً
وانطلاقاً قوياً.


د.
الخضيري:
بمعنى أنه لا يكون ممن يجر رجله في أهداف
الحياة جراً بل يكون مقبلاً عليها. ولذلك ذكر الله عز وجل حال المؤمنين
بأنهم إذا أتوا إلى عمل الآخرة يسعون لها سعياً قال عز وجل (يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ
فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ (9) الجمعة) ليس اسعوا يعني اركضوا وإنم
أقبلوا، (وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا (19) الإسراء)
وسابقوا وسارعوا وفي المقابل ذكر المنافقين (وَإِذَا قَامُواْ إِلَى
الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى (142) النساء) يجر الواحد منهم رجليه جراً
إلى الصلاة.


د.
الربيعة:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا
لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ
إِلَى الأَرْضِ (38) التوبة) هذا في حال المنافقين. إذن هذه الصفة تعطينا
وصفاً ينبغي أن نتحلى به نحن عباد الله وهو السعي والمسابقة إلى عبادة الله
عز وجل إذا كانت هذه الخيل قد انتصرت فنحن أولى بها. ثم يقول الله تعالى
بعد ذلك (فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا) ما المعنى الذي نفهمه من هذه الآية؟


د.
الخضيري:
الإيراء هو ما يحصل من ضرب حوافر الخيل
للصخر والحصى فينقدح مثل النار ولذلك قال (فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا) إذا
ضربت حوافرها بالصخر خرج من الصخر أو من حوافرها مثل الشرر بسبب ضربها أو
عدوها على تلك الحصى.


د.
الربيعة:
لعلنا إذا كان هذا المعنى نلمس فيه معنى
ظاهرة في قوة هذا الخيل، إذا كانت هذه الخيل تضرب بالأرض ضرباً حتى تقدح
الحجارة بالنار


د.
الخضيري:
الآية الأولى أخذنا منها الانطلاق
والسرعة


د.
الربيعة:
والثانية القوة. كيف يكون المسلم قوياً؟

د.
الخضيري:
يكون قوياً إذا أعدّ نفسه إعداداً جيداً
وحرص على تقوية نفسه نفسياً وإيمانياً وجسمياً أيضاً ولذلك قال النبي صلى
الله عليه وسلم "المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف" ويوسف عليه الصلاة
والسلام قال في وصف نفسه (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ
إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55) يوسف) عنده القوة على حفظ الشيء والقوة على
إدارته والإحاطة به وحسن ترتيبه والقيام به.


د.
الربيعة:
إذن هي القوة في كل مجالات الحياة حتى
القوة في جسمه لأنه إذا قوي في جسمه


د.
الخضيري:
قوي على طاعة الله عز وجل ولذلك وصف
طالوت قال (وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ (247) البقرة)


د.
الربيعة:
الوصف الثالث (فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا)
حينما تتأمل في هذه الجملة تلحط معنى عظيماً وهي أن هذه الخيل وهي تسير إلى
الجهاد تبادر العدو صباحاً أي أنها تبدأ عملها في الصباح الباكر


د.
الخضيري:
وقد بورك لهذه الأمر في بكورها

د.
الربيعة:
نلمس من هذا معنى عظيماً وهو أننا نحن
المسلمين يجب أن نبادر وما هو أول عمل يعمله الإنسان في يومه؟


د.
الخضيري:
لا شك أن أول ما يفتتح به المسلم يومه به
هو الصلاة وذكر الله عز وجل لذلك المسلم ينادى للفجر فيقوم ويجيب النداء
إن كان رجلاً ذهب إلى المسجد وإن كانت امرأة صلّت في بيتها فيفتتح يومه
بذكر الله وبالصلاة وإذا افتتح المسلم ذلك اليوم بهذين الأمرين فلا شك أن
هذا اليوم يوم مبارك ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم "من صلّى الفجر في
جماعة فهو في ذمة الله حتى يُمسي" في حفظ الله ورعايته والله سبحانه
وتعالى سيطالب من يسيء إليه ويلاحقه ويتابعه حتى يأخذه بالجريرة.


د.
الربيعة:
إذن نأخذ من هذا الوصف وصف المبادرة،
المسلم مبادر دائماً في المقدمة ولذلك السبق إلى الصف الأول كم جاء فيه من
الأحاديث والسبق إلى الأعمال الصالحة والسبق إلى كل عمل يرضي الله عز وجل


د.
الخضيري:
ولذلك في مرة من المرات جاء نفر من
الفقراء إلى النبي صلى الله عليه وسلم عليهم ثياب رديئة جداً فقام أحد
الصحابة فبادر فذهب وجاء بصُرة من الدراهم تكاد يده تعجز عن حملها فوضعها
بين يدي رسول الله فتهلل وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كأنه مذهبة
ثم تقاطر الناس فقال النبي صلى الله عليه وسلم "من سنّ في الإسلام سنة حسنة
فله أجرها وأجر من عمل بها" يعني ذاك الأول له أجر من جاء بعده ممن عمل
مثل عمله.


د.
الربيعة:
يعني إذا كنت أيها المسلم أول عامل في
عمل وتبعك الناس فلك أجرك وأجرهم. الوصف الرابع (فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا)
ما معنى هذا الوصف؟


د.
الخضيري:
إذا عدت الخيل وأورت يعني قدحت النار في
عدوها صار للغبار ثوران أثرن به نقعاً أي غباراً أثارت الغبار في ساحة
المعركة


د.
الربيعة:
لعل هذا يعطينا معنى في هذه الخيل للمسلم
في حياته وهو أن يكون له غبار وأثر وصولة وجولة في المجتمع ويكون هنا في
دعوة إلى الله وهنا في نفع المساكين وهنا في مجالات متعددة في الخير، له
أثره في المجتمع وله وجوده.


د.
الخضيري:
يعني ليس صالحاً في نفسه بل صالح مصلح
ولما وصف الني صلى الله عليه وسلم الطائفة المنصورة قال "من كان على مثل ما
أنا عليه وأصحابي" لما سُئل عنهم قال الذي يصلحون إذا فسد الناس أو يصلحون
من أفسد الناس.


د.
الربيعة:
لعل له معنى آخر وهو أن هذه الخيل تصول
على العدو فأنت أيها المسلم يجب أن يكون لك صولة على عدوك، كيف ذلك؟.


د.
الخضيري:
عندما يخطط المسلم لأعماله بشكل جيد ولا
تكون أعماله ردود فعل لما يعمله الكفار بل يخطط من أجل أن ينتقص من هؤلاء
الكفار ومن أجل أن يزيد في بلاد الإسلام ودولة الإسلام فلا شك أن ذلك هو
الذي يؤذي الكفار قد يعمل أعمالاً لكن في نهاية المطاف لا يكون لها ثمرة
ولكن على الإنسان أن يعمل أعمالاً مفيدة ويسعى لها سعياً شديداً.


د.
الربيعة:
الوصف الأخير لهذه الخيل (فَوَسَطْنَ
بِهِ جَمْعًا) يعني كانت في وسط العدو وهذا معنى نأخذ منه والله أعلم أنك
أنت أيها المسلم يجب أن تكون دائماً في وسط الناس، في موقع القيادة في موضع
التأثير وفي موضع القدوة فما أحرانا أن نتصف بصفات هذه الخيل. لكن لعلنا
نعقّب على الجزء الثاني من هذه السورة.


د.
الخضيري:
في هذه الأوصاف المستنبطة مما أقسم الله
عز وجل به هو من التدبر العميق الذي قد لا يستطيعه كل واحد ولكن نبين أن كل
ىية تحتها من الأعمال ما هو جدير بالانتباه وجدير بالتوقف، هذا نموذج ما
ذكره الدكتور في هذه المقدمة هو نموذج، أما النموذج الآخر وهو الواضح
البيّن الذي يستطيعه كل واحد منا انظروا قد أقسم الله تعالى بهذه الأقسام
الخمسة (إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ) أي من طبع الإنسان أنه
جحود لنعم الله، ينعم الله عليه فيجحد نعم الله عليه ولا يشكرها ولا يؤديها
دائماً يتذمر من قضاء الله وقدره دائماً يتشكى، دائماً ينسى النعم التي
أنعمها الله عليه، إذا أصابته يوماً ضراء نسي ألف يوم من السرّاء جحد نعمة
الله عز وجل ونسي فضل الله عز وجل وهذا ما لا ينبغي أن يكون المسلم عليه بل
من العجائب التي ذكرها بعض أهل العلم قالوا إن الخيل يكرمها صاحبها فإذا
جاء يوم الشدة ويوم الجهاد أقدمت ودخلت في ساحة المعركة تريد أن تنتصر
لصاحبها أما الإنسان فإنه بعكس ذلك يكرمه ربه سبحانه وتعالى ويعطيه وإذا
أراد منه أن يطيعه ويسجد له تلكأ وتأخر فلا يكون الخيل أفقه منك ولا يكون
أحسن حالاً منك بل عليك أن تكون نبيهاً شريفاً ذا مروءة وذا نظر صائب فتشكر
نعمة الله عز وجل دائماً وأبداً وتذكر أن نعم الله عليك كثيرة.


د.
الربيعة:
وقفة عند كلمة (كنود) كلمة رجعت إلى
أقوال المفرسين فيها فوجدت فيها معاني متعددة جحود وكفور وغير ذلك من
المعاني وفكأن هذه الكلمة تجمع مساوئ الإنسان قد تكون بضد تلك الحسنات
الخمس كأن كنود تجمع الصفات السيئة للإنسان الذي لم يتصف بهذا الدين الذي
يشرفه الله تعالى به


د.
الخضيري:
لاحظ قول الله عز وجل (وَإِنَّهُ لِحُبِّ
الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) أريد أن أبين أمرين الأمر الأول قوله (وَإِنَّهُ
لِحُبِّ الْخَيْر) الخير هنا بمعنى المال وهذا المعنى معروف في كتاب الله
عز وجل قال الله عز وجل (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ
الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ
بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) البقرة) خيراً أي مالاً
والمقصود مالاً كثيراً، (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيد) أي يعظم
هذا المال وهذا نلاحظه من أنفسنا وممن حولنا فكل الناس متفقون على محبة
المال وما يسلم من محبة المال إلا من امتلأ قلبه بحب الله عز وجل فالمال
يعتبر عنده وسيلة. هذه الآية تدلنا على أن الإنسان يحب المال حباً شديداً
وهي جاءت لتحذرنا من هذه الخصلة، إياك أيها المسلم أن تحب المال حباً
شديداً فتنسى حق الله فيه وأن لا تعبد الله سبحانه وتعالى به وأن تعبد هذا
المال وتنسى أن تجعله مطية لرضوان الله جل وعلا. ولذلك ذكر الله في سورة
الفجر من صفات المشركين قال جل وعلا (وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا
(20)) حباً شديداً حتى إنه يدعوكم إلى أن تظلموا اليتيم وتأخذوا حقه
وتتركوا حق المسكين فلا تتصدقون عليه وتتركوا حق الوالد والوالدة والإبن
والزوجة والفقير والمسكين وأن تبذل الأموال فيما يصلح أحوال الناس فلننتبه
لذلك


د.
الربيعة:
ولهذا يحذرنا الله تعالى ما الذي يجعلنا
نقف مع هذا الموقف موقفاً صحيحاً؟ قوله تعالى (أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا
بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ) يعني ألا يعلم الإنسان أنه ذاهب إلى القبر ثم
إذا بُعثر وهو في البعث فإذا تذكر الإنسان مصيره إلى قبره وموته لا يمكن
أن يتعلق بهذا المال تعلقاً ينسيه آخرته. ويختم الله تعالى بقوله
(وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ) ما معنى هذه الآية؟


د.
الخضيري:
يعني هذا الذي يقع في صدرك من نيات ومن
أعمال قلبية سيحصّل ويُكشف ومنه تعلّقه بالدنيا وحبه للمال حباً شديداً
يطغي الإنسان وينسيه ذكر الله سبحانه وتعالى


د.
الربيعة:
ويختم الله عز وجل بما يقرر للإنسان
حقيقة أمره فيقول (إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ) حقاً إن
الإنسان إذا قرأ هذه السورة وعى حقيقته إذا قرأ هذه السورة وعى هدفه في
الحياة وما ينبغي أن يكون عليه وما هي الصفات التي يحذرها وما هو واعظ الله
الذي يعظه ويوقفه من التمادي مع هذه الدنيا بلا حدود وهي واعظ الموت، واعظ
علم الله، واعظ خبر الله عز وجل فهو خبير دقيق بالأمور. وأنت تعلم معنى
خبير أنها دقيق العلم فما أحرانا أن نتدبر هذه السورة وأن نمتثلها على واقع
ما ذكرناه وما يمكن أن يفتح الله تعالى به علينا من معاني ونسأل الله عز
وجل أن يجعلنا من المتدبرين لكتابه العاملين ولنا لقاء معكم بإذن الله
تعالى في جلسة أخرى والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: موسعة برامج القران الكريم متعدد الحلقات   الخميس 6 مايو 2010 - 15:11



الحلقة 15

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف
الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فهذا هو
المجلس الثالث عشر من مجالس هذا البرنامج المبارك أضواء المقاطع نسأل الله
سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما فيه من العلم والهدى والإيمان. في هذا المجلس
نأخذ مقطعاً من الجزء الثالث عشر من سورة إبراهيم من الآية 35، قال الله عز
وجل (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـذَا الْبَلَدَ آمِنًا
وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ (35) رَبِّ إِنَّهُنَّ
أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي
وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (36) رَّبَّنَا إِنِّي
أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ
الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ
النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ
يَشْكُرُونَ (37) رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ
وَمَا يَخْفَى عَلَى اللّهِ مِن شَيْءٍ فَي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء
(38) الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ
وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء (39) رَبِّ اجْعَلْنِي
مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء (40)
رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ
الْحِسَابُ (41)) إلى آخر الآيات التي ذكرها الله عز وجل من قصة إبراهيم
ودعواته في سورة إبراهيم. في هذه الايات يذكر الله سبحانه وتعالى قصة
إبراهيم ليحتج بها على المشركين. المشركون الذين اشركوا في البلد الحراك
ليقول لهم إن أباكم إبراهيم جاء بالتوحيد وبالحنيفية وبنبذ الأصنام ودعا
الله سبحانه وتعالى أن يجنبه وبنيه عبادة الأصنام فكيف خالفتم طريقته
وسلكتم غير مسلكه وجئتم بهذا الشرك العظيم الذي غيرتم به ملة إبراهيم عليه
الصلاة والسلام. ولذلك قال (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ) أي واذكر يا محمد
إذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمناً. والذي يظهر والله أعلم أن هذا
الدعاء كان بعد أن بنى إبراهيم البيت وبعد أن كبر إسماعيل عليه الصلاة
والسلام بخلاف الدعاء الذي كان في سورة البقرة (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ
رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ
الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن
كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ
وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126)) ولذلك نكّر (بلداً) في سورة البقرة وعرّفها في
هذه السورة لأن هذا البلد صار موجوداً ولذلك قال (رَبِّ اجْعَلْ هَـذَا
الْبَلَدَ آمِنًا) فدعا الله سبحانه وتعالى أن يجعله آمناً ما يقصده جبار
بسوء إلا قصمه الله. ولذلك أبرهة لما قدم إلى البيت يريد أن يفسده وأن
يهدمه قصمه الله سبحانه وتعالى وأرسل عليه الطير الأبابيل فجعله الله عز
وجل آمناً وأمر بأن يأمن وأن يؤمّن (وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا (97) آل
عمران) لذلك لا ينفر فيه الصيد ولا يصطاد لأنه إذا دخل الصيد فيه دخل في
هذا الحكم وهو أن يكون آمناً. (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ
الأَصْنَامَ) إبراهيم عليه الصلاة والسلام مع قربه من ربه وكونه إمام
الحنفاء واب الأنبياء إلا أنه لا يدع الدعاء. بل إني لا أعلم في القرآن
نبياً ذكرت أدعيته كما ذكرت عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام ويكاد ذلك يكون
مضطرداً في سائر المواطن التي ذكر فيها إبراهيم عليه الصلاة والسلام ما من
موطن إلا وتجد له فيه دعاء أودعاءين أو عدداً من الدعوات. وهنا قال
(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـذَا الْبَلَدَ آمِنًا
وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ) إجعله آمناً ليقرّ من
فيه وليكون الأمن سبباً لأن يعبدوك ويوحّدوك ولا يشركوا معك أحداً سواك.
ولذلك قال بعدها (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ) وهذا
يدعونا لأن نتذكر أن من أعظم أسباب وقوع الخوف وأعظم اسباب حصول المكروه في
الأمن هو أن لا يعبد الناس ربهم سبحانه وتعالى وألا يفردوه بالعبادة وهذا
ما حصل للمسلمين في هذه العصور الأخيرة لما اختل أمر الشرك فيهم بمعنى أنه
دخل عليهم الشرك واختل أمر التوحيد دخل عليهم الخوف ولن يعود إليهم الأمن
حتى يعيدوا هذا التوحيد ويكونوا على الجادة التي كان عليها إبراهيم ومحمد
صلى الله عليه وسلم وعليها سائر الصحابة رضوان الله عليهم ومن سار على
نهجهم. وهذا أمر في غاية الدقة والخطورة كما قال الله عز وجل (الَّذِينَ
آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ
الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ (82) الأنعام) بظلم أي بشِرك، فمتى أخللنا
بالتوحيد جاءنا الخوف ومتى حققنا التوحيد جاءنا الأمن بإذن الله عز وجل.
الأمن في الدنيا والأمن في الآخرة. ثم قال إبراهيم (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ
أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ) ماذا نستفيد من هذا؟ نستفيد أن إبراهيم على
جلالة قدره وعلو منزلته وقربه من ربه سبحانه وتعالى يخاف على نفسه من عبادة
الأصنام فيقول (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ) وهل
المراد ببنيه جميع ذريته أو المراد من بنيه الذين من صُلبه؟ الذي يظهر أن
المراد هنا هم من كان من صلبه فقد وقاهم الله سبحانه وتعالى أن يعبدوا
الأصنام بل كان الذين من صلبه أنبياء أخيار من خيرة عباد الله وهم إسماعيل
وإسحق. قال (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ (35) رَبِّ
إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ) أي هذه الأصنام أضلت
كثيراً من الناس واليوم هذه الأصنام لا تزال تضل كثيراً من الناس وما يزال
كثير من الناس يخضع لها ففي الهند وحدها يعبد من الآلهة ملايين كل ما يُخاف
وكل ما يُرجى وكل ما يُحب وكل ما يُطمع يُعبد حتى فرج المرأة وذكر الرجل
يُعبد من دون الله عز وجل وهكذا في سائر أمم الأرض إلا من وقاهم الله
وجنبهم عبادة الأصنام فإنهم قد ضلوا بعبادة هذه الأصنام. قال (رَبِّ
إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ
مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) أي من عصاني فأشرك
وعبد الأصنام فإنك غفور رحيم وليس في هذا بيان لطلب إبراهيم بأن يشفع لهم
ولكن بيان لتمام مشيئة الله وأنه يتصرف في عباده كيف يشاء. قال الله عز وجل
(رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ
عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ
أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ
الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) يقول لربه سبحانه وتعالى مناجياً
ومخاطباً وداعياً إني أسكنت من ذريتي أي من أولادي لأنه لم يذكر كل ذريته
وإنما أسكن هاجر التي أهدتها له سارة وولدها إسماعيل قال (رَّبَّنَا إِنِّي
أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ) يعني الوادي الذي
فيه البيت الحرام وادي مكة. (عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ) هذا البيت الذي
جعله الله سبحانه وتعالى محرّماً فلا يحل فيه الصيد ولا القتل ولا القتال
هذا البيت المعظم المشرّف. قال (رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ) أي جعله
الله محرّماً من أجل أن يقيموا فيه الصلاة أي من أجل أن يكون محلاً
للعبادة. ولما كانت العبادة شيئاً كثيراً ذكر الله عز وجل أعلاها وأجلّها
وهي إقامة الصلاة فقال (رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ
أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ) انظروا كيف جاء الدعاء قال
(أفئدة من الناس) ولم يقل أفئدة الناس لأنه لو قال أفئدة الناس لغالبنا على
البيت كما قال ابن عباس فرس والروم وجميع أمم الأرض ولكن إبراهيم عليه
الصلاة والسلام قال أفئدة من الناس وهي افئدة المؤمنين فهؤلاء تهوي قلوبهم
وتأوي وتشتاق أشد الشوق لبيت الله الحرام وهذا شيء شاهدناه ورأيناه في عباد
الله، رأينا كيف أن المسلم منذ أن يفتح عينيه على الدنيا وهو يشتاق إلى
بيت الله وذلك إجابة لدعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام فما زالت دعواه
مباركة وما زالت إلى اليوم. والعجيب أن هذه الآيات جاءت بعد قول الله عز
وجل (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً
كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء (24)) ما
هي الكلمة الطيبة؟ قيل لا إله إلا الله وقيل كل كلمة طيبة أصلها ثلبت
وفرعها في السماء وكذلك كلمة إبراهيم عليه الصلاة والسلام أصلها ثابت
وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها فالناس في كل زمان وفي كل
مكان ومن ذاك العصر إلى اليوم وهم يتفيئون ظلال وبركة دعوة إبراهيم عليه
الصلاة والسلام. قال الله عز وجل (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ
تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ
يَشْكُرُونَ) أي إجعل هذا البيت آمناً ليقيموا الصلاة واجعله محرّماً
ليقيموا الصلاة وارزقهم من الثمرات لعلهم أن يعبدوك ويتفرغوا لعبادتك ومكة
من بين بلاد الله من سائر الأزمان ترزق من الثمرات بما لا يرزق بها غيرها.
فتجد فيها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء وتجلب لها الخيرات
من كل أصقاع الأرض وتأتي مع الحجيج من كل مكان وهي أرض جرداء لا زرع فيها
ولا ماء ولكن الله سبحانه وتعالى بفضله ومنّه وكرمه وإجابته لدعوة خليله
إبراهيم عليه الصلاة والسلام قد جلب لها الأرزاق وهيأ لها الأمور. ثم قال
الله عز وجل (رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ) يعني
إني لم أقصد بهذا الدعاء إلا وجهك ولا أريد إلا الخير لبيتك وحرمك ولقطان
هذا الحرم ولمن وحدوك قال (وَمَا يَخْفَى عَلَى اللّهِ مِن شَيْءٍ فَي
الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء) انظروا كيف يخلط إبراهيم في دعائه الثناء
على ربه والاعتراف له والانطراح بين يديه والخضوع التام له جل جلاله. قال
(الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ
وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء) كأنه يقول إسمع دعائي وأجبني
يا رب كما سمعت دعائي الأول وأجبتني إليه عندما دعوتك أن ترزقني بالذرية
فرزقتني بإسماعيل وإسحق على كبر من سني، رزق إسماعيل وعمره 99 ورزق إسحق
وعمره 112 عاماً. قال الله عز وجل (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ
وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء) ختم بإقامة الصلاة لأن
إقامة الصلاة هو عنوان العبودية قال النبي صلى الله عليه وسلم "الصلاة خير
موضوع فمستقلٌّ ومستكثر" اي خير شيء وضعه الله. (وَمِن ذُرِّيَّتِي) قال
بعض العلماء هذه للتبعيض أي من ذريتي من يقيم الصلاة لأنه قد علم أن بعضهم
يكفرون ومنهم من قال أن (من) هنا بيانية أي واجعل ذريتي كذلك. (رَبَّنَا
وَتَقَبَّلْ دُعَاء) هذا فيه مشروعية أن يقول الإنسان اللهم تقبل دعائي في
ختام دعائه. ثم يختم بالاستغفار (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ
وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) ودعا لوالديه قبل أن يُنهى
عن الدعاء لأبيه فإنه لما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه. قال
(وَلِلْمُؤْمِنِينَ) أيضاً فيه مشروعية الدعاء للمؤمنين ومشروعية إذا دعا
الإنسان أن يدعو لنفسه أولاً ثم لوالديه ثم للمؤمنين يوم يقوم الحساب. أسأل
الله أن ينفعني وإياكم بكلامه وكتابه وأن يجعلنا وإياكم من الهداة
المهتدين. أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم والسلام عليكم ورحمة الله
وبركاته.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: موسعة برامج القران الكريم متعدد الحلقات   الخميس 6 مايو 2010 - 15:12

