منتديات بحر المعارف : كل ما تريده موجود في منتديات بحر المعارف, مواضيع عامة, مواضيع اسلامية, مواضيع طبية, مواضيع علمية, دروس تمارين فروض امتحانات,...
 
الرئيسيةبحـثس .و .جالتسجيل اتصل بناخدمات متنوعةمكتبة الصورقائمة الاعضاءاليوميةالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 موسعة برامج القران الكريم متعدد الحلقات

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : 1, 2, 3, 4  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: موسعة برامج القران الكريم متعدد الحلقات   الخميس 6 مايو 2010 - 14:48



الحلقة 29

(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ﴿١﴾مِنْ شَرِّ مَا
خَلَقَ ﴿٢﴾ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ﴿٣﴾ وَمِنْ شَرِّ
النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ﴿٤﴾ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ﴿٥﴾
الفلق)


د.
الربيعة:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد
لله وأصلي وأسلم على نبينا محمد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين. نجدد معكم
اللقاء في تمام حديثنا في هذا البرنامج المبارك لنحيا بالقرآن ومع تمام
سورة تحدثنا عنها في المجلس الماضي هي سورة الفلق. ولعلنا نجدد الحديث عن
مقصدها ونتابع آياتها. هذه السورة سورة الفلق ومعها الناس المعوذتين سبب
نزولهما هو التعوذ بالله من الشرور الظاهرة والباطنة ومعنى آخر هذه السورة
هي للتحصن والوقاية من الشرور كلها ظاهرها وباطنها، سورة الفلق ظاهر في
كونها ي الشرور الظاهرة وسورة الناس في كونها من التحصن والتعوذ بالله
تعالى من الشرور الباطنة. وقفنا في هذه السورة مع قوله عز وجل (وَمِنْ
شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ) فهل لك أن تعطينا لمحة ووقفة.


د.
الخضيري:
هذه السورة تعوذت من الشرور كلها (قُلْ
أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ﴿١﴾مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ﴿٢﴾) كما بينا في
الحلقة الماضية واليوم نذكر الشرور المفصلة التي ذكرت في هذه السورة. وهذه
الشرور المفصلة جاءت ثلاثة الأول الليل (وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا
وَقَبَ) والثاني السحر (وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ)
والثالث الحسد (وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ).


د.
الربيعة:
قد يسأل سائل ما سر تخصيص هذه الأمور
الثلاثة؟


د.
الخضيري:
الله أعلم ليس عندي تحقيق من هذا لكن
لشدة الشرور الواقعة من خلال هذه الأشياء الثلاثة وخفائها وكثرتها وأيضاً
مهما اتخذ الإنسان من احتياطات لوقاية نفسه منها فإنه لا يستطيع ولذلك لا
بد له من أن يستعيذ بالله عز وجل ويعتصم بجنابه من الوقوع في شيء من شرّها.
نبدأ بالاستعاذة من الليل ومن المناسب اننا نسجل هذه الحلقة في الليل
ونقول يستعاذ بالله من شر هذا الغاسق الليل الذي تشاهدونه، هذا الليل إذا
وقب هو الذي يستعاذ منه، لماذا الليل؟ لأنه تختبئ في ظلمته شرور كثيرة
فالمفسدون في الأرض يختبئون في ظلمة الليل ويخططون في ظلمة الليل ويحبكون
المؤامرات في ظلمة الليل، الذين ينشرون الفساد لا يقومون بذلك إلا في ظلمة
الليل، الذي يريدون أن يسرقوا أموال الناس ويقطعوا طريقهم لا يعملون إلا في
الليل، الهوام والدواب لا تسري بين الناس وتؤذيهم فتلسعهم وتلدغهم إلا في
الليل. وشياطين الجن تتحرك في بداية الليل كما قال النبي صلى الله عليه
وسلم "كفّوا صبيانكم" يعني عند غروب الشمس فإن للشياطين انتشاراً. أيضاً
السباع من الذئاب والثعالب والأسود والفهود والنمور وغيرها إنما تذهب للبحث
عن صيودها في الليل وتؤذي الناس في الليل. البث الفضائي والبث الإذاعي
بالأغاني والمجون يكون في الليل، الرقص يكون في الليالي الحمراء والبارات
والخمّارات لا يكون إلا في الليل.