لحلقة 14

د.
الخضيري:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد
لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. هذا هو
المجلس الثالث عشر من برنامجكم المبارك "لنحيا بالقرآن". هذا المجلس سنخصصه
لسورة الزلزلة هذه السورة التي قال الله عز وجل فيها (إِذَا زُلْزِلَتِ
الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا ﴿١﴾ وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا ﴿٢﴾
وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا ﴿٣﴾ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ﴿٤﴾
بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا ﴿٥﴾ يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ
أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ ﴿٦﴾ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ
خَيْرًا يَرَهُ ﴿٧﴾ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴿٨﴾)
إذن هذه السورة كما هو ظاهر من أسلوبها ومن إسمها ومن مضمونها تتحدث عن
الزلزلة العظيمة والهزة القوية والرجفة الشديدة التي ستكون يوم القيامة.
إنها تزلزل قلوب المؤمنين تزلزل قلوب الخائفين الخاشين فيخافون من ذلك
اليوم ويستعدون للقاء الله عز وجل، وهي في الوقت ذاته تزلزل قلوب الكافرين
الذين يكذبون بيوم الدين وتذكرهم بأنهم سيلقون يوماً عظيماً تتزلزل فيه
القلوب. هذه السورة تبين لها شيئاً من أهوال يوم القيامة وشيئاً مما سيحدث
فيها من الجزاء والحساب. دعونا نأخذ بعض الوقفات معها ونحول تلك الوقفات
إلى محتويات عملية لعل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بها ويجعلنا وإياكم من
المتدبرين الذين امتثلوا قول الله عز وجل (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ
مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ
(29) ص)


د.
الربيعة
: كما ذكرت أن هذه السورة تزلزل القلوب من
يقرأها بتدبر وخشوع ومعرفة يعرف الهول الذي سيصيب هذه الأرض وأهلها، زلزلة
عظيمة. ومن يقرأها يعرف قيمة الأعمال التي يعملها يريد الله عز وجل من هذا
التهويل وهذه الزلزلة أنك أيها الإنسان في هذه الحياة أمامك أهوال فاستعد
لها بالأعمال ولذلك ختم الله تعالى السورة بقوله (فَمَنْ يَعْمَلْ
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴿٧﴾ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ
شَرًّا يَرَهُ ﴿٨﴾) كأنه يقول أيها الإنسان إذا أردت أن تقي نفسك من هذه
الزلزلة وأهوالها فاعمل فإنك لك الذرة من الخير وإن عليك الذرة من الشر.
وتأمل قول الله عز وجل في افتتاح السورة (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ
زِلْزَالَهَا) أي أن للأرض زلزلة عظيمة ونحن نشاهد بين وقت وآخر في بلدنا
هذا وفي كل بلد ربنا عز وجل يعظنا وينبهنا ويحذرنا من تلك الزلزلة بزلازل
تحدث هنا وهناك وانظر موقف الناس من تلك الزلازل.


د. الخضيري: يصيبهم من العرب والهول الشيء العظيم
ويتفرقون ويقتل أناس كثير وتتهدم أبنية على رؤوس الناس


د.
الربيعة:
وهي مجرد هزة

د.
الخضيري:
وفي بقعة يسيرة قد لا تتجاوز مائة كيلو
في مائة كيلو.


د.
الربيعة:
فكيف إذا تحرك هذا الجُرم العظيم تحركاً
هائلاً واهتز وأخرج من فيه وأخرج ما فيه. لذلك قال الله عز وجل (إِذَا
زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا ﴿١﴾ وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ
أَثْقَالَهَا ﴿٢﴾)


د.
الخضيري:
أثقالها يعني من في بطنها من الموتى
والكنوز.


د.
الربيعة:
حدثنا يا دكتور محمد عن هذا المعنى
العظيم، عن هذه الهزة وعن الأمر العظيم الذي تحدثه هذه الهزة.


د.
الخضيري:
لا شك أن هذا الهول
يزلزل القلوب وأن ما يحدث في يوم القيامة شيء فوق الوصف ولذلك ذكر الله عز
وجل في بداية سورة الحج وصفاً يقرّب لنا الحقيقة وإذا الحقيقة أعظم مما
تخيله عقولنا قال الله عز وجل (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ
إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا
تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ
حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ
عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2)) يوم ترون هذه الساعة المرأة التي ألقمت
رضيعها ثديها فهي أقرب ما تكون إليه وأحنّ ما تكون عليه وأرحم ما تكون له
تذهل ومن شدة الهول تطلق هذا الرضيع فيسقط من بين يديها. هل رأيت امرأة
أصابها رعب فتركت رضيعها؟ نحن فيما نرى مما يحيط بنا في الدنيا أن المرأة
أول ما يصيبها الرعب تضم جنينها إليها وطفلها إليها وتنجو به وما سيأتي يوم
القيامة هو شيء سيجعل هذه المرأة تذهل عن ذلك الرضيع حتى يسقط على الأرض
وهي لم تشعر به (يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا
أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ
سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) إذن
الأمر عظيم وأعظم من أن تتصوره


د. الربيعة: يجب أن يستحضره المسلم
وهو يقرأ هذه السورة العظيمة.


د. الخضيري: وليس الإستحضار هو
المجرد فقط وإنما الاستعداد لأنه بقدر عملك وبقدر استعدادك يكون رعبك
والهول الذي يكون عليك. فالمؤمنون يلقي الله عز وجل عليهم الطمأنينة لأنهم
كانوا في الدنيا خائفين وكانوا يخشون الله فالله يطمئنهم والكافرون كانوا
لاهين عابثين مكذبين غافلين ولذلك يجعل الله في قلوبهم من الرعب ومن الهول
أضعاف أضعاف ما يكون على المؤمنين.


د. الربيعة: قوله
(وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا) يدلنا على أن الأرض ستخرج من فيها
من الأموات وتخرج من فيها من كل شيء لعظم هذه الهزة. ثم يبين الله عز وجل
حال الناس (وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا)


د.
الخضيري:
ماذا بها؟ ماذا حصل لهذه الأرض؟ إعلموا
أن هذا شيء قد أخبرتم به وإن هذا شيء قد جاء القرآن به ودلّ عليه، هذه
زلزلة كتبها الله على الأرض ونهاية لهذا العالم الأول وبداية لذلك العالم
الآخر فانتبهوا لذلك واستعدوا له فقد أُنذرتم وقد حذرتم فاتقوا الله في
أنفسكم واستعدوا للقاء الله عز وجل.


د.
الربيعة:
بعد هذه الآية كأنه جواب من الله تعالى
يقول (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا) يعني أن هذه الأرض تلك الهزة
العظيمة وإخراج ما في بطنها من الأموات وغيرهم وأيضاً فإنها (يَوْمَئِذٍ
تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا) ستخبر بكل عمل كان عليها


د.
الخضيري:
يا الله، هذه تدعو الإنسان إلى أن يتقي
الله عز وجل كما قلنا في سورة العلق (أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ
يَرَى (14)) الله يراك وأيضاً قد جعل في هذه الدنيا من يراك ويحصي عليك
عملك، حتى هذه الأرض ستحدد ما فُعِل عليها من خير أو شر تقول فلان صلى هنا
وفلان صام هنا وفلان مشى إلى المسجد فوقي، فلان مشى إلى السرقة فوقي، فلان
مشى إلى الزنا فوقي إذن الأرض التي تمشي عليها أيها المؤمن ستشهد عليك
ولذلك قال العلماء أنه يستحب للإنسان أن يكثر من مواضع الصلاة لأن الأرض
ستحدث بما عمل فوق ظهرها وتخبر بذلك.


د.
الربيعة:
يعني كل شبر من الأرض تعمل فيه عملاً
صالحاً أو سيئاً فالأرض تخبر ربها بهذا العمل.


د.
الخضيري:
حتى المؤذن إذا اذن ما يبقى شيء يسمع
صوته من شجر أو حجر أو تراب إلا جاء شاهداً يوم القيامة يشهد له لأنه سمعه
يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله. أحد السلف رضوان
الله عليهم جميعاً كان إذا أراد منه بعض الناس أن يصحبه في السفر اشترط
عليهم أن يكون هو المؤذن فسالوه لماذا أنت حريص على ذلك. قال من أجل أن لا
أؤذن في مكان إلا شهد لي ذلك المكان. فنحن نقول لإخواننا إجعلوا كل أرض
تشهد لكم في غرفة نومك أكثر من الصلاة حتى تشهد لك أنك تقوم للصلاة وفي
بيتك أكثِر من الصلاة ومن الذكر حتى يشهد لك.


د.
الربيعة:
بل إنك ينبغي يا أخي الكريم إذا ذهبت في
أي بلد وفي أي رقعة بل وأنت تخرج في رحلة برية أو نزهة على البحر أو نزهة
هناك وهناك ينبغي أن يكون المكان الذي تكون فيه تذكر الله فيه ليشهد لك.


د.
الخضيري
: ونحرص على أن تصلي في المكان الذي يقل
ذكر الله فيه.


د.
الربيعة:
لعل تلك البقعة لا تشهد إلا لك وتكون في
ميزان حسناتك. يقول الله تعالى (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا) لماذا
تحدث أخبارها؟


د.
الخضيري:
(بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا) هي تطيع
الله عز وجل بمجرد أن أوحى الله لها أن تحدث بأخبارها قامت بالواجب الذي
عليها. وهذا يدلنا على أن هذه الكائنات مطيعة لله مستسلمة لله منقادة لله
فلا تكن خيراً منا نحن العقلاء الذين أنعم الله علينا وكرّمنا (وَلَقَدْ
كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ
مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) لا يجوز أبداً أن نكون أقل من هذه
المخلوقات التي لم تحفل بذلك التكريم فإنها تطيع الله عز وجل وتستسلم لأمره
ولذلك نقول إن الكفار أضل من البهائم لأن البهيمة خلقت لشيء فأدّته فهي في
ظاهر الأمر في ضلال لكنها أدّت ما كُتب عليها. أما الكافر فلم يؤد لكن
لأنها قد أدّت ما كتب عليها أنها كتبت عليه فالكافر أضل منها لأنه قد خُلق
لشيء فلم يؤدّ ما خُلِق لأجله


د.
الربيعة:
لعله مما يشهد لهذه الآية أيضاً قوله عز
وجل (إذا السماء انشقت)


د.
الخضيري:
أذنت بمعنى استمعت وحُق لها أن تذعن
وتخضع.


د.
الربيعة:
إذا كانت هذه الأرض العظيمة، إذا كان هذا
الجرم العظيم يخضع لله عز وجل فكيف أنت أيها الإنسان الضعيف الذي لست بشيء
مقارنة بهذه الأرض؟!.


د. الخضيري:
في قول الله عز وجل (يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا
أَعْمَالَهُمْ) في يوم القيامة يأتون أشتاتاً وأوزاعاً متفرقين من أجل أن
يشاهدوا ما عملوه في الدنيا يروا نزاعهم، ماذا عليهم. يأتي الإنسان يوم
القيامة وله صحائف ملء البصر فيجد فيها كل شيء حتى قوله يوم حار ويوم بارد
هذا يعجبني ولا يعجبني وأنا أحب ولا أحب وأفّ وها كلها مكتوبة. كما قال
الله عز وجل (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ
مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا
يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا
عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49) الكهف) فهذا يجعلني
وإياك وكل من يشاهدنا الآن يتذكر أنه سنجد يوماً فلا ينفعنا في ذلك اليوم
إلا ما قدمناه فيه من عمل.


د.
الربيعة:
ولذلك انظر كيف ختم الله تعالى هذه
السورة بآية عظيمة بقوله تعالى (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا
يَرَهُ (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)) يعني أننا
نستحضر أن كل عمل دقيق وجليل مكتوب لنا، قولنا جزاك الله خيراً مكتوب له،
قول الإنسان لأخيه سبّاً أو شتماً مكتوب عليه


د. الخضيري: بل أن تنظر إنسان بعين الرحمة مر بك
فقيراً تنظر له بعين الرحمة تكتب لك، حركة قلبك في إحسان الظن بأخيك أو
رحمته أو اللطف معه مكتوب لك، أو مكتوب عليك إن أسأت بذلك كله كما قال الله
عز وجل (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19)
غافر) هذه الحقيقة تجعل المؤمن على يقظة تامة. ما هناك مسامحة، ما هناك شيء
يُعفى عنه فلا يكتب، كل شيء يًكتب أيها الإنسان ولا يعني أنه يُكتب أنه قد
يُحاسب عليه فإنه قد يكتب من أجل أن يرصد ويبين لك يوم القيامة أنه مرصود
ولم يضع من عملك شيء.


د.
الربيعة:
لذلك يقرب الله عبده يوم القيامة ألم
تفعل كذا؟


د.
الخضيري:
هذا يظن أنه قد هلك فيقول الله عز وجل
إني قد سترتها عليك في الدنيا وإني اغفرها لك اليوم.


د.
الربيعة:
هاتين الآيتين ينبغي أن نجعلهما أمام
أعيننا دائماً لنحسب لأعمالنا حساب، كم من الأعمال نفرط فيه؟ كثير. كم من
إنسان تأتيه الفرص ولا يغتنمها كم من إنسان يفعل من المعاصي والموبقات ما
لا يشعر به! حقاً إننا ينبغي أن نعيش مع هذه الاية كيف نعيش مع هذه الاية؟
نعيش مع هذه الاية إذا استحضرنا عظم ذلك اليوم الذي سنحاسب فيه، استشعرنا
تلك الهزة العظيمة والزلزلة الكبير، استشعرنا ذلك الهول واستشعرنا أن الأرض
ستخبر بأعمالنا صغيرها وكبيرها وستشهد علينا بكل عمل.


د.
الخضيري:
أنا الآن بدت لي ملاحظة مهمة جداً وهي
ملاحظة عملية نقدمها لإخواننا المشاهدين وهي أن الأعمال إذا كانت بالذرات
ستحسب لنا أو علينا نقول لهم يا إخواني بإمكاننا في الدقائق التي نعيشها
أنت ننتج ذرات من الإحسان ذرات الإحسان. وأنت تشاهد الأخبار ما الذي يمنعك
أن تقول لا إله إلا الله، سبحان الله، هذه ذرات بل هي عظيمات عند الله ومع
ذلك لا تأخذ منك إلا الجزء اليسير ثم يحقق منها الكثير.


د.
الربيعة:
ما أجمل أن يجعل الإنسان لحظات الإنتصار
في الاستغفار وفي ذكر الله. هذه السورة تعطينا معاني عظيمة ويجب أن
نستحضرها استحضاراً ونحن نقرأها في الصلوات الجهرية والسرية.


د.
الخضيري:
هذه بعض الوقفات مع هذه السورة الكريمة
نسأل الله أن ينفعنا بها وإلى لقاء قادم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: موسعة برامج القران الكريم متعدد الحلقات   الخميس 6 مايو 2010 - 15:13



الحلقة 14

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف
الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد فهذا هو
المجلس الثاني عشر من برنامج أضواء المقاطع ومقطعنا هذا اليوم هو في الجزء
الثاني عشر من كتاب الله العظيم في سورة هود الآية 112، قال الله عز وجل
(فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ
بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير (112) وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ
ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ
أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ (113) وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ
النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ
السَّـيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (114) وَاصْبِرْ فَإِنَّ
اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (115) فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ
الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ
فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ
الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ (116)).
هذه الآيات العظيمة هي من أشد الآيات في القرآن العظيم حتى قال بعض
العلماء إنها هي المقصودة بقول النبي صلى الله عليه وسلم "شيبتني هود
وأخواتها" قالوا إن محل الخوف من سورة هود هي هذه الاية التي أمر الله فيها
رسول صلى الله عليه وسلم أن يستقيم كما أُمر أن يطيع ربه ويؤدي الواجبات
على ضوء ما أُمر من غير زيادة ولا نقص وهذا شديد على النفوس ليس أمراً
هيناً ولا أمراً ميسوراً وهو معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم "سددوا
وقاربوا". سددوا أي إئتوا بالأمر على وجه السداد من غير نقص ولا تجاوز،
وقاربوا إذا لم تستطيعوا السداد يعني إذا لم تقدروا على السداد لنقص علم أو
لنقص قدرة أو لأمر عارض أو لعذر يعذركم الله به فقاربوا وهذا لا شك أمر
شديد على النفوس ونحن مطالبون به وعلينا أن نتقي الله سبحانه وتعالى في
القيام به. ولهذا قال العلماء أن هذه من أشد الآيات في القرآن العظيم. قال
(فَاسْتَقِمْ) أي يا محمد (كَمَا أُمِرْتَ) يعني كما أوحي إليك تأتي
بالواجبات كما طلب منك وتترك المنهيات كما طلب منك دون أن تقصر ودون أن
تغلو أو تزيد. قال (وَمَن تَابَ مَعَكَ) أي وكذلك الذين تابوا معك وأنابوا
إلى الله عز وجل ورجعوا إلى الحق ودخلوا في الدين يجب عليهم أن يستقيموا
كما تستقيم أنت. قال (وَلاَ تَطْغَوْاْ) وهذا يدلنا على أن أمر الاستقامة
ليس مقصوراً على رسول الله ولا على العلماء بل هو أمر قد أمرنا به جميعاً.
إن الاستقامة تعني أن يطيع العبد ربه سبحانه وتعالى فلا يعصيه وأن يقوم
بأوامره في كل الأحوال وأن إذا وقع في شيء من الذنوب والمعاصي إذا به يسارع
إلى التوبة ويستعجل إليها ولا يرتكس في معصيته. إن الاستقامة تعني أن يثبت
الإنسان على الدين فلا ينحرف عنه وإن الاستقامة تعني أن يأخذ الإنسان هذا
الدين بجد وألا يتوانى في أخذه بهذه الروح الجادة وأن يعزم العزم كله على
تنفيذ كل ما يبلغه من أوامر الله عز وجل وترك كل ما يبلغه من نواهي الله جل
وعلا. إن الاستقامة تعني ألا يتأول الإنسان شيئاً من دين الله تأولاً
رخيصاً ليوافق هواه أو يوافق مجتمعه أو البيئة التي يعيش فيها أو ليحاول أن
يخضع دين الله عز وجل لأهواء الناس ولما يشتهونه وهذا لا شك أن هذا مما
تزل به الأقدام ومما تزيغ به الأفهام فكثير من الناس تحت ضغط الواقع وتحت
تكاثر المجرمين والملبسين وأهل الباطل يتراجع عن الصدع بالحق وعن الأخذ به
وعن القيام بأمر الله عز وجل ويبدأ يعلن تنازلاته. ولو كانت هذه التنازلات
التي يعلنها يعلن معها أنه مخالف لأمر الله لكان الأمر محتملاً لكن الأسوأ
من ذلك أن يقول للناس إن هذا الذي أفعله من التقصير هو ما دل عليه الله وما
دلت عليه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيّضِل الإنسان ويُضل اللهم
إنا نعوذ بك من أن نَضل أو نُضل أو نَزِل أو نُزِل أو نجهل أو يُجهل علينا.
هذا الأمر خطير وفي الأزمان التي تعلو فيها راية الباطل ويكثر فيها
المرجفون وأهل الشبهات يقل المستقيمون على أمر الله وهذا ما ستؤكده لنا
الآيات بعد قليل عندما قال الله عز وجل (فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ
مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي
الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ) قال الله عز وجل
لما ذكر الاستقامة نهى عن ضدها قال (وَلاَ تَطْغَوْاْ) ولاحظوا كيف فرق بين
الأسلوبين ففي أسلوب الأمر وهو أمر بالاستقامة جاء به خطاباً للنبي وفي
أسلوب النهي جاء به خطاباً للجماعة ولعلّ هذا والله أعلم تأدباً مع رسول
الله صلى الله عليه وسلم وإجلالاً لقدره ورفعاً لمكانته فهو يقول فاستقم
كما أمرت يا محمد ولا تطغوا كأنه لا يتصور من رسول الله صلى الله عليه وسلم
أنه يطغى. قال (إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) هذا تهديد وهذا فيه
إحياء لجانب المراقبة يعني استقيموا فالله مطلع عليكم وأدوا ما أُمرتم كما
أمرتم فإن الله سبحانه وتعالى لا يخفى عليه من عملكم شيئاً وإياكم أن تطغوا
فإن الله مطلع عليكم وقادر على أن يعاقبكم سواء عجل العقوبة أو ادخرها.
وهنا نشير إلى ملاحظة مهمة في كتاب الله وهي اللازم من الخبر فإنه عندما
يقول إنه بما تعملون بصير لا يريد أن يبين أن الله سبحانه وتعالى يبصر
الأشياء فقط وإنما يريد لازم ذلك وهو أن الله يبصر الأشياء وسيحقق من وراء
ذلك شيئاً وهو أنه مطلع عليكم وسيجازيكم بما تعملون إن خيراً فخير وإن شراً
فشرّ. ثم نهاهم الله عز وجل عن أمر آخر وهو أمر عظيم فقال (وَلاَ
تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) يعني لا
تداهنوا الظالمين ولا تميلوا إليهم ولا ترضوا بأعمالهم ولا تستعينوا أيضاً
بهم فإن هذا كله يدخل في الركون إلى القوم الظالمين أياً كان هؤلاء
الظالمين سواء كانوا من المشركين أو من اليهود والنصارى أو من الطغاة
المنتسبين إلى الإسلام فإن الركون إليهم وإعانتهم على ظلمهم والتصفيق لهم
والتطبيل لظلمهم وتأييدهم على ما يفعلون كل ذلك من الركون الذي يدخل
الإنسان به في عداد المخالفين لهذه الآية. قال (وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى
الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) يعني إن ركنتم إليهم مستكم
النار. وأيّ شيء هذه النار حتى يستهين الإنسان بها؟! إنها نار عظيمة عذابها
شديد وقعرها بعيد ولا يطيقها أحد فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يقينا حرها
وشرها وأن يحرم بشرتنا ولحومنا عليها. قال (وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ
مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ) يعني إن ركنتم وطغيتم ولم تستقيموا
كما أمرتم فما لكم من دون الله من أولياء ليس لكم أولياء دون الله عز وجل
يمنعون عنكم عذابه أو ينتصرون لكم. (ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ) ما كان أحد
ينتصر لكم ويمنع عذاب الله عنكم فاحذروا من ذلك أشد الحذر ولذلك على المسلم
أن يخشى الله ويتقيه وهذا الخطاب للمؤمن التقي الذي إذا ذكر بالعذاب ارتجف
قلبه وتغيرت نفسه وخاف من الله عز وجل أشد الخوف. قال الله عز وجل
(وَأَقِمِ الصَّلاَةَ) نؤكد على أن الأوامر تأتي بصيغة المفرد مخاطباً بها
رسول الله صلى الله عليه وسلم والنواهي بصيغة الجماعة. قال (وَأَقِمِ
الصَّلاَةَ) كأن إقامة الصلاة هي عنوان الاستقامة فمن اقام الصلاة أعانه
الله على سائر أبواب الطاعة ووفقه لذلك ودله عليه وأعانه على الثبات على
دين الله وعلى أوامر الله سبحانه وتعالى وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم.
وقد قلنا مراراً إن الصلاة لم يؤمر بها في القرآن عادة إلا على وجه الإقامة
كأنها هي الصلاة المقبولة وما سواها فليست مرادة من الله ولا مقبولة ممن
يؤديها نسأل الله العافية والسلامة. قال (وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ
النَّهَارِ) اختلف المفسرون في طرفي النهار فقيل صلاة الفجر وصلاة المغرب
وقيل طرفا النهار صلاة الفجر وصلاة العصر وقيل وهو أقرب طرفا النهار صلاة
الفجر وصلاتي الظهر والعصر فهذا في أول النهار وهذا في نصفه الثاني.
(وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْل) قال العلماء يراد به صلاة المغرب والعشاء وقال
آخرون يراد به صلاة العشاء وذكر ابن كثير رحمه الله تعالى أن هذه الاية
تحتمل أن تكون نزلت في أول الإسلام قبل أن يأتي فرض الصلوات الخمس فتكون
أقم الصلاة طرفي النهار أي صلاتي الفجر والعصر وزلفاً من اليل أي قيام
الليل ولم يكن واجباً على المؤمنين في أول الإسلام إلا صلاة بالنهار وصلاة
بالليل وكان الله قد أوجب عليهم أيضاً قيام الليل ثم نسخه عن عامة المؤمنين
وابقاه واجباً على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في سورة المزمل. قال
(وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ
الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ) الحسنات أياً كانت صلاة أو صوماً
أو وكاة أو حجاً أو عمرة أو ذكراً أو تلاوة للقرآن يذهبن السيئات كما قال
النبي صلى الله عليه وسلم في حديث معاذ "وأتبع السيئة الحسنة تمحها" فإن
الإنسان إذا فعل سيئة ثم أتبعها بحسنة محت تلك الحسنة السيئة. قال الله عز
وجل (ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) ذلك الذي أمرناكم به ودللناكم عليه
ذكرى للذاكرين وليس المقصود بهذا أنها ليست ذكرى لغيرهم ولكن الذاكرين
ينتفعون بها ولذلك خصهم الله عز وجل بذلك. ثم ختم الله هذه الآيات بقوله
(وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) بدأ الأمر
بالاستقامة وختم بالصبر وماذا بين الاستقامة والصبر؟ متلازمان،لا يمكن
للإنسان أن يستقيم إلا بالصبر ولا يمكن للإنسان أن يكون صابراً وهو غير
مستقيم وأعظم الصبر هو الصبر على طاعة الله عز وجل ولاحظوا كيف جعل الله عز
وجل المُظهر مقام المضمر فقال (وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ
أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) ولم يقل واصبر فإن الله لن يضيع أجركم أو أجره
وإنما قال (وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)
للدلالة على أن من استقام كما أثمر ولم يطغَ ولم يركن إلى الذين ظلموا
واقام الصلاة وصبر على طاعة الله وعن معصية الله وعلى أقدار الله المؤلمة
فإنه يكون من المحسنين. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلني وإياكم ممن
استقاموا كما أمروا ولم يطغوا ولم يركنوا للذن ظلموا واقاموا الصلاة
وأدّوها كما أمر الله أن تؤدى وصبروا في كل الأحوال صبروا على طاعة الله
وصبروا عن معصية وصبروا على أقدار الله المؤلمة وجعلهم الله بذلك من
المحسنين وأورثهم حسن العاقبة في الدنيا وفي الآخرة. أقول قولي هذا واستغفر
الله لي ولكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: موسعة برامج القران الكريم متعدد الحلقات   الخميس 6 مايو 2010 - 15:14



الحلقة 13

د.
الربيعة:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد
لله وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين حياكم الله في هذا
البرنامج المبارك الذي نريد أن نعيش وإياكم فيه مع القرآن (لنحيا بالقرآن)
ونحن مع حلقة من حلقات هذا البرنامج مع سورة كريمة منه من قصار المفصّل
سورة البينة هذه السورة وهي من أطول قصار المفصل. قصار المفصل من سورة
الضحى إلى سورة الناس وهذه السورة وسورة العلق هي من أطول هذه السور. (لَمْ
يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ
مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ ﴿١﴾ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ
يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً ﴿٢﴾ فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ ﴿٣﴾ وَمَا
تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا
جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ ﴿٤﴾ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ
مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا
الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ﴿٥﴾ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ
أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ
فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ﴿٦﴾ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴿٧﴾)


هذه السورة من إسمها يتبين مقصدها (البينة) يظهر فيها
أن الله عز وجل منح هذه الأمة بل منح البشرية هذا الدين البين الواضح الذي
يبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم خير البشرية وما هو هذا الدين؟ نتلوه
من كتاب الله عز وجل. بيان في بيان واضح فمن يوفق في الإطلاع على هذا الدين
وهذا الكتاب العظيم وهذا البيان الشامل من النبي صلى الله عليه وسلم فلا
شك أنه سيعرف الحق والحقيقة وسيعرف أن هذا الدين هو الحق. ولذلك تأمل معي
أفواج النصارى الذين يؤمنون بهذا الدين حين يطلعون عليه حق الإطلاع. يحدثني
أحد الإخوة الذين لهم جهود في دعوة النصارى يقول أخذت شريطاً بقراءة الشيخ
الحذيفي ومترجم معانيه باللغة الفرنسية يقول أهديه إليهم يقول والله لقد
هدى الله به أناس من غير ما أشرح لهم هذا الدين، قالوا هذا القرآن؟! قالوا
هذا حق. هذا يدلنا على كل من اطلع على هذا الدين وعلى هذا القرآن سيتبين له
الحق كما سماه الله تعالى بيان (وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى
وَالْفُرْقَانِ (185) البقرة) فهذه السورة الكريم حينما نقرأها يتبين فيها
أن الله عز وجل أرسل للبشرية منهجاً قيماً وبيّنه ولذلك قال في افتتاحيتها
(لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ
مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ) منفطين عما هم فيه من ضلال
ودين محرّف حتى تأتيهم البينة.


د.
الخضيري:
معنى هذه الآية أنه لن ينفك هؤلاء سواء
المشركون الذين كانوا في مكة أو جزيرة العرب أو أهل الكتاب الذين كان جزء
منهم في جزيرة العرب وكثيرون منهم خارجها من اليهود والنصارى لم يكونوا
تاركين شيئاً مما عهدوا عليه آباءهم حتى تأتيهم البينة يعني دليل واضح ساطع
يدلهم على أن ما هم فيه ضلال وأن ما جاءهم من الله وعلى لسان رسول الله
وما أنزل الله على رسوله هو الحق وقد جاءهم بحمد الله ذلك. كل الدلائل
الموجودة في القرآن من أعظم ما يميزها هو بيانها ووضوحها وظهورها ليس فيها
تعقيد وليس فيها غموض وليس فيها ألغاز بل هي واضحة وجلية وبينة وقريبة.


د.
الربيعة:
ولذلك يقول تعالى (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ
مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ (44) النحل)


د.
الخضيري:
(وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ
مُّبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ
وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ (34) النور) (هَـذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ
وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ (138) آل عمران) و(وَلَقَدْ
يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (17) القمر) فهو
بيّن وواضح. لكن السؤال قال (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ
الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ
الْبَيِّنَةُ) ثم فسّر البينة (رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا
مُّطَهَّرَةً (2) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (3)) هذا يدلني على أن الله أنزل
علينا الحق هذا الكتاب فيه البيان وفيه الرحمة فلنعد إليه ولنرجع إليه
ووالله لن نجد الحق إلا به ولن نعرف الهدى إلا منه. ولذلك لا نتعب أنفسنا
فقد تعب أقواماً بذلوا جهوداً عظيمة وألفوا مؤلفات وكتباً كثيرة وفي نهاية
المطاف ما وجدوا الحق إلا في كتاب الله عز وجل. لذلك نقول قد كفينا فعلينا
أن نأتي إلى المعين الذي لا ينضب، إلى المعين الصافي ولذلك قال (رَسُولٌ
مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً) صحف وهذا الكتاب نقرأها
ونتلوها ونستهدي منها ونستخرج منها الهداية.


د.
الربيعة:
أحد الإخوة قال لي في بيان أن هذا القرآن
وأنه شامل واضح في كل شيء يقول ما مر علي مشكلة ولا قضية ولا أشكل عليّ
أمر إلاقرأت كتاب الله بقصد أن أبحث فيه عن بيان وأبحث فيه عن منهج يهديني
ويعالج هذه المشكلة، ويقول والله من غير مبالغة إني أجد ذلك بكل يسر
وسهولة، أفتح المصحف من أي موضع ثم أقرأ كتاب الله عز وجل بقصد الشفاء
وبقصد الفرج وبقصد حل مشكلة ما، ثم بعد ذلك أشعر كأن هذه الايات تخاطبني
مباشرة في هذه المشكلة.


د.
الخضيري:
وهذا واضح وجربه كثيرون. نقول إجعلوا هذا
الكتاب حياة لكم، إجعلوه نبراساً يضيء لكم هذه الحياة، نعم والله لو صدقنا
مع الله لكفانا ولكننا مع كل أسف قد صُرفنا عنها وحالت بيننا وبينه حوائل
وعوائق مفتعلة ومصطنعة، والشيطان له دور كبير فيها يريد أن يصرفنا عن هذا
الكتاب، ويريد أن يحول بيننا وبين كتاب الله عز وجل لأنه يغار منا ويرى
أننا أخذنا فضلاً عظيماً عندما أنزل الله عز وجل هذا الكتاب.


د.
الربيعة:
تأمل الآية التي بعدها (وَمَا تَفَرَّقَ
الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ
الْبَيِّنَةُ ) لماذا تفرقوا؟ بعد أن جاءتهم البينة الواضحة؟


د.
الخضيري:
هذه النعمة جاءت وهي أن هؤلاء القوم
كانوا يقولون نحن لا يمكن أن نترك ديننا حتى تأتيما البينة فلما جاءتهم
البينة الموافقة لما في كتبهم استكبروا وكان الدافع لهم في الغالب هو
الكِبر والحسد، كذبوا حسداً وكذبوا كِبراً كما ذكر الله عز وجل فهم لم
يمنعهم عدم وضوح البينة ولم يمنعهم أن هذا الكتاب لم يطابق ما جاء
بالإشارات في كتبهم لا والله بل كل الإشارات لا يمكن أن تنطبق إلا على رسول
الله وإلا على هذا القرآن.


د.
الربيعة:
كأن هذه الآية تحذير من الله لنا ونحن
نقرأ هذا القرآن أن نتصف بهذه الصفة تأتينا البينة الواضحة ثم نتفرق ونترك
دين الله. إنما يذكره الله عز وجل ليخبرنا عنهم لنحذرهم ونحذر وصفهم. تأمل
قوله بعد ذلك (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ)


د.
الخضيري:
هذا تعجيب، بمعنى أيها المنحرفون عن
اتباع رسول الله يا من تلكأتم عن الاستجابة لدعوته وقد ثبت إليكم بالدليل
الصادق أنه رسول آيات واضحة تدل على أنه رسول وقد تحديتم به أنكم لا
تستطيعون أن تأتوا بمثله فدلّ على أنه كلام الله، ما الذي دعاكم إلى أن
تكذبوه علماً بأنكم لو رجعت إلى الأوامر الموجودة في كتاب الله لوجدتم أنها
هي التي جاءت بها الأنبياء يعني ما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يا
ايها الناس تعالوا واعبدوني أو اعبدوا إلهاً غير الله سبحانه وتعالى حتى
يكون لكم سبيل في تكذيب رسول الله. رسول الله ما جاء إلا ليقول لكم اعبدوا
الله مخلصين له الدين، أقيموا الصلاة، آتوا الزكاة، وهذا هو الدين الذي
جاءت به الأنبياء إذن ما هو الملحظ؟ على ماذا كذبتم؟


د.
الربيعة:
نستطيع أن نأخذ من الكلام دليلاً على أن
كتب الله كلها متفقة في الدعوة إلى التوحيد وما تضمنته اليوم من الإنجيل
وغيره للدعوة إلى التثليث فإنما هو محرّف وباطل


د.
الخضيري:
ولذلك نحن نقول إن أصل الدين واحد وعلينا
أن نتأكد منه ونتثبت من عمل ذلك وهو إخلاص الدين لله وأن لا نعبد الله إلآ
بما شرعه عن رسول الله وأن نقيم الصلاة ونؤتي الزكاة هذا هو الدنيا التي
جاء بها الأنبياء من فعل هذه الأشياء فقد أقام الدين وقد وحد الله رب
العالمين وقد استقام على المحجة التي جاء رسول رب العالمين محمد صلى الله
عليه وسلم وجاءت بها الأمم السابقة. ونلاحظ هنا أنه لم يقل (مخلصين له
اليوم ويصلون ويزكون) ولم يأتي بها الأمم السابقة . ولم يقل مخلصين له
الدين ثم قال مصلون ومزكون وإنما قال (وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا
الزَّكَاةَ (5) البينة)


د.
الربيعة:
الوصف الأول قال (حنفاء) فما معنى حنفاء؟

د.
الخضيري:
الحنيف يقول العلماء الذي مال عن الشرك

د.
الربيعة:
ولذلك وصف الله تعالى نبيه حينما كان
قومه يعبدون غير الله عز وجل كان حنف عنهم ومال إلى التوحيد وهذا يدلنا على
أن الإنسان في هذه الحياة ينبغي أن يميل عن الطرق المنحرفة ويبحث عن الحق
فإن أمامه طرقاً تستهويه. ختام الآية في قوله (وَذَلِكَ دِينُ
الْقَيِّمَةِ)


د.
الخضيري:
يعني ذلك الدين المستقيم بأصحابه فمن
سلكه فهو واصل إلى الله.


د.
الربيعة:
كما قال الله عز وجل (دِينًا قِيَمًا
(161) الأنعام) وهذا في الحقيقة يجعلنا أن نقول أن ديننا دين القيم، ديناً
قيماً في بنائه ونظامه وهو دين القيم الذي يبني في أنفسنا القيم، دين
الأخلاق دين المبادئ السامية دين المعالم تلتي تبني كمال البشرية إذا أراد
الإنسان الكمال في هذه الحياة. ما أعظم هذا الوصف العظيم لهذا الدين القيم!


د.
الخضيري:
لعلنا نتوقف مع قول الله عز وجل (إِنَّ
الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ
جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (6) إِنَّ
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ
الْبَرِيَّةِ (7))


د.
الربيعة:
بعد أن بين الله هذا البيان رسم الطريق

د.
الخضيري:
رسم الطريق وبيّن أصناف الناس وموقفهم من
هذا الكتاب. لا يمكن أحد يقول أنا وسط لست مع هؤلاء ولست مع هؤلاء نقول
لا، إما أن تكون من خير البرية وإما أن تكون من شر البرية ليس هناك طريق
بين هذين الطريقين (لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ (37) المدثر) فإما
تتقدم فتعمل وإما أن تتأخر فتهلك نسأل الله العافية والسلامة. وهذه موعظة
لي ولكم هل نحن مع الذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكون من خير البرية أو مع
من تخلوا عن العمل الصالح وهو شر البرية؟


د.
الربيعة:
وتأملوا كيف عبر الله تعالى عن الكافرين
بشر البرية وعبّر عن المؤمنين بخير البرية. والله إنه لوصف يدعو الإنسان أن
يتبصر فيحض نفسه على أن يكون مع خير البرية. هذه البرية التي براها الله
عز وجل كل البرية خيرها هم المؤمنون وشرّها هم الكافرون بالله عز وجل.


د.
الخضيري:
وبهذا نعلم أن هذين الفريقين لا يمكن أن
يجتمعا وأن هاتين الفئتين لا يمكن أن يجمع بينهما بعض الناس يعمل خلطاً
يريد أن يجعل المسلم والنصراني والبوذي واليهودي والملحد شيء واحد فيما
يسمونه الدعوة لوحدة الأديان دعونا نكون واضحين ونعلم أن الطريق واحد،
الموصل إلى الله واحد كما قال الله عز وجل (وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي
مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ
بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ (153) الأنعام) هناك سبل كثيرة لو اتبعناها، لو
أطعناها لو طاوعنا أصحابنا عندما يدعوننا إليه والله لتصدننا عن سبيل الله.


د.
الربيعة:
كيف يتفقان ويجتمعان وهذا في أسمى مكانة
وهو طريق المؤمنين وذلك في أسفل مكان! لعلنا نختم السورة بخير ختام، يقول
الله عز وجل في جزاء المؤمنين (جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ
عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا
رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ )


د.
الخضيري:
استوقفتني قوله (عِندَ رَبِّهِمْ) بدأ
بالصاحب والجار قبل الدار (عند ربهم) أولاً ما ذكر الجنة وهذا يدلنا على أن
الإنسان يختار الجار قبل الدار ويحرص عليه لأنه هو الذي تقوم به السعادة
الحقيقية.


د.
الربيعة:
الجار الحقيقي هو جار الدين والخير
والصلاح تصاحبه في دنياك ليعينك على طاعة الله عز وجل.