د.
الربيعة:
إذن الإنسان وهو يتعوذ بالله من شر الليل
يستحضر هذه المعاني ومنها اصحاب الشر الذين يظهرون في الليل ومنها كما
ذكرتم أصحاب القنوات وأصحاب الفساد وغيرهم


د.
الخضيري:
نعم يستحضر هذا كله ويتعوذ بالله من هذا
الليل إذا دخل لكثرة ما يكون فيه من الشر, العباد ينقسمون في الليل
إنقساماً ظاهراً فمن الناس من اتخذ الليل مطية للعبادة ومناجاة الله
والخلوة بالله سبحانه وتعالى ينقطع عن الدنيا وما فيها وشاغلها وهؤلاء هم
خيار أهل الأرض وهكذا كان الأنبياء والصالحون من عباد الله إلى يومنا هذا
وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ومن الناس من يتخذ هذا الليل وسكونه
وهدأته في نشر الفساد وترويجه ويتدثر هذا الليل من أجل أن يفسد في الأرض
نسال الله العافية والسلامة، أولئك شرار الخلق. الليل شيء واحد ومع هذا
يستعمل في الحق وفيما يتقرب به إلى الله وفي الوقت ذاته يستعمل في شر شيء
يكسبه الإنسان. ومعنى الغاسق هو الليل، وورد في الحديث (وهذه نبينها للناس
حتى لا تُشكل عليهم) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة وهو يشير إلى
القمر إستعيذي بالله من شر هذا الغاسق إذا وقب. فقد يقول قائل النبي صلى
الله عليه وسلم اشار إلى القمر فهل هذا يتعارض مع صدّرتم به الآية أنه
الليل؟ نقول لا تعارض


د.
الربيعة:
هو هنا تعوذ فأنت تتعوذ بالله من شر هذ
الليل ثم المعنى الآخر القمر أنه هو موضع الإضاءة وموضع النور والضياء
والكشف فلعلك تستعيذ برب هذا القمر الذي يضيء أن يكشف لك هذه الظلمة وما
فيها من الشرور ويزيلها عنك. هذا معنى لعله ظاهر في هذا.


د.
الخضيري:
أنا لا أعرف هذا المعنى ولعله إن شاء
الله يكون مقبولاً أو شيئاً مما يتسع له صدر المفسِّر. لكن ذكر العلماء أن
النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى القمر وأراد به أنه آية الليل لأن القمر
يظهر في الليل، فالآية اشرات إلى الليل والنبي صلى الله عليه وسلم ذكر
علامة الليل وهو ظهور القمر والله أعلم..


د.
الربيعة:
بعد ذلك يقول الله سبحانه وتعالى (وَمِن
شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ)


د.
الخضيري:
قبل ذلك بقي أمر مهم نحن دائماً نحاول أن
نربط الآيات بالواقع فنقول هذا الليل يمكن أن يستعمل بالخير ويمكن أن
يستعمل في الشر فهو آية من ىيات الله وعلينا أن نستعمله في الخير وأن لا
نتخذه مطيّة إلى الأعمال السيئة، هذا أولاً. ثانياً أن نتقي الشر والأشرار
في هذا الليل فنكفّ أبناءنا ونمنعهم من السهر ونحرص على أن نجتمع بهم في
أول الليل ثم نطمئن أنهم أخلدوا للراحة والنوم ولا نسمح لهم بالخروج إلا في
حدود الحاجة والضرورة ولا نتيح لأبنائنا أن يعبثوا بالأمن ويذهبوا للأسواق
ويسيئوا بالأمن ونحن في فروشنا فيؤذوا عباد الله ونكون قد تحملنا وزرهم.


د.
الربيعة:
في الحقيقة في الليل يجتمع شياطين الإنس
والجن فيكون سبباً في الفساد المركّب. بعد ذلك يقول عز وجل في الشر الذي
يستعيذ الإنسان منه (وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ)


د.
الخضيري:
المقصود بها السحر بغض النظر هل النفاثات
هم السواحر أو الأنفس السواحر، المقصود بأن السحر شرّه عظيم وخطره بالغ
ولأنه شيء غير مشاهد ولا يمكن أن يحترز منه فجعله الله مما يستعاذ منه في
هذه السورة.


د.
الربيعة:
وهذا أمر ظاهر في الناس بسبب ما يكون
بينهم من الشحناء والبغضاء وما يوغره الشيطان في صدورهم من العداوة فهذا
السحر من أسباب إظهار الشر بينهم وهو واضح ظاهر في وقتنا الحاضر نسأل الله
العافية. كم نسمع من السواحر والسحرات الذين انتشر شرهم فيستعيذ الإنسان
بالله من شر هذا السحر وأهله. والتعبير بالنفّاثات هل هو دلالة على
الساحرات أو الأرواح والأنفس السواحر؟ أقول تعبيره بالنفث للإستعاذة من شر
هذا الساحر في وقت سحره ونفثه وهو اجتماع الأرواح الشريرة وقت فعل هذا
الساحر لهذا السحر فينبغي للإنسان أن يستحضر هذا المعنى وأقول أن من أعظم