د.
الخضيري:
ويستوقفني في الختام قوله تعالى (ذَلِكَ
لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ) أي ذلك الجزاء العظيم الرفيع العالي لا يكون ولا
يتحقق إلا لمن خشي الله سبحانه وتعالى أي خاف منه الخوف الذي يليق به.
والفرق بين الخشية والخوف كما يقول العلماء أن الخشية خوف برفق وأما الخوف
فإنه يكون اضطراباً وقلقاً فالمؤمنون الذي يخشون الله يخافونه وهم يعلمون
ذلك ونحن يجب علينا أن نخشى الله بل نسأل الله سبحانه وتعالى أن يقسم لنا
من خشيته ما يحول به بيننا وبين معصيته.


د.
الربيعة:
وقد قال الله عز وجل (وَأَمَّا مَنْ
خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ) مما يؤكد هذه الآية في عظم أمر الخشية (وَأَمَّا
مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ (40) النازعات) (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ
رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46) الرحمن) فما أعظم هذا الوصف يتصف به المسلم! خير
ختام يقول الله قبل هذه الجملة (رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ)
والله إن هذا لوصف عظيم إذا استحضره المسلم يرجو رضى الله وهو راض عن الله
عز وجل. هذه السورة إخواني سورة نتبين فيها هذا الدين البيّن لنكون من
أهله ونكون من هذا الدين القيم فنكون على أقوم طريق نسأل الله سبحانه
وتعالى أن يجعلنا على الطريق السوي البيّن ولنا لقاء معكم بإذن الله في
جلسة قادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: موسعة برامج القران الكريم متعدد الحلقات   الخميس 6 مايو 2010 - 15:14

الحلقة 13

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله
وصحبه ومن والاه. أما بعد فهذا هو المجلس الحادي عشر من برنامج أضواء
المقاطع واليوم نتحدث في الجزء الحادي عشر في سورة يونس الآية 61، قال الله
عز وجل (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ
تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ
تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي
الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ
إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (61) أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ
عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ
يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي
الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ
الْعَظِيمُ (64)) هذه الآيات تحيي في نفوس المؤمنين مراقبة الله سبحانه
وتعالى وتُعلِمنا بأن الله سبحانه وتعالى مطلع علينا لا يخفى عليه شيء من
أمرنا كما قال سبحانه وتعالى (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ
يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا
تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ
الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (59)
الأنعام) فالمؤمن عندما يقرأ هذه الآية يمتلئ قلبه من مهابة ربه ومن خشيته
ومن علمه باطلاع الله عليه في كل أحواله، لا يعزب عن ربنا سبحانه وتعالى
مثقال ذرة مما نعمل ولا مما نقول ولا مما نُضمر ولا مما نجهر به. يقول جل
وعلا (وَمَا تَكُونُ) أي يا محمد وإن كانت صورة الخطاب للنبي صلى الله عليه
وسلم إلا إنها عامة في حق كل أحد، (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ) أي شأن كان،
شأن في بيتك، شأن مع الناس، شأن في الليل شأن في النهار شأن يخص شأن يعم
الناس، إلى آخر ما هنالك (وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ) أي ما تتلوه
من هذا الكتاب من قرآن أي من آية أو جملة أو كلمة. (وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ
عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ) ما
تعملون من عمل ولاحظوا كيف تأتي المبالغة في هذه الآية بالاتيان بكلمة (من)
فإن (من) هنا إنما يؤتى بها لللمبالغة في العموم أي تعم جميع الأشياء، ما
تعملون من عمل أيّ عمل كان صغيراً كان أو كبيراً قليلاً كان أو كثيراً يُرى
عند الناس أو يكون سراً في الظلام أو تحت الشمس. (إِلاَّ كُنَّا
عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ) يعني إذ تعملون ذلك الشيء
وتقومون به وتأخذون في صنعه والقيام به. (إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ
شُهُودًا) أي نحن مطلعون، عالمون لا يخفى عنا شيء ولا يعزب عنا مثقال ذرة.
وقال الله عز وجل (وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ)
لاحظوا كيف تأتي (من) مرة ثانية وثالثة للإستغراق في العموم والدلالة على
أن أيّ مثقال مهما كان قليلاً فإنه داخل في هذا العموم. (وَمَا يَعْزُبُ
عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ) ومثقال الذرة شيء لا يكاد يرى بالعين
المجردة ومع ذلك ربنا سبحانه وتعالى يبين لنا أن هذا لا يعزب أي لا يغيب
ولا يخفى عن الله سبحانه وتعالى ولا عن علمه ولا أيضاً عن كتابته. فكل ما
يكون في هذا الكون من حركات وسكنات سواء كان لبني الإسنان أو كان للجان أو
كان للثقلين أو غير الثقلين من دواب الأرض ومن الطيور وغيرها إلا والله
سبحانه وتعالى يعلم أحوالها وقد دوّن ذلك في كتاب وإن ذلك على الله يسير.
قال (وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ
وَلاَ فِي السَّمَاء) سواء كان ذلك في الأرض أو كان في السماء (وَلاَ
أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ) ما هو أصغر من الذرة وما هو أكبر منها
كله في كتاب مبين ومعلوم أن الكتابة هي مرحلة من مراحل الإيمان بالقدر.
فالإيمان بالقدر إيمان بعلم الله عز وجل الواسع الشامل وسع كل شيء رحمة
وعلماً ثم الإيمان بكتابته لهذا العلم فالله عز وجل لما خلق القلم قال له
اكتب فكتب ما هو كائن وكان ذلك قبل أن يخلق الله السموات والأرض بخمسين ألف
سنة ثم بعد ذلك المشيئة مشيئة الله للأشياء ثم خلقه لها وإيجاده لها بعد
العلم والكتابة والمشيئة فهذه مراتب الإيمان بالقدر لا بد على المسلم أن
يؤمن بها وأن يعلم أن كل ما كان وكل ما يكون من أعمالنا وأحوالنا وأعمال
غيرنا من الإنس والجن ومن في السماء حتى حركة الدواب كل ذلك قد دون وسجل
ولا يخفى على الله منه شيء.وإذا كان هذا المخاطب به هو ما يتصل ببني
الإنسان أو المكلفين الذين أُنزل عليهم القرآن فإن الله عز وجل قد بيّن في
آيات أخرى أن حركات حتى الحيوانات محسوبة ومقدرة ومكتوبة ومقدرة (وَمَا مِن
دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ
أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى
رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38) الأنعام) فإذا كان هذا في غير المكلفين فما
بالكم بغير المكلفين؟! وبهذا نعلم أن مجالسنا هذه وأن هذا الجهد وهذه
الخطوات التي نخطوها لبيوت الله عز وجل كلها مكتوبة وكلها محسوبة ولا شيء
يخفى على الله عز وجل منها. قال الله جل وعلا (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء
اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (62)) يبين الله
سبحانه وتعالى أن أولياءه لا خوف عليهم ولا يحزنون وهؤلاء أضيفوا إلى الله
جل وعلا إضافة تشريف وتكريم وهم القريبون من الله الذين عبدوا الله حقاً
وقد جاء تفسيرهم في الآية التي تليها بقوله (الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ
يَتَّقُونَ) فهؤلاء هم أولياء الله ولذلك لا ينبغي أن يختلف في تفسير
الولي لأنه قد جاء تفسيره في القرآن العظيم فهذا مما جاء البيان في القرآن
بتبيانه وكشفه فلا حاجة لنا لمعرفة ما يقال في غير القرآن. ولي الله هو
الذي آمن واتقى الله ولذلك ليس الولي هو الذي تجري على يده المعجزة أو
الخارقة أو الكرامة ولكن الولي الذي يؤمن ويتقي ولذلك قال الإمام الشافعي
إذا رأيت الرجل يمشي على الماء أو يطير في الهواء لا يغرنّك حتى ترى إلى
عمله أيوافق الكتاب والسنة أو يخالفهما؟ فنحن لا نعرف الناس بالكرامات ولا
نعرف الأولياء بخوارق العادات وإنما نعرفهم بإيمانهم وتقواهم لله عز وجل
فإذا كان متخلفاً عن أداء الواجبات ومتهاوناً في أداء المفروضات ومتعدياً
لحدود الله منتهكاً لحرماته فلا والله لا يمكن أن يكون ولياً لله حتى وإن
تمخرق على الناس وجاء بالعجائب. فالله عز وجل بيّن لنا حالهم هنا وقد جمع
وصفين (الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ) فالإيمان وصف دائم ثابت
لهم والتقوى وصف أيضاً من أوصافهم العظيمة وحقيقة التقوى أن تجعل بينك وبين
عذاب الله وقاية بفعل أوامره واجتناب نواهيه كما قال الشاعر:


خلِّ الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى

واصنع كماشٍ فوق أرض الشوك يحذر ما يرى

لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى

هذه هي حقيقة التقوى فسّرها بعض السلف بتفسير التقوى
أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله وأن تترك معصية الله
على نور من الله تخشى عقاب الله. وعلى كل الأحوال فتفسير العلماء للقتوى
يدور حول هذا التفسير. هؤلاء الأولياء قال الله عز وجل (لَهُمُ الْبُشْرَى
فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ) لهم البشارة والبشارة هي ما
يقدم للإنسان قبل حصوله على الجائزة فيبشر ويُسر بسماع الخبر السار أبشِ{
برضوان الله وأبشر برحمة الله. (لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ
الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ) يقول العلماء إن هذه البشرى تكون بالرؤيا
الصالحة التي يراها المؤمن أو تُرى له وهذا بحمد الله كثير فإن كثيراً من
الصالحين يُرى ما أعد الله عز وجل له من المنزلة والكرامة سواء يرونه
بأنفسهم أو يراه غيرهم لهم وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن النبوة
ذهبت وبقيت المبشرات، قيل وما المبشرات يا رسول الله؟ قال الرؤيا الصالحة
يراها المؤمن أو تُرى له. هذا واحد من المبشرات والثاني هي تلك البرشى التي
ينالها أو يسمعها أو يحصل عليها المؤمن عندما يكون في اللحظات الأخرى من
حياته كما قال الله عز وجل (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ
ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا
تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ
تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي
الْآخِرَةِ (31) فصلت) فالمؤمن إذا كان في حالة الاحتضار تأتيه الملائكة
وتبشره وتقول له أبشر بما يسرّك عند الله فالملائكة تبشر وبذلك يُسر المؤمن
ويُرى المؤمن في كثير من الأحوال ضاحكاً مسروراً مبتهجاً هذا السرور لأنه
رأى ملائكة بيض الثياب فيهم من الدلالات والعلامات ما يسر المؤمن كما ورد
في حديث البراء بن عازب إن المؤمن إذا حضره الموت جاءه ملائكة بيض الوجوه
بيض الثياب فقالوا اخرجي أيتها الروح الطيبة إلى روح وريحان ورب غير غضبان
فتخرج من فمه كما تسيل القطرة من فم السقاء وهذا في حديث طويل رواه الإمام
أحمد وأبو داوود والنسائي وغيرهم. قال الله عز وجل (لَهُمُ الْبُشْرَى فِي
الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ) لهم البشر في الآخرة بدخولهم الجنة
فهم إذا خرجوا من الصراط جاءت الملائكة تبشرهم تتلقاهم الملائكة وتبشرهم أن
لا خوف عليهم ولا هم يحزنون تبشرهم بالجنة فيسروا وتقر عينهم. وايضاً تكون
لهم البشرة بعد دفنهم فإنهم يأتيهم من يأتيهم في قبورهم فيبشرهم بجنة الله
عز وجل حتى إنه يفتح لكل واحد من المؤمنين باب إلى الجنة فيأتيه من روحها
وريحانها فيقول يا رب أقم الساعة يا رب أقم الساعة لما يعلم أن ما ينتظره
خير مما هو فيه. قال الله عز وجل (لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ) أي
ذلك وعد من الله حتماً سيقع والله لا يخلف الميعاد والله لا يغيّر ما وعد
به عباده فعل المسلم أن يطمئن وأن يعلم أن هذا الوعد من الله لا تغيير فيه
ولا تبديل. قال الله عز وجل (ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) أي ذلك
الفوز الذي فازه هؤلاء والخير الذي حصّله هؤلاء الأولياء جعلني الله وإياكم
منهم هو الفوز الذي يجب أن يتنافس الناس فيه وهو أعظم الفوز أن ينالوا هذا
الرضوان وأن ينالوا هذه المبشرات في الدنيا والآخرة. أسأل الله بمنّه
وكرمه أن يجعلني وإياكم من أوليائه المتقين الذين لا خوف عليهم ولا هم
يحزنون أسأل الله بمنه وكرمه أن يجعلني وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون
أحسنه أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم والسلام عليكم ورحمة الله
وبركاته.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: موسعة برامج القران الكريم متعدد الحلقات   الخميس 6 مايو 2010 - 15:15

الحلقة 12

د.
الخضيري:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد
لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. هذا المجلس هو
المجلس الحادي عشر من مجالس هذا البرنامج المبارك لنحيا بالقرآن وهذا
البرنامج نحاول أن نأخذ بعض الهدايات العملية من الآيات القرآنية التي
نتلوها بتكرار واستمرار ونحفظها وتتردد على مسامعنا كثيراً. اليوم معنا
سورة القدر هذه السورة العظيمة التي بين الله سبحانه وتعالى فيها منزلة
ليلة القدر وأن الله شرّف هذه الليلة بشرف عظيم وأنه أنزل فيها القرآن
الكريم فشرُفت هذه الليلة بهذا الشرف العظيم وهو إنزال القرآن. وجعل الله
سبحلنه وتعالى هذه الليلة خيراً من ألف شهر يعني أن العمل الصالح فيها بعدل
عند الله جل وعلا عمل ألف شهر. وألف شهر عمر إنسان كامل من أمة محمد
وزيادة لأنه يتضمن ثلاث وثمانين سنة وأربعة أشهر فأنت إذا تعبدت لله عز وجل
في هذه الليلة وأحسنت العبادة حصّلت أجراً عظيماً وزاداً وافياً وافراً
تقدم به على الله عز وجل. وانظروا بأي شيء شرّف الله عز وجل هذه الليلة؟
لقد شرف الله عز وجل هذه الليلة بإنزال القرآن. وهذا يدلنا على أن القرآن
شرف وأنه إذا كان في شيء كان شرفاً له. إذا كان في ليلة شرفت تلك الليلة
فصارت خيراً من ألف شهر خيراً من ثلاث وثمانين سنة وأربعة اشهر، وإذا كانت
في جوف الإنسان فاذا يكون هذا الإنسان؟


د.
الربيعة:
لا شك أنه عظيم، ويعظم. ولعلنا أيضاً
نأخذ من هذا المعنى الجميع أن الله عز وجل اختار لإنزال كتابه ليلة مباركة
أن المسلم القارئ للقرآن ينبغي أن يختار لكتاب الله عز وجل في قرآءته أعظم
أوقاته وليس فاضل أوقاته بل يختار أصفى أوقاته وهي الليل والفجر ووقت
الصفاء وليس وقت الفراغ الذي بعد كدّه وتعبه يقرأ، ولا يؤتيك القرآن ثماره
وتجد الأُنس به إلا حينما تقرأه بصفاء وبوقت تفرّغ فهذا من تعظيم القرآن
فينبغي أن نعظم وقت القرآن كما عظمه الله عز وجل.


د.
الخضيري:
ولذلك ذكر الله عز وجل في سورة المزمل
(إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْءًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (6))
يعني إن قرآءة القرآن بعد قيام الليل إلى الفجر هي أشد مواطئة للقلب وأقوم
قيلا يعني هذا القول يكون ظاهراً بيّناً مفيداً للنفس مؤثراً فيها وهذه
إشارة في غاية الروع نحن نقول إحرصوا على أن تقرأوا القرآن في أوقات تخلو
فيها النفس من جميع مشاغلها، تكون فيها النفس خالية مقبلة لا شيء يشغلها بل
وأبعدوا عن أنفسكم المشاغل وأنتم تقرأون القرآن يعني لا ينبغي للإنسان أن
يقرأ القرآن مثلاً وهو يشاهد التلفاز أو مثلاً يقرأ القرآن وهو بين أولاده
يلعبون عنده أو غير ذلك قد يقرأه الإنسان فيؤجر ولكنه يحرم من بركاته
وهدايته والفوائد العظيمة التي يحصّلها من قرآءة القرآن.


د.
الربيعة:
تأمل الله عز وجل قال (وَقُرْآنَ
الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (78) الإسراء) لماذا
خصّ الفجر؟ هذا وقت النزول الإلهي والملائكة وكما قال ابن القيم (إِنَّ
قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) يشهده الله وملائكته. وقت الفجر مع
هذا الفضل لأن وقت شهود الله وملائكته فإنه وقت صفاء ووقت روحانية والحقيقة
هذا أمر مجرّب كثير من الإخوة الذين يقولون أن أجعل وردي اليوم بعد صلاة
الفجر خاصة إذا أخذ قسطاً من النوم ليلاً فإنه يجد في هذه القرآءة متعة بعد
الفجر وقبل الفجر. وقبل الفجر أفضل لمن وفقه الله وأعانه على القيام كمثل
أيام رمضان. ايام رمضان أيام فاضلة، أيام صفاء وليالي رمضان أيضاً صافية
ونحن في ليالي رمضان نقوم مع الإمام كم يجد الإنسان من متعة ويقرأ ويسمع
كلام الله عز وجل خلف إمام قارئ ذا صوت حسن يجد للقرآن طعماً. ولذلك تجد
رجوعاً للقرآن في وقت رمضان وتجد حياة في رمضان من المسلمين وتغيراً ما
تجده في غيره وغير ذلك من الأوقات التي نشير إليها إشارة في هذه الآية .في
السورة بعد ذلك قول الله عز وجل (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ
الْقَدْر) شرف هذه الليلة العظيمة


د.
الخضيري:
هذه الليلة العظيمة كما قال العلماء هي
في رمضان وهي في العشر الأواخر من رمضان وترجى في أوتار العشر أكثر من
أشفاعها وقد ذكر العلماء أن أرجى تلك الليالي ليلة السابع والعشرين ومع ذلك
هي تتحول كما قال العلماء فقد تكون في ليلة خمس وعشرين وقد تكون في ليلة
الثالث والعشرين وقد تكون في ليلة واحد وعشرين أو تسع وعشرين.


د.
الربيعة:
هل نلمس فضائل لهذه الليلة في تفضيلها؟ م
حكمة تفضيلها وتشريفها؟


د.
الخضيري:
سميت ليلة القدر من وجهين الوجه الأول
ليلة القدر بمعنى ليلة الشرف والمنزلة أُنزل فيها القرآن ومن تعبد لله عز
وجل فيها وأخلص فيها العبادة وقام فيها الليل كله أو أكثره حصل له الشرف
والمنزلة والعظمة بقدر ما حصّل. ويمكن أن تكون أيضاً ليلة القدر من التقدير
لأن الله عز وجل يجعل فيها مقادير العام كله (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ
أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) الدخان) لأن مقادير الله قد كتبت في اللوح المحفوظ هذا
التقدير العام الكلي الشامل ثم يأتي التقدير العمري وهو الذي يكون عندما
يرسل الملك والإنسان في بطن أمه فيكتب عمره وعمله شقيٌ أو سعيد ثم يأتي
التقدير الحولي وهو الذي يكون في ليلة القدر. ففي هذه الليلة تكتب المقادير
فتفصل من اللوح المحفوظ كأنها سجلات مستقلة لهذا العبد ثم يأتي من بعد ذاك
التقدير اليومي (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (29) الرحمن) فهذه الليلة
ليلة عظيمة


د.
الربيعة:
ولعلنا نأخذ شرف هذه الليلة من السورة
أيضاً، تأمل الأوصاف التي وصفها الله تعالى في هذه السورة في أربع صفات
(إِنَّا أَنزَلْنَاهُ) نزول القرآن، فشرفت بنزول القرآن (إِنَّا
أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ
الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3)
تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ
أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5)) فهي ليلة تتنزل
فيها الملائكة والروح فيها بإذن ربهم، فيها نزول أمر الله (فِيهَا يُفْرَقُ
كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) الدخان). والأمر الرابع (سَلَامٌ هِيَ حَتَّى
مَطْلَعِ الْفَجْرِ) وصفها الله بالسلام. فهذه الأوصاف الأربعة تدل على شرف
هذه الليلة العظيمة التي نسأل الله عز وجل أن أن يشرفنا بأن نكون من أهلها
والقائمين فيها.


د.
الخضيري:
ومما ينبغي أن ننبه عليه عندما نتحدث عن
هذه السورة قال النبي صلى الله عليه وسلم "من قام رمضان إيماناً واحتساباً
غفر له ما تقدم من ذنبه" ومن صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم
من ذنبه" ومن قام ليلة القدر غفر له ما تقدم من ذنبه. وأنا أهيب بنفسي
وبإخواني أن يغتنموا هذه الفرصة وهي فرصة ليلة القدر في أن يجتهدوا في
العبادة فيها وهي من رحمة الله بنا هذه الأمة، جعل لنا مثل هذه المواسم
التي ندرك فيها ما حصّله السابقون من الأمم من طول الأعمار.


د.
الربيعة:
وإنمك تجد للأسف الشديد في أوقاتنا
الحاضرة في الإجازات إذا توافق رمضان إجازة تلحظ عدم مبالاة كثير من
المسلمين من يضيع هذه الليالي الشريفة التي يُرجى أن تكون ليلة القدر
خصوصاً أنها ليلة قرب أيام العيد فينشغل الناس بشراء حاجاتهم والخروج إلى
الأسواق ووالله هذا حرمان وخشران أن ينشغل الإنسان بأمور دنياه عن أمر عظيم
له له به من الأجر سنوات.


د.
الخضيري:
عندي لفتة أرجو أن يتسع صدركم لها، لما
يذكر الله عز وجل ليلة القدر ويقول إنها ليلة فيها يفرق كل أمر حكيم وفيها
تقدر المقادير ألا يدلنا هذا على أن ربنا سبحانه وتعالى يبين لنا أن الأمور
تجري بتقدير ولا تجري سبهللة مع أن الله سبحانه وتعالى قادر على أن تدور
الأمور كما شاء بدون أن تكون هذه المقدمات لكنه سبحانه وتعالى يقدر كل شيء
قدره ويعطي لكل شيء حقه فهناك كتابة أزلية كتبت في اللوح المحفوظ كُتب كل
شيء يكون في هذا الكون قال الله عز وجل للقلم اُكتب، قال ما أكتب؟ فكتب
مقادير كل شيء إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار. ثم يأتي من
بعد ذلك يأتي التقدير العمري يعني عندما ياذن الله بخلق هذا الإنسان وخلق
الروح يكتب أجله وعمله وشقي أو سعيد ثم التقدير الحولي تخطيط خطة عامة
للحياة ثم خطط تفصيلية لكل شيء.


د.
الربيعة:
يدلك على عظمة شرع الله عز وجل ونظام
الكون كله


د.
الخضيري:
فيجب علينا نحن أن نكون منظمين ونخطط لكل
شيء.


د.
الربيعة:
هذا معنى لطيف وجميل أن يكون المسلم حقاً
منظماً ومرتباً في كل شؤون حياته.


د.
الخضيري:
هنا أيضاً لفتة أخرى أتمنى أن نتلمسها من
هذا الجانب وهي أن الأعمال عند الله ليست شيئاً واحداً بمعنى أن هناك
عملاً يساوي أعمالاً وهناك ليلة تساوي ليالي. وهناك عمل مع كونه أن له
أجراً مع فضله لكنه ليس بتلك المنزلة فعليه ينبغي للمسلم أن ينتهز الفرصة
ويعلم أن هناك أعمالاً هي أفضل. الأعمال نوعان أعمال فاضلة تساوي أعمالاً
كثيرة. وأقول يا إخواني تفقهوا في الأعمال وتفقهوا في مراتب الأعمال. قد
تذكر الله بقولك سبحان الله والحمد لله وقد تقرأ آية أو سورة من كتاب الله
عز وجل وهذا ذكر وهذا ذكر وكل محبوب من الله ولكل شيء منهما وقته لكن تأكد
أيهما أفضل في ذلك الوقت لك أنت. قد يكون الأفضل أن يحمد الله ويسبحه وقد
يكون الأفضل لفلان هو أن يقرأ القرآن ويتدبره ويعمل بما به.


د.
الربيعة:
وهذا معنى لطيف أشار إليه شيخ الإسلام
بعض الناس يفتح له في باب من الخير يجد فيه قلبه ويجد فيه افتقاره لله عز
وجل كالصلاة والصيام وهذا من رحمة الله وفضله. نمر سريعاً على الايات
البقاية في السورة كما يقول الله عز وجل (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ
أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ
رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ
(5)) الملائكة يتنزلون في تلك الليلة فلماذا؟


د.
الخضيري:
يتنزلون كما قال العلماء لأنهم يشيعون
السلام والأمن ويشهدون مواطن العبادة مع المسلمين. تلك الليلة لا يمرون
بقوم من المؤمنين إلا سلموا عليهم وتسليم الملائكة دعاء نسأل الله أن
يسلمكم من كل بلاء ومن كل ضر ومن كل فتنة ومن كل عذاب.


د.
الربيعة:
تأمل ايها المسلم الكريم وأنت تذهب إلى
بيت الله عز وجل تصلي في تلك الليالي الفاضلة وأنت تصوم وأنت تذكر الله
وأنت تتصدق الملائكة تحفك تسلم عليك وتستغفر لك.


د.
الخضيري:
بل الآن أن بعض المسلمين عندما يذهب
للصلاة تجده ينظر متى يأتي الإمام؟ تأخر الإمام دقيقة أو دقيتين، هذا والله
من الشيطان! لماذا نستبطيء جلوسنا في المساجد مع أن نبينا صلى الله عليه
وسلم قال كلمة عظيمة جداً لو علم بها من يأتون إلى المساجد ويستعجلون لما
فعلوا الذي يفعلون. قال عليه الصلاة والسلام: الملائكة تصلي على أحدكم ما
دام في مصلاه تقول اللهم اغفر له اللهم ارحمه ما لم يُحدث. إذن لماذا لا
تستكثر من دعاء الملائكة وهم يدعون لك ما دمت تنتظر الصلاة؟! بل يقول النبي
صلى الله عليه وسلم " وما يزال الرجل في صلاة ما دام ينتظر الصلاة"


د.
الربيعة:
معنى لطيف قد نلمسه في قول الله عز وجل
(تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ
أَمْرٍ (4)) مما يدلك على أن جبريل العظيم الذي هو أمين الوحي يتنزل في
تلك الليلة ولعل هذا دليل والله تعالى أعلم أن جبريل لا يتنزل إلا لأمر
عظيم لما كانت تلك الليلة عظيمة كان نزول جبريل مع الملائكة وإلا فالملائكة
تنزل في الليل والنهار فهذا يدلنا على أن خيار الملائكة تنزل تلك الليلة
العظيمة لتعيش مع خيار عباد الله في صلاتهم وعبادتهم وذكرهم لله عز وجل
نسأل الله أن يجعلنا منهم.


د.
الخضيري:
هذا يدلنا على أن الملائكة معنا وأننا
يجب أن نحب هؤلاء الملائكة وأن نعترف لهم بالفضل فهم يدعون لنا وهم يسلمون
علينا وهم يشهدون مجالسنا الطيبة وهم يتعاقبون علينا ويحفظوننا كما ذكر
الله عز وجل في سورة الرعد (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ
خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ (11)). إذن نأخذ من هذ السورة
محبة الملائكة بل والاستكثار بهم، كيف تستكثر بهم؟ عندما تشعر أيها المؤمن
أنك ضعيف وأن الأعداء قد هيمنوا عليك وأنهم قد أحاطوا بك من كل جانب أو أن
أعداء الإسلام أو من يناوؤنك ويعادونك قد آذوك تذكر أن ملائكة الله الذين
لا يحصي عددهم إلا الله معك.


د.
الربيعة:
بل يأنس الإنسان بهم إذا رأى قلة
المؤمنين وقلة الطائعين وقلة المصلّين فيأنس أن هنالك ملائكة تحضر الصلوات
وتحضر مجالس الذكر


د.
الخضيري:
وتؤيد المؤمنين وتمدهم وتكون معهم وهذه
سلوى للمؤمن. أسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بكلامك وأن يجعلنا من
الصالحين من عباده نسال الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول
فيتبعون أحسنه أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم وأصلي واسلم على نبينا
محمد والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: موسعة برامج القران الكريم متعدد الحلقات   الخميس 6 مايو 2010 - 15:17

الحلقة
العاشرة


د. الخضيري:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. في
برنامجكم لنحيا بالقرآن هذا هو المجلس التاسع من مجالسنا مع سور قصار
المفصل. وفي هذه السور نحن لا نرمي إلى بيان معاني الآيات ولا نثير في
تفسيرها وإنما نذهب إلى مواطن العمل والهداية ونأخذ منها ما نظن أنه سهل
ميسور عليكم حتى نعمل به في حياتنا. ولنضرب مثالاً في ذلك سورة العلق التي
هي تحفيز على طلب العلم وعلى الهداية بالعلم وتعلم الخط والكتاب وأن الله
سبحانه وتعالى امتن علينا بهما وجعلنا نتعلم من خلالهما. هذا المعنى
المقصود في السورة ظاهر فيها حيث افتتحت الآيات الخمس الأولى بذلك (اقْرَأْ
بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴿١﴾ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴿٢﴾
اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴿٣﴾ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴿٤﴾
عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴿٥﴾) ثم قال الله بعد ذلك (كَلَّا
إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى (6) أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى (7)). فالمقصود أن
الآيات الخمس الأولى هي من أول ما أنزله الله سبحانه وتعالى في كتابه وهي
دلّتنا على هذا المعنى العظيم أنه لا حياة للأمة ولا رقي ولا تقدم ولا نجاة
لها إلا بأن تكون أمة قارئة وأمة تكتب وتستفيد من القلم وأن القلم والعلم
رفعة للناس من الجهل والانحطاط وأنه سبب لنجاة الناس من الخسران بإذن الله
جل وعلا. دعونا نقف مع بعض آيات هذه السورة ونحاول أن نستنبط العبر والدروس
العملية من آياتها.


د. الربيعة:
أحب أن أبيّن ما ذكرتَه في أول هذه السورة العظيمة ونؤكد أنها أول سورة
نزلت مما يدلنا دلالة واضحة على أهميتها وبدؤها بالأمر بالقرآءة للنبي صلى
الله عليه وسلم يدلنا على أن الله تعالى أراد لهذه الأمة أن تكون أمة إقرأ
أمة العلم لأن العلم هو موضع الصعود والعلو والرفعة فالله سبحانه وتعالى
أراد لنا الرفعة بالعلم، أولاً العلم الشرعي علم الله الشرعي وأوامره
ونواهيه والعلم الدنيوي حتى في أمور الدنيا يجب أن نكون على علم وبينة
لنسبق العالم ونكون ذا شأن فيه


د. الخضيري: حتى
نكون أمة قوية وتستغني عن الآخرين، قال الله عز وجل (وَأَعِدُّواْ لَهُم
مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ (60) الأنفال) والقوة شاملة.


د. الربيعة:
أقف مع كلمة (إقرأ) هذه الكلمة العظيمة ذات الدلالات الكثيرة افتتح الله
سبحانه وتعالى نزوله بالوحي. وكما نعلم في حديث بدء الوحي أن جبريل عندما
أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له إقرأ فقال النبي ما أنا بقارئ
قال فأخذني فشدني حتى بلغ مني الجهد ثم قال لي إقرأ فقلت ما أنا بقارئ
فأخذني فشدني حتى بلغ مني الجهد ثم قال إقرأ باسم ربك الذي خلق، هذا
التأكيد ثلاث مرات بالأمر على ماذا يدل؟


د. الخضيري:
يدل على أهمية ما سيلقى على النبي صلى الله عليه وسلم وهو الأمر بالقرآءة


د. الربيعة:
وأن هذا الوحي يحتاج إلى قلب يعي هذا الوحي العظيم ويحتاج إلى أن الإنسان
ينبغي أن يتحمل عبء الدعوة وعبء هذا الوحي العظيم في تبلغيه والصبر عليه لا
شك أنه أمر يحتاج المسلم أن يهتم به غاية الاهتمام.


د. الخضيري:
من ذكرك لهذا الحديث العظيم عن نزول جبريل عليه السلام على النبي صلى الله
عليه وسلم أول مرة في غار حراء يتعبد لله عز وجل فغطه غطاً شديداً حتى بلغ
منه الجهد ثلاث مرات، أقول أن هذا فيه فائدة تربوية أن لا نلقي المعلومات
على أبنائنا وأطفالنا وتلاميذنا في المدارس جزافاً فجبريل عندما أراد أن
يلقي المعلومات على النبي هيأه لذلك ثلاث مرات هذه الثلاث تجعله يستقبل
المعلومة بكل حفاوة ولا يمكن أن ينساها. أنت إذا ألقيت عشر معلومات على
متعلم يمكن أن يلقي منها سبع ويأخذ ثلاث لكن عندما تعطيه المعلومة بصورة
مؤكدة ومحفزة وبعدد من الطريق وبأساليب متنوعة هذا يدعوه إلى أن يحفظ هذه
المعلومة ولا ينسى شيئاً منها


د. الربيعة:
أنت إذا أردت أن تنبه إبنك وهو غافل ربما تشده لينتبه، أساليب التنبيه
كثيرة وفي هذا العصر تعددت أساليب التنبيه والتعليم والتوجيه مما ينبغي أن
نأخذ منها ونستفيد بها. تأملت في أول آية افتتح الله كتابه وفي آخر آية
نزولاً وهي آية الدين. فأول ما ابتدأ الله عز وجل نزول هذا الوحي كلمة
(إقرأ) للنبي صلى الله عليه وسلم ثم بدأ النبي صلى الله عليه وسلم يلقن
أصحابه ومن يؤمن من الناس بالقرآءة فيعلمهم القرآءة قرآءة هذا القرآن
الكريم أولاً. في آخر ما نزل آية الدين التي فيها الأمر بالكتاب (يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ
مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ
يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ
وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ (282) البقرة) تكررت كلمة كتب في
الآية كثيراً وهذا التكرار ليس إلا لحكمة عظيمة وهي لا شك حكمة عظيمة وهي
آخر آية وقد وقفت معها متأملاً أنها آخر آية نزلت في أقوال مختلفة لعل هذا
من أظهرها وهي آية طويلة لعل هذا إرشاد من الله لنا بعد أن تلقينا الوحي
تلقياً وحفظاً أن نحفظ هذا الدين بكتابة والتدوين كأن هذا أمر من الله
تعالى أن تعلم الكتابة لندوّن الشريعة بعد قبض النبي صلى الله عليه وسلم
وانقطاع الوحي فانظر كيف أن الله عز وجل عنى بهذه الأمة في حفظ هذا الوحي
نتلقاه وحفظه أن نكتبه ونحفظه، ملحظ ينبغي أن نتنبه له ونحن نقرأ هذه
السورة وتلك الآية الكريمة.


د. الخضيري:
أنت الآن انتقلت إلى معنى آخر في الايات وهو تدوين العلم وحفظه وهذا أمر
قصّر فيه المسلمون في الأزمنة المتأخرة وقد بالغ المسلمون في العناية به في
الأزمنة المتقدمة وكان أحد أسرار انتصارهم وعزهم وهيمنتهم واتساع علومهم
أما نحن الآن نسمع كثيراً في التلفاز والراديو والأشرطة ونقرأ في الكتاب
ولكننا لا ندوّن بل ولا ندون معلوماتنا وتجاربنا التي استفدناها في حياتنا
وهذا لا شك أثّر علينا فكثير من التجارب ومن العلوم وكثير من الأشياء ذابت
وذهبت وانذثرت بل حتى تزول عن الإنسان نفسه فقد يكون حصل على معلومة في وقت
من الأوقات ثم بعد خمس أو عشر سنين نسيها لأنه لم يدونها ولم يحتفظ بها
فأنا اقول هذا تنبيه لنا جميعاً أن ننتبه للقلم ولذلك قال الله عز وجل
(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴿١﴾ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ
عَلَقٍ ﴿٢﴾ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴿٣﴾ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ
﴿٤﴾ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴿٥﴾) وكأنها بشارة لمن يكتب
بالقلم أن الله سبحانه وتعالى سيعلمه علماً لم يكن عنده إذا أمسك القلم
وبدأ يدون ملاحظاته ويفتح الله عليه.


د. الربيعة:
والدليل في قوله تعالى في آخر آية الدين (وَاتَّقُواْ اللّهَ
وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ) قال بعض المفسرين اتقوا الله بتعلّم الكتابة
فيعلمك الله تعالى ويفتح عليكم كما فتح الله لهذه الأمة من العلوم الشيء
الكثير. خاطرة أخيرة حول ابتداء الله تعالى بإقرأ أنه ينبغي أن نتعلم
القرآءة قرآءة كتاب الله عز وجل فينبغي أن يكون لنا ورد يومي بقراءة كتاب
الله عز وجل لتحيا به قلوبنا ونحن نتحدث عن الحياة بالقرآن فوالله الإنسان
الذي له ورد يومي يقرأ كتاب الله تعالى قراءى متدبرة سيجد فيها سعادة
واطمئنان في الحياة. الأمر الثاني أن يكون لنا شأن في القرآءة عموماً في
علوم الشريعة بل قرآءة علوم الدنيا لنتعلم بها ونتبصر ونكتفي بها عن غيرنا
ومن المؤسف لو رأينا واقع أمة الإسلام في أمر القرآءة لوجدناه مؤسفاً بينما
تجد الغرب من أساسيات حياتهم القرآءة والكتابة.


د. الخضيري:
لا تكاد تجد إنساناً في عمله أو في مؤسسته أو في حياته الشخصية إلا وهو
يجون ملحوظاته في مذكرات ويكتب كل ما يمر به في حياته من أمور وتجارب
تاريخية علمية أدبية ولذلك تتجمع هذه المعلومات وتصبح كماً كبيراً لأنها
بنتف صغيرة.


د. الربيعة:
أذكر نوذجاً جميلاً ليكون مثالاً: أحد الإخوة يقول جعلت لإبني ورداً يومياً
من أيسر الأمور وهو أن يقرأ صفحة من كتاب الله تلاوة وأن يقرأ صفحة من
كتاب في كل يوم وجعلت الأمر منافسة بين أولادي وتخفيزاً لهم بجائزة، انظر
كيف يتعلم الطفل القرآءة والكتابة خطوة خطوة ليكون ذا معرفة وإدراك تتفتح
له أمور الخير ويحمي نفسه من هذه الأفكار التي تأتي من هنا وهناك. لو
تجاوزنا في هذه السورة (خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ) هل هناك سر أنه
بدأ بالقرآءة ثم ذكر بعده الخلق؟ ما سر تقديم القرآءة؟ (اقْرَأْ بِاسْمِ
رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴿١﴾ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴿٢﴾) مما يدلك
فيما يظهر أن أمر العلم منّة الله عز وجل على الإنسان بهذا العلم وأعظم
ذلك تعليمه هذا القرآن أعظم من خلقه أليس الله يقول (الرَّحْمَنُ (1)
عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنسَانَ (3) الرحمن) فلا شك أن منّة
الله تعالى علينا بتعليمنا هذا القرآن وهذا الوحي أعظم من هذا الخلق لأن
الخلق يشترك معنا فيه سائر الخلق لكن هذه المنة العظيمة منة الهداية والوحي
خص الله تعالى البشر به.


د. الخضيري:
وتأكيداً على هذا الكلام ما جاء في بداية البقرة (وَعَلَّمَ آدَمَ
الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ
أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُواْ
سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ
الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ
فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي
أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا
كُنتُمْ تَكْتُمُونَ (33)) فبيّن أن العلم هو الذي تميز به آدم عليه الصلاة
والسلام على الملائكة وقال العلماء لو كان هناك يتميز به آدم أعظم من
العلم لميّزه الله به فكان العلم بذلك أعظم ميزة يتميز بها الإنسان.


د. الربيعة:
ولذلك نستطيع أن نقول للشاب والشابة أن شرفك في العلم ليس شرفك في بدنك ولا
زينتك ولا نسبك وللأسف نجد كثيراً من الشباب همّه ديكوره، الديكور الذي
يخرجه أمام الناس لكن الشرف والعز والرفعة في مقامك بين الناس هو بالعلم
ولا شك في ذلك.


د. الخضيري:
لذا نحن نؤكد ونقول إعلموا أن العلم هو عزّ الإنسان ومصدر شرفه فعلينا أن
نهتم بالعلم بوسائله الكثيرة التي أتيحت لنا في هذا العصر لم تتح لمن كان
قبلنا ونحمد الله على توفرها وتيسرها فتستطيع هذا عن طريق الانترنت والصحف
والمجلات والقنوات المفيدة والأشرطة والإذاعات.


د. الربيعة: هذه
الأمور لم تكن من قبلنا ولذلك انظر قول الله عز وجل في هذه السورة
(عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) كم علمنا الله تعالى من علوم. نحن
ربما نسمي هذا العصر عصر العلم وكم من العلوم انتشرت اليوم وهذا يدل على
أن العلوم التي عند الله عز وجل لا منتهى لها.


د. الخضيري:
كل ما أوتيه الناس من علم الله عز وجل مثل ما يُدخل أحدنا المخيط أو الإبرة
في البحر فلينظر بم ترجع هذه العبرة، يعني هذا هو مقدار علوم كل الناس منذ
أن خلقهم الله عز وجل بالنسبة إلى علم الله عز وجل (وَلَوْ أَنَّمَا فِي
الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ
سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ
حَكِيمٌ (27) لقمان)


د. الربيعة:
وقوله (وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) بالنسبة لعلم
الله, وهذا يجعلنا نسأل الله عز وجل أن يفتح لنا أبواب العلم وأن يعلمنا ما
لم نعلم وأن يرزقنا فهم كتابه والعلم به وهذا ما أوصي به نفسي وإخواني أن
يكون دعوة دائمة في ليله ونهاره بهذه الدعوة.


د. الخضيري:
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علماً ينفعنا وفي القرآن
(وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا (114) طه) هذه وصية من الله لنبيه صلى الله
عليه وسلم ليزيده. وموسى عليه الصلاة والسلام رحل رحلة طويلة لأن الله
علمه أن هناك في الأرض من يعلم علماً لا يعلمه موسى مع أنه هو كليم الرحمن
وسيد أهل الزمان ومع ذلك أمره الله أن يرحل ليتعلم فالعلم شرف ولذلك نقول
لأنفسنا عليكم بالعلم، يقولون العلم من المحبرة إلى المقبرة ينبغي أن يكون
هذا برنامج أو ديدناً لنا نأخذه نأخذه على أنفسنا ونعلمه أبناءنا ونحرص
عليه فإن شرفنا وعزنا يكون بعد إذن الله عز وجل في تعلمنا وفي حرصنا على
العلم. أسأل الله أن يوفقنا لنكون من العلماء الصادقين الصالحين وأن يجعلنا
ممن يعملون بعلم وأن ينفعنا بما علمنا ويرزقنا علماً ينفعنا وإلى لقاء
قادم مع بقية هذه السورة الكريمة وهي سورة العلق وصلى الله وسلم على سيدنا
محمد والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: موسعة برامج القران الكريم متعدد الحلقات   الخميس 6 مايو 2010 - 15:18



الحلقة التاسعة

د. الربيعة: بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه
أجمعين. هذه الجلسة السابعة من جلسات برنامجكم (لنحيا بالقرآن) نسأل الله
تعالى أن يحيي قلوبنا بالقرآن. وهذه الجلسة ستكون مع سورة تنشرح بها الصدور
وتأنس بها النفوس إنها سورة الشرح. ويقول الله عز وجل (أَلَمْ نَشْرَحْ
لَكَ صَدْرَكَ ﴿١﴾ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ﴿٢﴾ الَّذِي أَنْقَضَ
ظَهْرَكَ ﴿٣﴾ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴿٤﴾ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ
يُسْرًا ﴿٥﴾ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴿٦﴾ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ
﴿٧﴾ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ﴿٨﴾) هذه السورة العظيمة هي متممة لسورة
الضحى ولذلك تأمل قوله تعالى (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) كما قال في
سورة الضحى (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى) فهي متممة لتمام امتنان الله
عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم.


د. الخضيري: إذن ما الفرق بينها وبين
سورة الضحى؟


د. الربيعة: يبدو والله أعلم للمتأمل
والمتدبر أن الفرق بينها أن سورة الضحى تضمنت امتنان الله عز وجل على نبيه
بالنعم الحسية التي فيها اليتم والضلال والفقر وأما هذه السورة فهي في
امتنان الله عز وجل على نبيه بالنعم المعنوية بشرح الصدر ووضع الوزر ورفع
الذكر. فهذه السورة حينما نتأملها نجد أنها في امتنان الله عز وجل على نبيه
صلى الله عليه وسلم أولاً وهي أيضاً تظهر للمسلم حينما يقرأها امتنان الله
عز وجل عليه ما أتاه من انشراح صدره بهذا الدين (أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ
صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ (22) الزمر)
والله لن يكون للإنسان انشراح صدر تام إلا بهذا الدين. ثم أيضاً امتنان
الله عليه بمغفرة ذنبه ورفع ذكره بأن جعله في هذا الدين عزيزاً شريفاً أشرف
مخلوق. فما أعظم هذه السورة حينما نتأملها وحينما ننظر إليها من هذا
المنظار. لعلنا نأخذ بعض آياتها التي فيها بعض الجوانب التي نعيشها في
حياتنا.


د. الخضيري: لعل أول شيء نلاحظه في هذه
السورة قول الله عز وجل (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) هذا الاستفهام
يسميه العلماء استفهام التقرير يعني هذا تقرير من الله عز وجل لنبيه صلى
الله عليه وسلم بأن يقول له قد شرحنا لك صدرك ألم نشرح لك بمعنى قد شرحنا
لك صدرك، هذه نعمة وكون الرب سبحانه وتعالى قدّمها في هذه السورة تدل أيضاً
ولا شك أن من أعظم النعم وأجلّها وأعلاها منزلة هو أن ينشرح صدر الإنسان
فقد يكون عند الإنسان قصر وسيارة وزوجة وولد ومال وأشياء كثيرة ولكن صدره
ضيق فلا يأنس بشيء من متاع الدنيا. وقد يكون الإنسان على عكس ذلك لا زوجة
ولا ولد ولا بيت ولا سيارة وهو فقير وحاله بائسة لكن نفسه منشرحة فهو يعيش
نعيم الدنيا ولذتها. ولذلك نقول للمشاهدين تعلموا كيف تشرحون صدوركم بهذا
الدين وبهذه النعمة وبهذا الوحي، حتى قال بعض السلف إن في الدنيا جنة من لم
يدخلها لم يدخل جنة الآخرة. تصور أن الإنسان إذا حافظ على ذكر الله عز وجل
اطمأنت نفسه، إذا حافظ على أوراد الصباح والمساء اطمأن قلبه (أَلاَ
بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) الرعد) إذا حافظ على ورده من
هذا الكتاب هذا القرآن العظيم تقرأ منه كل يوم ما شاء الله متدبراً ينشرح
صدرك، إذا رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم
نبياً ورسولاً فإنك تنشرح نفسك، إذا علمت أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما
أخطأك لم يكن ليصيبك إنشرح صدرك. إذن علينا جميعاً أن نسعى لشرح صدورنا وأن
نعلم أن شرح الصدور له أسباب وأن من أعظم الإيمان ومن أعظم أسبابه العمل
الصالح ومن أعظم أسبابه قراءة القرآن بالتدبر ومن أ‘ظم أسبابه الدعاء، ومن
أعظم أسبابه المحافظة على أذكار الصباح والمساء ومن أعظم أسبابه الرضا
بالقضاء ترضى بقضاء الله وقدره ينشرح صدرك فمن رضي بقضاء الله وقدره اطمأنت
نفسه. ثم لا ننسى الدعاء ادعوا الله أن يشرح صدوركم في صبيح كل يوم قُل رب
اشرح لي صدري ويسر لي أمري مثلما دعا موسى عليه السلام لما كُلِّف
بالرسالة قال (قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي
(26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي (27) طه) فنحن ينبغي لنا أن ننتبه
لموضوع شرح الصدر.


د. الربيعة: وهناك نقطة مهمة هي أن
المسلم حينما يصيبه همّ أو غمّ أو تضيق به أمور الدنيا من قلة العيش فليقرأ
هذه الآية (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) ألم يؤتيك الله هذا الدين
نعمة؟ أنت مسلم وأنت مؤمن كفاك أن ينشرح صدرك بهذه النعمة العظيمة حينما
فقدت أمور الدنيا.


د. الخضيري: (قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ
وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا
يَجْمَعُونَ (58) يونس). النبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر أن يدعو
ويستعيذ بالله عز وجل من الهمّ والحزن لأنهما إذا جثما على قلب إنسان ضاقت
الدنيا في عينه وتكدر عيشه وأصبحت حياته عذاباً مع العلم أنه قد يكون في
سعة من الرزق وقد يكون في رغد من العيش لكن إذا ضاق الصدر لا يمكن أن يُملأ
بشيء


د. الربيعة: وأعظم ما يضيق به الصدر
حقيقة هو معصية الله عز وجل والغفلة عن ذكر الله فإذا وجد الإنسان ضيقاً
فليتهم نفسه (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ
أَيْدِيكُمْ (30) الشورى)


د. الخضيري: ومن أعظم المصائب ضيق الصدر.
إذن إذا أصابك ضيق صدر فاعلم إنه بسبب ذنب أحدثته (كَلَّا بَلْ رَانَ
عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) المطففين) ولعل هذا يذكرنا
بالآية التي بعدها قال (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴿١﴾ وَوَضَعْنَا
عَنْكَ وِزْرَكَ ﴿٢﴾ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ﴿٣﴾)


د. الربيعة: انظر كيف قارن الله تعالى
بينهما. كأن أعظم ما يشرح الصدر مغفرة الذنوب ومغفرة الذنوب تستوجب العبد
تطهر من هذه الذنوب بالاستغفار لكن هذه الآية ابتداء هي امتنان من الله عز
وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم حينما غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما
تأخر


د. الخضيري: كما قال في سورة الفتح
(لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ
وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا (2))


د. الربيعة: تأمل أيضاً قول الله عز وجل
هنا (وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ﴿٢﴾ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ﴿٣﴾) الحق
أن الوزر وأن الآثام وأن المعاصي تزيد الإنسان هماً وتحمله حملاً عظيماً
في هذه الحياة كأنه يحمل جبلاً. لكنك في هذه الآية حينما يخاطب الله تعالى
بها نبيه صلى الله عليه وسلم فإن الأمر الذي اثقل حمل النبي عليه الصلاة
والسلام هو الهمّ همّ المعصية أو همّ الخطأ والأنبياء هم معصومون في شرع
الله عز وجل لكن قد يخطئون في همّ الحياة فلا شك أن الإنسان ينبغي إذا وجد
الحياة ثقيلة عليه أن يتذكر ذنوبه فيستغفر الله عز وجل.


د. الخضيري: ولذلك كان النبي صلى الله
عليه وسلم يقول - وهذا حديث عظيم جداً في معناه – يقول النبي صلى الله عليه
وسلم عن نفسه" إنه
ليغانعلىقلبيوإني
لأستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة
" (ليغان) يقول العلماء الغين
غشاء رقيق جداً يكون بسبب الغفلة أحياناً أو الانشغال بأسباب الدنيا
ومتاعها، " إنه
ليغانعلىقلبي"
يكون هناك غشاء رقيق يهيمن على القلب وإني لأبطل ذلك وأعوضه بالاستغفار "
وإني
لأستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة" بل كانوا يعدّون له صلى الله
عليه وسلم في المجلس الواحد وهو يقول أستغفر الله وأتوب إليه مائة مرة.


د. الربيعة: هذا وهو رسول الله الذي قد
غُفر له ما تقدم من ذنبه.


د. الخضيري: ولذلك على الإنسان الذي يقول
أنا تعبان، أنا مهموم، عندي ضيق، ماذا أصنع؟ نقول له الدواء موجود، استغفر
تُب إلى الله، عُد إليه، والله إننا لنقسم على ذلك بالله سبحانه وتعالى
ونعلم أننا صادقون لأنه ما (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا
كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ (30) الشورى)


د. الربيعة: بل إذا ضاقت الأمور على
الإنسان كأن يطلب وظيفة فلم يجد، كأن يطلب رزقاً فلم يُفتح له، ولداً فلم
يُرزق به، إعلم أن من أعظم مفاتيح الرزق هو الاستغفار (فَقُلْتُ
اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاء
عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ
وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا (12) نوح) فلا شك
أن الاستغفار له من الآثار والثمار والخير والنتائج ما لا يحصى من إزالة
الهموم ومن سعة الرزق من مغفرة ذنبه ومن انفكاكه من هذا الحِمل الذي أثقله.


د. الخضيري: دعنا نتأمل في حال بعض
العصاة من المسلمين تجده ينحرف عن المسجد ويفوّت الصلاة ولا يكاد يشهد
الصلاة مع المسلمين إلا من الجمعة إلى الجمعة، ماذا يحصل له؟ أول بلاء يحل
عليه هو ضيق الصدر ولذلك يبحث عن منفِّسات فيذهب إلى الدخان وإلى الشيشية
وإلى السينما وإلى المخدرات والأفلام الإباحية يريد أن يخرج من همومه
ومشاكله وأحزانه، هي حقيقة تخدره لكن يضيع عن عالمه الحزين ثم إذا ذهب
مفعولها يعود إليه الضيق وزيادة، فماذا يفعل؟ يعبّ مرة أخرى منها وهكذا
يستمر يعالج البلاء ببلاء. لكننا نقول له ليس الطريق من هنا، الطريق من
الاستغفار والتوبة كما أوحت به الآيات (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴿١﴾
وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ﴿٢﴾ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ﴿٣﴾)


د. الربيعة: لعلنا نأخذ آية أخرى في هذه
السورة.


د. الخضيري: قول الله عز وجل (فَإِنَّ
مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6)). نحن اتفقنا
أننا لن نقف عند كل آية وإنما سنأخذ بعض الآيات ونقول لهم هذه هي الطريقة
العملية لنحيا بالقرآن من خلال هذه الآيات. (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ
يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6)) ربنا سبحانه وتعالى يبين
لنا أن كل عسر يحل بنا فإن معه يسر ولذلك يؤكد هذا المعنى في الاية مرتين
فيقول (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا
(6)) يعني إذا أصابك العسر يا عبد الله فاعلم أن الله كتب معه اليسر وأنزل
معه اليسر فلا تحزن ولا تيأس ولا تقنط من رحمة الله عز وجل. إنتبه لهذا يا
عبد الله ولا تيأس من روح الله وإذا اشتدت عليك أزمة وكُربت فاعلم أن الله
سبحانه وتعالى قد جاء بالفرج فلا تستعجل. ولذلك ذكر ابن عباس شيئاً عجيباً
في هذه الآية فقال: لن يغلب عسرٌ يسرين. كيف ذلك؟ في هاتين الآيتين ذُكر
العسر واليسر مرتين ومع ذلك العلماء يقولون إن العسر المذكور هنا هو واحد
واليُسر اثنين، كيف ذلك؟ يقول العلماء - وهذه لفتة لغوية - إن المعرفة إذا
كُررت في الكلام فهي شيء واحد كما لو قلت جاء الرجل، ذهب الرجل، رأيت
الرجل، فهذا رجل واحد مهما كررته في الكلام لأنه معرفة أما لو كان نكرة
فإنك إذا كررته في الكلام فإنه يتعدد. لو قلت جاء رجل ورأيت رجل ومررت
برجل، هؤلاء ثلاثة، تأملوا في الآية أن العسر جاء معرفة فهمها تكرر فهو
واحد واليسر جاء نكرة (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) فإنه إذا تكرر تعدد
إذن لن يغلب عسرٌ يسرين.


د. الربيعة: والآية فيها سر ولطيفة عظيمة
هي أولاً وعد من الله عز وجل ثم إنه تكرار وإعادة وتأكيد والتأكيد يدل على
تحقق لتستيقن أيها المؤمن أنه إذا أصابك العسر فاعلم أنه سيكون بعده
اليسر.


د. الخضيري: قصة يوسف عليه السلام هي
أعظم ما يتسلى به المؤمن. يوسف عليه السلام اعتدى عليه إخوانه، ألقوه في
الجُب، بيع، صار خادماً، اعتدت عليه امرأة العزيز، سُجِن وهو مظلوم ثم خرج
من أقبية السجون إلى عروش الملك صار يدبر أمر مصر كلها، سبحان الله! أليس
بعد العسر يسرا؟


د. الربيعة: وهذا يتجلى ظاهراً في حياة
النبي عليه الصلاة والسلام، ألم يكن في بداية حياته في شدة وأوذي حتى وضع
الجزور على رأسه وهو ساجد.


د. الخضيري: وحُبس في الشعب ثلاث سنين لا
يكاد يدخل إليه من الطعام إلا خلسة وخفية.


د. الربيعة: وطرده أهل الطائف وأذوه حتى
أدموه


د. الخضيري: أدموا عقبيه. وطرده قومه حتى
هاجر عليه الصلاة والسلام، هذا شيء لا يوصف من العسر ولذلك أشد الناس بلاء
الأنبياء. ثم حصل ذلك اليسر ففتح الله عليه وولاه على المدينة وجيّش
الجيوش وما مات عليه الصلاة والسلام حتى أذعنت جزيرة العرب وبدأ عليه
الصلاة والسلام يخاطب ملوك الشرق والغرب.


د. الربيعة: حقاً من صبر ظفر.

د. الخضيري: ولنعلم أن كل عسر ينزل بنا
فإن معه اليسر فلنصبر ولنحتسب ولنترقب الفرج.


د. الربيعة: هل يمكن أن نضرب نماذج في
واقع الحياة الاجتماعية التي يذوق فيها الإنسان عسرا؟


د. الخضيري: اضرب مثالاً وهو أن الإنسان
إذا مر امتحان فلا يظن أن هذا نهاية المطاف وليترقب الفرج. وأذكر أحد
مشايخنا كان يقول كان هناك طالب ضعيف في دراسته ووصل إلى الثالث ثانوي فرسب
في السنة الأولى فأصابه شيء من اليأس ففكر في ترك الدراسة فرأى نملة تمشي
بجواره وتريد أن تصعد الجدار صعدت صعدت ثم سقطت فرآها مرة ثانية فصعدت مرة
أخرى ثم سقطت فصعدة مرة ثالثة ورابعة وخامسة والعاشرة والإحدى عشر، في
الحادية عشر صعدت وانطلقت وأكملت طريقها. فقال والله والله والله لأكملن
الدراسة حتى لو بقيت مثل ما بقيت هذه النملة وبقي في الثالث ثانوي 11 سنة
يعيدها في كل مرة ثم نجح.


د. الربيعة: لو أخذنا آية أخرى في هذه
السورة. في ختامها يقول الله عز وجل (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ (7)
وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8)) والله إن الإنسان وهو يقرأ هذه السورة ليقف
مع هذه الآية. فإذا فرغت من ماذا؟ لم يذكر مفعولاً هنا يعني فإذا فرغت من
أمور الدنيا فانصب في أمور الآخرة وإذا فرغت من أمور الآخرة فانصب في أمور
الدنيا. لكن السورة هنا مختومة بأول السورة التي فيها امتنان من الله عز
وجل بأنه عليك أن تنصب لربك عبادة وذكراً وشكراً لله عز وجل والإنسان ليس
في كل حاله فارغاً بل هو في نصب حتى لو كان في إجازات الصيف وفي مثل فرص من
فرض الحياة عليه أن يعلم أنه ينصب في أموره ويجدد حياته مع الله ويعلم أن
هذه فرصة من الفرص التي يجدد فيها طاقته وحياته. الحقيقة أن الفراغ حينما
يجعله الإنسان من نيته فيه وقصده أن يجدد فيه طاقته فإنه يجد فيه متعة لكن
حينما يخرج هنا وهناك هكذا بلا هدف فإنه يرجع وهو يشعر بالملل والتعب. وهذا
كثير من الناس يشكون منه يقولون نذهب ونستمتع ثم نرجع ونشعر بالملل أقول
جربوا إذا خرجتم في متعة أو سفر فاجعلوه سبيلاً وسبباً يجدد لكم طاقتكم في
عبادة الله عز وجل. (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ
فَارْغَبْ (8)) لعلنا نختم هذه السورة العظيمة وبها ينشرح الصدر ولا يمل
الإنسان من ذكرها نسال الله عز وجل أن يشرح صدورنا بالقرآن وأن يوفقنا
وإياكم لما يحبه ويرضاه وصلى الله وسلم على نبينا محمد وإلى لقاء آخر بإذن
الله عز وجل.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: موسعة برامج القران الكريم متعدد الحلقات   الخميس 6 مايو 2010 - 15:19

الحلقة التاسعة

الحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه
أجمعين. هذا هو المجلس التاسع من برنامج أضواء المقاطع وحديثنا اليوم في
الجزء التاسع في سورة الأعراف في الاية 199 يقول الله عز وجل (خُذِ
الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199)
وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ
إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200)). في هذه الآية يأمرنا الله عز وجل بأن نأخذ
العفو وأن نأمر بالعُرف وأن نعرض عن الجاهين وإذا نزغنا من الشيطان نزغ
فلنستعيذ بالله إنه سميع عليم. هذه الآيات من الآيات الجامعة في القرآن
الكريم الجامعة لمكارم الأخلاق والتي لا يستغني مسلم يريد الحياة الطيبة عن
الأخذ بما جاء فيها من وصايا وحكم ربانية. أولها يقول الله جل وعلا (خُذِ
الْعَفْوَ) يعني خذ من الناس ما سمحت به أنفسهم واحتمل منهم ما جاؤوا به
واقبله منهم وإياك أن تكلفهم ما لا يريدون أن يقدموه وما لا يرضون أن يأتوا
به فإن الإنسان إذا امتلأ قلبه بذلك وأخذ من الناس ما جادوا به وما سمحت
به أنفسهم فذلك والله خير له. وذلك أطمن لقلبه وأرضى لنفسه وأبعد له عن
الشقاق وعن الخلاف وعن الضغينة البغضاء وعن الحسد. يقول العلماء رحمهم الله
تعالى خذ العفو أي من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تجسس. وقال هشام بن
عروة عن أبيه: أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ العفو من أخلاق
الناس وهذا أمر ينبغي على كل داعية أن ينتبه له، فأنت عندما تقابل الناس
وتجالسهم وتخالطهم تجد فيهم الكريم وتجد فيهم البخيل وتجد فيهم اللئيم وتجد
فيهم السمح وتجد فيهم الشجاع وتجد فيهم من يقوم بقضاء الحاجات ويغيث
الملهوفين وتجد منهم من يشح بذلك فلا يخدم الناس ولا يقضي حوائجهم فإذا
أردت أن تعيش معهم سالماً من كل أذى موفور العِرض من غير أن يقع في قلبك
شيء من الضيق والضيم والضررفخذ العفو من أخلاقهم فإن الله جبل الناس على
أخلاق كثيرة فإذا أردت أن تحاسبهم على ذلك وأن تأخذ في نفسك عليهم آذاك هذا
الأمر أذى شديداً وأتعبك وصرت في معاملتك للناس لن تجد من تأنس به. قال
النبي صلى الله عليه وسلم "إنما مثل الناس كإبل المائة لا تكاد فيها
واحداً" يعني لا تكاد تجد من يوافقك في أخلاقك وطريقتك إلا واحد في المائة.
وهذا والله نجده الآن عندما نكون في المدارس وفي الجامعات وفي الوظائف ترى
أناساً كثيرين فلا يوافقك من هؤلاء الناس إلا واحد أو إن أكثرت اثنين. إذن
حتى تحيا سالم الصدر معافى من كل ضغينة وشحناء تعامل الناس معاملة بالقسط
تطلب ما عند الله عز وجل وتريد وجهه (خُذِ الْعَفْوَ). يقول أنس بن مالك
رضي الله تعالى عنه: بقيت مع النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال
لشيء فعلته لِمَ فعلته ولا لشي لم أفعله لم لم تفعله" وهذا تطبيق عملي لقول
الله عز وجل (خُذِ الْعَفْوَ) يعني إياك أن تحمل في صدرك على أحد لأنه لم
يوافقك على الأمر الذي تريد وهنا نلاحظ أن كثيراً من الناس تجده يعيش زمانه
وهو يشمت بالناس ويسخر منهم ويحاسبهم ويعاتبهم على تقصيرهم في حقه، فلان
طلبت منه خدمة فلم يقم بها، فلان أردت منه أن يفعل كذا فلم يفعل، فلان
نصحته فلم يمتثل، فلان كانت عنده مناسبة أو وليمة أو عرس أو جمع الناس ولم
يطلب مني أن آتي ولم يدعني كما دعا سائر الناس، تجده دائماً يتشكى من الناس
الذين لم يقدروه قدره ولم يعرفوا له حقه. نقول (خُذِ الْعَفْوَ) إن دُعيت
فأجِب، إن أُحسِن إليك إفرح، إن أُسيء إليك فاقبل واطمئن واعلم أن هذه
النفوس بيد الله عز وجل. قال الله جل وعلا (وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ) لا يعني
لك إذا فعلت الذي فعلت أو رأيت الناس على تلك الحال أن لا تأمر بالمعروف
مُر بالمعروف ودٌلّ الناس على الخير ليكن قصدك وحظك أن تدل الناس على الله
ولا يكن قصدك وحظك أن تأخذ بحقك من الناس. إياك أن تدعو وأنت تريد من الناس
أن يحترموك ويقدروك وأن يكرموك وأن يرفعوا منزلتك وأن يقوموا بشأنك ولكن
ليكن همك أن تأمرهم بالمعروف وتدلهم على ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، وهذا
أمر عظيم. عندما تكون مع الناس إنسَ نفسك وقم بحق الله عز وجل وإذا قمت بحق
الله فإن الله سيسخّر هؤلاء الناس لك يقومون بحقك. إذن مُر بالمعروف قم
بالواجب وأد ما أوجبه الله عليك من الأمر بالمعروف والنصح لخلقه والقيام
بشؤونهم وإياك أن تنتظر منهم أن يردوا إليك هذا الجميل أو أن يحسنوا إليك
بل خذ منهم ما سمحت به أنفسهم وما تفضلت به ولا تلمهم على شيء ادخروه عنك.
وأنت قم بما أوجب الله عليك فأُمر بالعرف وإذا أمرت بالعرف ماذا يكون؟ لا
بد أن يصلك شيء من الأذى من الخلق ولا بد أن يصيبك شيء من ظلمهم
وبغيهموعدوانهم فإن هذه سنة الله عز وجل فيمن يأمرون بالمعروف ولذلك قال
(وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) فأنت سينالك شيء من جهلهم وعدوانهم فإياك
أن تقابل الجهل بجهل مثله. فإذا أمرت إنساناً أن يصلي وقلت له صلِّ يا فلان
أو قلت له يا فلان حضرت الصلاة فقم إلى الصلاة فقال إذهب، أُغرب عني، دعني
وما أنا فيه، لكم دينكم ولي دين، يا رجعي، يا أصولي، مالك ولي؟ نحن في
دولة ديموقراطية، مالك والناس؟ عليك أن يخصك. إياك أن يحملك هذا الكلام من
هذا الرجل الذي استفزك بأن ترد عليه بمثل كلامه، أعرض عن الجاهلين. أنت
أمرت ولا يأمرك الله عز وجل بشيء أكثر من ذلك. انتبهوا لهذا المعنى العظيم
وهذا المعنى الطيب (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) ولذلك الداعية الحق
عندما يدعو لا يلتفت إلى الوراء ولا يحاسب الناس بل يدعو إلى الله عز وجل
ويقابل السيئة بالحسنة (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (34) فصلت) هذا ما سيكون حقاً وهو أن
تقابل جهل الجاهلين بالإحسان منك فإنك سترى أثر ذلك واضحاً عليك وعلى طريقة
تعاملهم معك قال (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) كأنه بسبب إحسانك إليه
ولي حميم (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا
إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35) فصلت) جعلني الله وإياكم منهم.


قال الله عز وجل (وَإِمَّا
يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ
سَمِيعٌ عَلِيمٌ) إذا وسوس الشيطان في قلبك وقذف في قلبك شراً وقال لك انظر
ماذا يفعل هذا الرجل، ماذا قال هذا الرجل، فلان لم يحترمك وفلان لم يقدرك
وفلان لم يستمع إليك، متى نزغ الشيطان بنزغ من عنده فرُدّ كيده بشيء واحد
لأن كيد الشيطان كان ضعيفاً، رُدّه بشيء واحد وهو أن تعتصم بالله وحده
وبجنابه الكريم من شر الشيطان الرجيم فتقول أعوذ بالله من شر الشيطان ويرتد
على عقبيه. وهذا جاء بعد قوله (وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ
الْجَاهِلِينَ) ومناسبة ذلك أتم مناسبة لأن الإنسان في أول الأمر قد يُعرض
عن الجاهلين لكن الشيطان يأتي إليك ويقول لك فلان يسخر منك وتتركه؟ فلان
يحط من قدرك ولا ترد عن نفسك؟ بل إنه أحياناً يتلبس لبوس الدين غيرة للدين
فيقول يؤذيك ويسب دينك ولا تنتصر لدينك؟ إنتصر لدينك وهو يريد أن يغرر بك
ويوسوس لك بحجة أنه يريد إكرامك. قال الله عز وجل (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ)
إذا جاءت هذه الوساوس إلى قلبك وبدأت ترد على فؤادك فاحذر والجأ إلى الله
لردّها فإنك لا تستطيع أن تدافع إبليس. المسيء إليك من بني الإنسان تدفعه
بالإحسان (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) أما إبليس فلا تنفع معه مداراة
عدو حقيقي لدود لا يرضى إلا أن تدخل معه في نار جهنم، هذا الذي يرضيه، إذن
ماذا تفعل؟ في هذه الحالة مالك إلا شيء واحد وهو أن تستعيذ بالله وأن
تعتصم بجنابه الكريم فتقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فيندحر أو تقول
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إنه هو السميع العليم أي الله فيندحر إبليس
أو تقول أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم فيندحر إبليس. هذا
الذي يجب علينا عندما ينزغ الشيطان في قلوبنا نلجأ إلى الله ونستعيذ
بجنابه. وهنا قد يسأل سائل لماذا؟ لأن الشيطان لا يُرى ولا يُعرف مكانه
والأعلم بكيده ونزغاته ووساوسه هو الله والأقدر على ردّ ذلك هو الله، إذن
اختصر الطريق، تجلس أنت تدافع وتدافع، إلى متى؟ أنت تمل وهو لن يمل وسيبقى
لأنه خلق من أجل هذا وأنت لا قدرة لك ولا طاقة بك على المصابرة في هذا
الباب إذن إختصر الطريق واتصل بالله الذي خلقك وخلقه وهو أدرى بضعفك وأسمع
لدعائك وقل أعوذ بجنابك يا الله من شر هذا الشيطان فيندحر الشيطان ويذهب
ولا يصل إليك بإذن الله. أسأل الله تعالى أن يجعلني وإياكم ممن يستمعون
القول فيتبعون أحسنه وأن يجعلنا جميعاً ممن يأخذون العفو ويأمرون بالعرف
ويعرضون عن الجاهلين وإذا نزغهم من الشيطان نزغ استعاذوا بالله إنه هو
السميع العليم. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم والسلام عليكم ورحمة
الله وبركاته.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: موسعة برامج القران الكريم متعدد الحلقات   الخميس 6 مايو 2010 - 15:19

الحلقة الثامنة

الحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه
أجمعين. هذا هو المجلس الثامن من برنامج أضواء المقاطع ونحن الآن في الجزء
الثامن في سورة الأنعام في الاية 151 يقول الله سبحانه وتعالى (قُلْ
تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ
بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ
أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ
تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ
تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ
وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ
الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ
وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا
إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى
وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ
تَذَكَّرُونَ (152) وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ
وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ
وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)) هذه عشر وصايا أوصانا الله
سبحانه وتعالى بها هي من أصول هذا الدين وهي قضايا لا يدخلها النسخ لأنها
من الحقائق المجمع عيها التي اتفقت عليها الشرائع بها وجاء بها الأنبياء
ونزلت بها الكتب ولذلك قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه مبيناً أهمية هذه
الوصايا "من أراد أن ينظر إلى وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم التي
عليها خاتمه فليقرأ هذه الآيات (قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ
رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا) إلى قوله
(لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) وهي الآيات الثلاث التي ذكرناها. وروى الحاكم في
مستدركه عن ابن عباس قال في الأنعام آيات محكمات هن أم الكتب ثم قرأ الآيات
(قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) وهذا الحديث
كما قال الحاكم صحيح الإسناد. هذه الآيات لو تأملناها لوجدناها جامعة لأصول
وحقائق عظيمة جداً تمثل الركن الأساس لقيام هذا الدين ولذلك جعلها الله عز
وجل حقائق معدودة وأيضاً محدودة ليسهل فهمها وجمعها من أجل أن يجتمع
القلب عليها وأن يراعيها كل إنسان وجاءت في القرآن المكي لأنها من أصول
الدين. قال الله جل وعلا (قُلْ) وكل آية افتتحت بـ (قُل) ففيها مزيد عناية
(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) (قُلْ أُوحِيَ
إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا
سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا) تجد أن الآيات التي تفتتح بـ (قُل) فيها شيء
من العناية ومزيد من الاهتمام. (قُلْ تَعَالَوْاْ) هلمّوا (أَتْلُ مَا
حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) أبيّن لكم الشيء الذي حرمه الله عليكم
وحذركم من الوقوع فيه وهذه نستفيد منها أن المحرمات في الإسلام معدودة
بخلاف المباحات فإنها غير معدودة ولا محدودة. يعني الأصل في الأشياء
النافعة أنها مباحة وحِلٌ لنا (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي
الأَرْضِ جَمِيعاً (29) البقرة) فكل شيء فيه نفع لنا فالأصل فيه أنه حلال
لنا ما لم يرد ما يدل على تحريمه. وهنا قال الله جل وعلا (قُلْ تَعَالَوْاْ
أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) عندما قال (ربكم) عرفنا أن فيها
مزيداً من العناية فهذا من تربية الله لنا ومزيد عنايته لنا فالله ما
حرمها علينا إلا لشدة ضررها بنا ولأنها لا تليق بنا ولأنها مفسدة لأحوالنا
الدنيوية والأخروية. قال الله جل وعلا (أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا)
حرّم علينا أن نشرك به أيّ شرك قليلاً كان أو كثيراً ويدخل في هذا صغير
الشرك وكبيره والشرك أن يُجعل مع الله شريك بأي وصرة من الصور أو شكل من
الأشكال سواء كان ذلك عن طريق عبادة الصنم أو السجود له وهو أجلى أنواع
الشرك أو الطواف بالقبر وسؤال المقبورين المدد والغوث والمغفرة والرحمة
والرزق وغير ذلك مما يُسأله بعض المقبورين أو أن يتخذ الإنسان شركاً من نوع
(ما شاء الله وشئت) ومن نوع (والأمانة، والنبي) كالحلف بغير الله عز وجل،
فكل ذلك من الشرك الذي ينبغي على المسلم أن يتقيه. فأعظم الحرمات عندنا هو
جانب الشرك وجانب التوحيد تصفيته وتنقيته هو أجل ما يقوم به الإنسان ولذلك
قال الله جل وعلا (إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ
مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى
إِثْمًا عَظِيمًا (48) النساء) إذن إحذر أن تقع في الشرك فإنك إذا سلمت منه
سملت من شر عظيم وأنت بإذن الله عز وجل قريب من رحمة الله سبحانه وتعالى.
ثم قال (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) بعد أن ذكر حقه في أن لا يُشرك به
ذكر حق الوالدين لأنهما سبب وجود الإنسان ولم يذكر حقهما على سبيل أن لا
يؤذيهما الإنسان ليس هذا هو المطلوب وليس المطلوب أن لا تعقهما بل المطلوب
من كل أحد أن يحسن إلى والديه كما أحسنا إليك (وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا
كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) الإسراء). فأنت تحسن إليهما وتبدأ بفعل
ذلك الإحسان قاصداً رضى الله أولاً ثم رضاهما ثانياً واعلم أن رضى الله
برضى الوالدين وسخط الله بسخط الوالدين كما ثبت في ذلك الحديث الصحيح.
الوصية الثالية (وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ
نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ) لما وصى بالوالدين انتقل بعد ذلك إلى الأولاد
وهذا أمر كان شائعاً عند أهل الجاهلية وما يزال إلى اليوم موجوداً كما تسنه
الآن نظم وقوانين ودول وتعمل به ولا تجد من ينكر عليهم ففي الصين يقتلون
الأولاد بالملايين وكذلك في الهند وفي كوريا وفي الدول الغربية يسن الإجهاض
ويشرّع ويؤمر به حتى تستمتع النساء بشهواتهن وخصوصاً الفتيات القاصرات.
(وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ) لا تقتلوهم خوفاً من
الوقوع في الفقر أو لأنكم قد وقعتم في الفقر بالفعل كما هو مقتضى هذه
الآية. (نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ) نحن نرزفكم أنتم أيها الفقراء
وإياهم أي وأولادهم فقد يدعو الإنسان فقره إلى أن يقتل ولده فيقال له لا
تقتله من فقر فإن الله سبحانه وتعالى يرزقك ايها الفقير ويرزق ولدك وفي
سورة الإسراء (وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ
نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم (31)) أنتم الآن أغنياء ولكن تخافون الفقر على
أولادكم نحن نرزقهم أولاً وإياكم. فلما كانوا فقراء قال نرزقكم ولما كانوا
يخشون الفقر قال نرزقهم وإياكم. ثم قال (وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ
مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) الفواحش هي كل الأثام وما يستفحش يعني
يتناهى في القبح (مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) فالزنا ظاهر والحسد
والكبر باطن. (وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ
بِالْحَقّ) وهي النفس المعصومة لا يحل لامرئ أن يقتل نفساً إلا في حالات
ثلاث النفس بالنفس والثيّب الزاني والتارك لدينه المفارق للجماعة.
(ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) وهذه الأمور لكا كتنت
تُدرك بالعقل ذكر العقل هنا. يعني العقل يدل عليها لو لم يأتي بذلك الشرع.
وقال الله عز وجل (وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي
هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ) أي إحذروا من قربان مال اليتيم
إلا بالصورة التي هي أحسن أي على وجه ترون أنكم تحسنون به إلى اليتيم
(حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ) يعني حتى يصل إلى المرحلة التي يقدر فيها على
حسن التصرف في المال كما قال الله عز وجل (وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى
حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا
فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا
وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُواْ (6) النساء). الوصية الثامنة (وَإِذَا قُلْتُمْ
فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى) فكلما تتكلمون تكلموا به على وجه
العدل يعني قولوا قولاً سديداً كما الله عز وجل في سورة الأحزاب (يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا
(70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ (71))
عذرنا الله في الكيل والميزان فقال (وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ
بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) وأما في القول فإنه
لم يعذرنا لأنن نقدر على ذلك قال (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ) قولوا
قولاً عادلاً بلا ظلم ولا شطط. (وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى) ولو كان الذي
تقولون فيه صاحب قربى فإياكم أن تظلموا الناس بسبب قرابة من تتحدثون له أو
عنه بل اعدلوا حتى مع قرابتكم لو جاءك إنسان يقول لك ما حال أبيك؟ وقد خطب
ابنتي وأنت تعرف أن أباك لا يستحق ذلك فقل الحق فيه (وَإِذَا قُلْتُمْ
فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى). ثم قال الله عز وجل (وَبِعَهْدِ
اللّهِ أَوْفُواْ) إذا عاهدتم عهداً فوفّوا بها ومن ذلك الوفاء بالمواعيد
وإذا عقد الإنسان عقداً كعقد النكاح وفّى بما عقد عليه وكذلك ما يكون بيننا
وبين أعدائنا.


ثم ختم الله هذه الوصايا
بوصية جامعة عظيمة قال (وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا
فَاتَّبِعُوهُ) إتبعوا هذا الصراط وهو القرآن فإنه الموصل إلى الله عز وجل
فإذا اتّبعناه اهتدينا. (وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ
عَن سَبِيلِهِ) فإنكم لن تجدوا من وراء القرآن ومن خلاف القرآن إلا سبلاً
وهذه السبل كلها توصل إلى النار ولا تهديكم إلى الله عز وجل (ذَلِكُمْ
وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) فنسأل الله سبحانه وتعالى أن
يرزقنا التقوى وأن يجعلنا من المستقيمين على صراطه المتّبعين له إنه ولي
ذلك والقادر عليه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: موسعة برامج القران الكريم متعدد الحلقات   الخميس 6 مايو 2010 - 15:20

الحلقة السابعة

د. الربيعة: بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، أيها الأحبة هذا المجلس هو المجلس الثامن من مجالسنا المباركة مع
البرنامج الذي نحيا به بإذن الله عز وجل "لنحيا بالقرآن" ومع سورة شريفة هي
سورة التين لنقف أولاً قبل أن نقطف ثمارها لنقف معها وقفة مقدمة وتمهيد.
هذه السورة حينما يقرأها المسلم فإنها تدعوه وتبيّن له شرفه شرف هذا
الإنسان بالدين وأن هذا الإنسان ليس له شرف بغير هذا الدين. هذه السورة
الكريمة حينما يقرأها المسلم قراءة متدبرة متمعنة فإنها تُظهر له قيمته
بالدين وشرفه ومنزلته وأنه بغير هذا الدين لا يساوي شيئاً.


د. الخضيري: لا يساوي شيئاً بل هو في
أسفل سافلين.


د. الربيعة: هو من أشرف المخلوقات بالدين
ومن أسفل المخلوقات بغير هذا الدين. لنتأمل في افتتاحيتها ودلالة هذه
الافتتاحية على هذا المعنى. يقول الله عز وجل (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ
﴿١﴾ وَطُورِ سِينِينَ ﴿٢﴾ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ﴿٣﴾ لَقَدْ
خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴿٤﴾ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ
أَسْفَلَ سَافِلِينَ ﴿٥﴾ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴿٦﴾ فَمَا يُكَذِّبُكَ
بَعْدُ بِالدِّينِ ﴿٧﴾ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ﴿٨﴾)
أقسم الله تعالى بأربعة أشياء بالتين والزيتون وطور سنين وهذا البلد
الأمين، ما علاقة هذه الأربعة بالدين وشرف الإنسان؟ علاقتها هي أن هذه
الأمور شرفت بالدين، هذه الثمار (التين والزيتون) وهي إشارة إلى بلد نوح
عليه السلام والزيتون بلد عيسى عليه السلام في فلسطين وطور سنين هو الجبل
الذي بعث الله عز وجل به موسى أو كلّمه والبلد الأمين هو البلد الذي بعث
الله به محمداً صلى الله عليه وسلم. انظر كيف شرُفت الأماكن بالدين فكيف
بالإنسان الذي خُلق من أجل هذا الدين؟!. فما أعظمنا حينما نتأمل هذه
السورة. وقد يسأل سائل فيقول لماذا لم يذكر الشام وفلسطين وقال التين
والزيتون؟ في الحقيقة أطلت البحث في هذا لأنه له ملحظ مهم فاطلعت على دراسة
أخيرة حديثة حول دراسة يابانية قام فريق بحث علمي من اليابان بدراسة
الإنسان فوجدوا كيف أن الإنسان وهو طفل ينمو ثم يهرم، ما الذي يجعله ينمو
ثم يهرم مع أنه قد يطعم طعاماً واحداً ويأكل أكلاً واحداً ونوماً واحداً؟
فما الفرق؟ حللوا هذا الإنسان فوجدوه يفرز مادة من صغره هي التي تنمي جسمه
وتجعله قوياً فهذه المادة كلما كبر الإنسان ونما هي تزيد معه إلى سن
الأربعين إذا بلغ أشده. ثم بعد الأربعين إلى الستين تستوي، ثم بعد الستين
تنقص وهو الهرم. فحللوا هذه المادة ووجدوا جزئياتها فما هي المادة؟ فما هي
المادة المماثلة لها في النباتات أو الحيوانات؟ درسوا الحيوانات فوجدوا
المادة التي في الحيوانات تختلف اختلافاً عن مادة الإنسان، ثم درسوا
النباتات فوجدوا أن أدل النباتات إفرازاً لهذه المادة التي تعادل مادة
الإنسان هي التين والزيتون.


د. الخضيري: يعني أن المادة المستخلصة من
التين والزيتون هي التي تعوض الإنسان ما نقص من مواد تنمي الحيوية والشباب


د. الربيعة: أجله محدود بيد الله عز وجل.
ثم جاء عالم مصري مهتم بالإعجاز العلمي فدرس هذه الجزئية فوجد أن التين
والزيتون في هذه السورة، ما دلالتهما؟ فتبين له أن اجتماع التين والزيتون
له اثر في خلق الإنسان ولهذا قال الله عز وجل (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ)
إلى أن قال (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ)


د. الخضيري: وهذا ما نريد أن نقف عنده
وقفة ثانية في هذه السورة وهي قوله (لقد خلقنا) أقول لنفسي وللمشاهدين
ينبغي أن نقف عند هذه الآية وقفة كريمة وهي أن هذه الآية الكريمة تدل على
أن الله سبحانه وتعالى قد كرمنا وقد شرفنا ولذلك لا يليق بك أيها الإنسان
ويا ابن آدم تزدري نعمة الله عليك وأن تقلل من فضل الله تعالى عليك وتنسى
هذه النعمة العظيمة تنسى أن الله سواك وأحسن خلقك وعدّلك وأنبتك نباتاً
طيباً كريماً فكلما تأملت أن هناك شيء ناقص عندك تأمل أن الله كملك وأحسن
صورتك فنحمد الله سبحانه وتعالى وتقول الحمد لله أنا في نعمة أنا في خير.
كان النساء يأتون إلى عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها فيقلن لها فلانة قد
أنجبت فتقول هل هو سالم في عينيه، سالم في أذنبه، سالم في فمه، فكانت
تطمئنهم (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) يعني لا
ينبغي للإنسان أن ينظر إلى ما هو غير ذلك يعني المرأة تقول أنا أريد
المولود جميل أو أشقر أو أبيض أو أصفر أو أحمر ويدون ويشكل وكأنه يريد أن
ينافس الناس بجمال أبنائه وحسنهم، نقول لا (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ
فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) بعض النساء تعيش هماً عظيماً وكمداً متوالياً بسبب
أنها ترى نفسها أنقص في الجمال وأقل في لون البشرة من أختها أو ابنة عمها
أو صديقتها أو جارتها أو غير لذك نقول لها لا تنسي انظري إلى أولئك
المشلولين وإلى الذين ابتلوا بالعاهات الدائمة ومع ذلك صبروا وذلك من حكمة
الله.


د. الربيعة: ثم إن هناك تقويماً وشرفاً
أعظم من هذا البدن وهو جانب الدين


د. الخضيري: هذا إذا نظرنا إلى الإنجاز
المادي، ما هو الجانب المعنوي في هذه القضية؟


د. الربيعة: جانب الدين، فالله عز وجل
خلق الإنسان في أحسن تقويم خلقته في أحسن تقويم يهيؤه لعبادة الله عز وجل.
أرأيت كيف أن هذه القوامة بطول الإنسان وهو المخلوق الوحيد الذي شرّفه الله
بقوامته وقيامه ومشيه على قدمين في أصله لا مخلوق فيما أعلم في أصل خلقته
في طبيعته يمشي على رجليه قد يمشي الوطواط على رجلين لكنه يمشي على رجلين
أو على أربعة لكن هذا الإنسان قد نصبه الله أولاً شرفاً له وثانياً أن هذا
الجسم هو أهيأ ما يكون في خضوعه لله عز وجل


د. الخضيري: ولذلك إذا أراد أن يسجد تمدد
هذا الجسم وانقبض ليتحقق له هذا السجود وهذا الخضوع والركوع لله


د. الربيعة: تأمل ليونة مفاصل الإنسان هي
لأجل أن يلين لله عز وجل ويخضع ويخشع (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي
أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) ليهيؤه لعبادة الله عز وجل. ثم تأمل بعد ذلك قوله
تعالى (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ) كيف ذلك؟ لقد هيأك الله
تعالى أيها الإنسان لعبادة الله وشرّفك بهذه العبادة وخلقك على أحسن تقويم
في جسمك ولسانك وعينيك وجميع قواك لتعبد الله فإن خرجت عن هذه المهمة
العظيمة وهذا الشرف العظيم فإن الإنسان بهذا في أسفل سافلين. في أسفل
سافلين في منزلته بين الدواب (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابَّ عِندَ اللّهِ
الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ (22) التوبة) هم أشرّ من
الدواب ثم إنه في أسفل سافلين في النار. هذا معنى الآية (لَقَدْ خَلَقْنَا
الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) هيأه الله سبحانه وتعالى بقوامته
وهيأته وعقله لدين الله فإن هو تخلى عن هذا الشرف فإنه في أسفل سافلين.


د. الخضيري: ولهذا نقول ليس لنا خيار إما
أن تقوم وتحمل هذه الأمانة وإلا فإن مردك إلى أسفل سافلين


د. الربيعة: ولهذا فإن أهل الطاعة في
الحقيقة في عزّ "نحن قوم أعزنا الله بالإسلام ومهما ابتغينا العزة بغيره
أذلنا الله". انظر إلى حال المسلمين حينما ساروا وراء الغرب!


د. الخضيري: صاروا متخلفين وفي ذل
القائمة وإلى يوم الدين إلى أن يشاء الله أن يرجعوا إلى دينهم.


د. الربيعة: ولذلك إن الإنسان كلما
استقام على دين الله تعالى كان أعظم عزة وفخراً وإحساساً بهذه الحياة
وعزتها وشرفها. فلنشرف بهذا الدين حينما نتمسك به ونعتز به ونعلم يقيناً
أنه لا شرف لنا إلا بما شرفنا الله به. أما حينما يطلب الإنسان الشرف في
موضاته الغربية وقصات وأشكال عجيبة هذا ليس والله لا شرف ولا عزّ.


د. الخضيري: مما يؤكد كلامك أنه ستأتي
معنا السور القادمة أن كل الناس خاسرون وأنهم كلهم جميعاً هالكون إلا من
التزم بالمواصفات الربانية كما سيأتي معنا في سورة العصر (وَالْعَصْرِ (1)
إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)) إذا
قمت بهذه الواجبات وأديت هذه الشروط استحقين هذا النجاح وفزت وسعدت في
دنياك وأخراك وإذا تركت هذه الشروط فاعلم أنك خاسر في دنياك وخاسر في
أُخراك ولا يغرنك أنك تملك أدوات وأجهزة وأموال وغيره، هذا لا يغرك هذا
متاع زائل وذاهب. إذن نؤكد على أنفسنا ونتأكل هذا المعنى العظيم في نفوسنا
خلقنا الله بأحسن تقويم لنعبده فإن لم نعبده فإن مردّ هذا القوام الحسن أن
يكون حطباً لجهنم كما قال الله عز وجل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ
(6) التحريم)


د. الربيعة: تأمل كأمثلة نضربها على هذه
الآية، من أشرف الناس؟ الأنبياء والرسول صلى الله عليه وسلم أشرفهم، بماذا
شرفوا؟ برسالة الله، بهذا الوحي الذي هو هذا الدين إنما كان الملبلِّغ
الأول له عليه الصلاة والسلام ورسل الله أجمعين، ثم من حمل لواء هذه
الدعوة.


د. الخضيري: من الصحابة والتابعين
والصالحين والصديقين


د. الربيعة: ولذلك تجد أعظم الناس شرفاً
في نفوس الناس هم العلماء، هم أهل الدين الذين يذبّون عن دين الله والذين
ينشروه في الأرض دعاة الله في الأرض هؤلاء سبحان الله لهم في قلوب الناس
مكانة.


د. الخضيري: ولذلك قال الحسن البصري
كلمة جميلة قال إنهم (اي أهل المعاصي) إن طقطقت بهم البغال وهملجت بهم
البرادين فإن ذل المعصية في رقابهم لا يفارقهم حتى يفارقوا معصية الله
سبحانه وتعالى. وهذا ذل فطري قد يتبارى الإنسان بالعز والجبروت ولكن في
قلبه ذل بحيث أنه إذا قابل عالماً أو صالحاً أو ولياً من أولياء الله تجده
يتصاغر أمامه ويعلم أن ذلك على الحق وأنه على المنهج الرباني الصحيح وأنه
هو ليس على شيء. ولذلك نجد الكثير من هؤلاء من فنانين وغيرهم تختم لهم
بخواتم نسأل الله العافية والسلامة، خواتيم كثير منها سوء، بعضهم ينتحر
وبعضهم يموت ميتة لا تُحمد ثم ترى جنائزهم نسأل الله العافية والسلامة في
غاية السوء لا يشهدها إلا الفُسّاق والعصاة وأراذل عباد الله.


د. الربيعة: بعدها قال الله عز وجل
(إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ
غَيْرُ مَمْنُونٍ) كيف نربط هذه الآية بما قبلها؟


د. الخضيري: لا شك أنه الآن لما بيّن
الله سبحانه وتعالى أنه من لم يأخذ بهذا الدين فإنه في أسفل سافلين بيّن
المنجى من ذلك وهو في أمرين وإنهما يسيران على من يسره الله سبحانه وتعالى
عليه وهي أن يؤمن الإنسان بالله إيماناً صادقاً ويعمل الصالحات. والحمد
لله عمل الصالحات ميسور لمن أقبل بقلبه وصدق مع ربه. عمل الصالحات أن تقوم
بالصلوات الخمس وأن تصوم رمضان وأن تحج بيت الحرام مرة في العمر وأن تؤدي
الزكاة وبر الوالدين وصلة الرحم.


د. الربيعة: إذن الدين يسير وهذا ملحظ في
السورة مقصود وأن هذا الدين ليس صعباً، هذا الشرف الذي تنال به شرف الدنيا
والآخرة تناله بعمل بسيط.


د. الخضيري: يعني الدين لا يمنعك من
شهواتك تستطيع أن تستمتع بما أحلّه الله سبحانه وتعالى تستطيع أن تأكل
وتشرب وتملك وتذهب وتجيء وتسافر وتستمع بمتع الحياة ومع ذلك تلتزم بأوامر
الله وتنتهي عن نواهي الله ولا تتعدى حدود الله وتعلم بذلك أنك تحصل الشرف
في الدنيا وتحصّل الفلاح في الآخرة


د. الربيعة: تأمل كيف ختم الله تعالى هذه
السورة. إن كان هذا الدين موضع شرفك فما الذي يجعلك تتخلى عنه؟


د. الخضيري: والله ما هو إلا النفس
الأمارة واتباع الهوى ومسايرة الناس وإلا سل الآن اي إنسان أوغل في معاصيه
تقول له هل تشك في الله؟ يقول لك لا، تقول هل تشك في رسول الله؟ يقول لا،
تقول هل تشك في كتاب الله؟ يقول لا، إذن ما الذي يمنعك من أن تتبعه وتقوم
به وتؤدي حقوقه عليك؟ يقول لا أعرف، لأنه يريد أن يكون مثل زملائه يشرب
الدخان ويترك الصلاة ولا يريد أن يصوم ولا يريد أن يزكي ولا يريد أن يصل
رحمه ولا يريد أن ينصح ولا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر ولا يطعم
المسكين ولا يرحم اليتيم، سبحان الله! إلى متى؟! هذه إن فعلتها فهي خير لك
وهي حتى سعة لصدرك وراحة لبالك وانشراح لدنياك ولذة عاجلة


د. الربيعة: كما قال تعالى في آخر السورة
(أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ) أنك حينما تُمنح هذا الدين
فهو حكمة الله أعظم حكمة أنه خلقك أيها الإنسان وهيأك لهذا الدين وجعل لك
أجراً غير ممنون أي غير مقطوع وغير محاسب عليه والله إنها لأعظم حكمة.
الحقيقة أن هذه السورة سورة عظيمة لا نمل منها ولا نشبع، سورة تعطينا شرفنا
وتبين لنا قيمتنا في هذه الحياة بأننا لا شرف ولا عز ولا تمكين إلا بهذا
الدين. نسأل الله عز وجل أن يشرفنا بهذا الدين ويجعلنا به أعزة ويجعلنا
متمكنين. نختم الحلقة ونسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى.
وإلى لقاء آخر بإذن الله وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه
أجمعين.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: موسعة برامج القران الكريم متعدد الحلقات   الخميس 6 مايو 2010 - 15:21

الحلقة السابعة

الحمد لله والصلاة والسلام
على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد. هذا هو المجلس السابع من
برنامج أضواء المقاطع والذي نتحدث فيه عن تفسير مقاطع من كتاب الله عز وجل
في كل يوم نأخذ مقطعاً مختاراً من جزء مناسب لليوم الذي نحن فيه فهذا هو
الجزء السابع فنأخذ فيه هذا المقطع السابع من الآية 66 من سورة الأنعام حيث
يقول الله عز وجل (وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُل لَّسْتُ
عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ (66) لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ
تَعْلَمُونَ (67) وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا
فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا
يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ
الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68) وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ
حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَلَـكِن ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69))
يذكر الله عز وجل لنبيه أن قومه قد كذبوا بالقرآن وأن تكذيبهم به تكذيب
بأمر ظاهر وهو الحق قال (وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ) قومك الذين يعرفونك
معرفة تامة ويعلمون أنك لا تكذب ولم يجربوا عليك في جاهلية ولا إسلام كذبة
واحدة، كذبوا من دون بيّنة ولكنه الحسد والكبر ومتابعة السادة والطغاة على
التكذيب ليس إلا. قال الله عز وجل (وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ
الْحَقُّ) الحق الذي لا مرية فيه، حقٌ لأنه من عند الله وحقٌ لأنه مطابق
للواقع لا يختلف عن الواقع مثقال ذرة وحقٌ لأن جميع ما فيه صدق من عند الله
سبحانه وتعالى كل كلام في هذا العالم ما لم يكن كلام الله أو شيئاً أوحى
به الله فإنه يحتمل أن يكون حقاً ويحتمل أن يكون باطلاً أما كلام الله فكله
حق لأن الله هو الذي خلق وهو سبحانه وتعالى بكل شيء عليم وهو أصدق
القائلين (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثًا (87) النساء) (وَمَنْ
أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً (122) النساء) ولذلك المؤمن يأتي إلى القرآن
ويأتي إلى الوحي وهو مطمئن ليس في قلبه مثقال ذرة أنه سيأتي إلى كلام يتردد
فيه أو يشك في نسبته أو في حقيقة وقوعه أو مصداقيته ولذلك كله حق ولذلك
نتحاكم إليه ولا نحكم عليه. قال (وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ)
فاطمئن يا محمد ولا يضرنّك تكذيب قومك به بهذا نعلم أن الناس إن خالفونا
وإن أجمعوا على معاداتنا وإن لم يؤمنوا بما جئنا به فلنكن مطمئنين لأن الحق
معنا وأن الذي ندعو إليه هو الحق موافق لما في كلام الله عز وجل ولا يضرنا
إن كفروا به أو خُذلوا فلم يؤمنوا بما جاء عن الله عز وجل. قال (قُل
لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ) ما دام هذا هو الحق بلّغتكم إياه فكذبتم فلست
وكيلاً عليكم يعني فلست مسؤولاً عنكم فإنما على الرسول البلاغ وليس عليه
شيء أكثر من ذلك وهذا رحمة من الله عز وجل بنا لو شاء الله لكلّفنا إيمان
الناس ولكن لعلمه أن إيمانهم ليس بايدينا وإنما بيده (إِنَّكَ لَا تَهْدِي
مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء (56) القصص) ولذلك
لم يكلفنا الله شيئاً ليس في طوقنا ولا وسعنا قال جلّ وعلا (لِّكُلِّ
نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) أي كل خبر فإنه سيأتي يوم يعلم
فيه حقيقة ذلك الخبر شئتم أم أبيتم. ما من شيء وقع في العالم إلا وسيأتي
يوم تُعرف به حقيقة هذا الأمر وإن اختلف الناس وإن زيّف المزيفون ودجّل
المدجلون وكذب الأفاكون وفعلوا ما يستطيعون من تزوير للتاريخ وتشويه
للحقائق وقلب للقضايا فإنهم إن فعلوا ذلك فإن الحق باقي وإن الحق قائم وسوف
يظهر في يوم من الأيام (لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ) منتهى ينتهي إليه
فتُعلَم به الحقيقة إن في الدنيا وإن في الآخرة. وهذا أثبتته الوقائع كم
اختلف الناس وكم حصل بينهم من الإشكالات والحوارات والمناظرات والجدال
الطويل جداً ثم يبين الحق ويظهر ويأتي الله عز وجل بما يدل على ذلك. انظر
إلى الفكرة الشيوعية جاءت وسادت وقامت وارتفعت وصار لها دولة حتى انضم
إليها نصف أهل الأرض حتى من أهل االإسلام من انخدع بالفكرة الشيوعية وأراد
أن يطبقها على المسلمين وطبقها بالحديد والنار وظن الناس أن هذا حق من الحق
لكثرة الجلبة عليه ثم ذهبت هذه الفكرة كأنها فقاعة لم يبق منها شيء.
واليوم الناس ينظرون إلى الرأسمالية وهي تترنح باطل كم زيفوا هذا الباطل
وكم زخرفوه وكم زينوا له وكم طبلوا له!، فكرة الربا ماذا فعلوا بها؟ كانوا
يقولون لا يمكن أن يقوم اقتصاد ولا يزدهر اقتصاد إلا بالربا واليوم يقولون
المشكة والأزمة العالمية التي وقعت للناس هي بسبب الربا. المسلم مطمئن لهذه
الحقيقة يعرفها قبل أن يعرفوها وهو مرتاح لحكم الله عز وجل فيها ويعلم أنه
سيأتي يوم سيكتشف فيه الناس هذا الأمر. انظروا إلى العهر الذي يسمى تحرراً
ويحاول أن يزينه الغربيون في أعيننا بل ويفرضوه علينا عبر الزنا وعبر جميع
وسائل الترفيه التي يبتدعونها يحاولون أن يزينوه لنا ولكنهم الآن يكتشفون
آية إثر آية أن هذا الذي يريدون أن يقرروه ما هو إلا باطل فجاءت قضية
الإيدز والأمراض الجنسية كل هذه الأشياء ابتلي بها الناس وجاءت إليهم
ليدلهم الله سبحانه وتعالى على الحق في ذلك. وغير ذلك قال الله عز وجل
(وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) وهذا تهديد لهؤلاء الذين كفروا بالحق وعندها
ستندمون لأنكم ما آمنتم بالغيب عندما جاءكم ولا آمنتم بهذا الحق الذي قامت
عليه الدلائل ولكنكم كذبتم وكفرتم وتخطيتم هذه الدلائل وتعاميتم عنها
(وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ). ثم قال الله عز وجل (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ
يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا) أي مكذبين بها (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ
يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي
حَدِيثٍ غَيْرِهِ) يعني أعرض عن هؤلاء الذين جلسوا مجلساً يتكلمون فيه عن
تكذيب آيات الله ويتحدثون فيه بأحاديث لا يليق بالمؤمن أن يسمعها أو يجلس
مع أهلها لأن الجلوس مع هؤلاء القوم إقرار على باطلهم قال (وَإِذَا
رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى
يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ
تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) إياك أن تقر
وتجلس في ذلك المجلس. وهذه الآية آية مكية وجاءت آية مدنية تؤكد هذا المعنى
وتدل عليه قال الله عز وجل (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ
أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا
فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ
إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ
وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140) النساء) إذن لا يجوز للمسلم
إذا سمع من ينتقص من آيات الله ويشكك في شرع الله ويستهزئ برسول الله أو
يسب أحد علماء الدين لدينه أن يجلس ذلك المجلس إلا إذا كان يُنكره أو لا
يسعه الجلوس في ذلك المجلس قال (حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ)
(وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ) لو ألهاك إبليس ثم تذكرت وعلمت أن
هذا المجلس لا يحل الجلوس فيه (فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ
الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)بعد الذكرى أي بعد التذكر. ولاحظ لم يقل فلا تقعد
بعد الذكرى معهم بل قال (فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ
الظَّالِمِينَ) ليبين أنهم ظالمون وهذا من وضع المُظهَر موقع المضمر ليبين
بذلك الحكم وأنهم ظالمون لأنفسهم وأنهم ظالمون للحقيقة والحق الذي يجب أن
ينتصروا له. ثم قال (وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم
مِّن شَيْءٍ وَلَـكِن ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) أي إذا خاض هؤلاء في
آيات الله فإنه ليس عليك من حسابهم شيء ولكن أمرناك بأن تقوم عن مجلسهم
لعلهم يتذكرون فينتهون ويتقون ما يتحدثون فيه من سب الله وسب رسوله
والاستهزاء بعلماء المسلمين وأهل الدين كما حصل للمنافقين الذين كانوا مع
رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك قالوا وهم يمشون في الطريق
قالوا ما رأينا مثل قرائنا أرغب بطوناً ولا أكذب ألسناً ولا أجبن عند
اللقاء فجاء أحد الصحابة فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم وقد نزل عليه
الوحي (قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ
(65) لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ (66) التوبة)
فحكم عليهم بالكفر. ولذلك نقول إحذر أيها المسلم إذا كنت في مجلس أياً كان
هذا المجلس حتى ولو كان هذا المجلس شاشة ترقبها وتنظر إليها وفيها من يكفر
بالله ويتسهزئ بالله ويعصي الله فإياك أن تجلس في ذلك المجلس وغيّر تلك
القناة ولا تجلس ذلك المجلس لأنه لا يحل لك أن تبقى في مجلس يقام فيه
المنكر. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم "من رأى منكم منكراً فليغيره
بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه" وقد قال بعض العلماء" إذا
لم يزل المنكر فزُل أنت" إُخرج أنت ولا تبقى في المكان الذي يُفعل فيه
المنكر. أسال الله سبحانه وتعالى أن يمنّ علي وعليكم بالقيام بالحق وتبليغه
للناس والصبر عليه وأن لا نكون خلطاء لأهل الباطل ولا مشجعين لهم بشيء من
باطلهم نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على ذلك أقول قولي هذا وأستغفر
الله لي ولكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
موسعة برامج القران الكريم متعدد الحلقات
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:تستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات بحر المعارف - www.ifada.ace.st  ::  المنتديات العامة :: من كل بستان وردة نقطفها ... !-
إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوعانتقل الى: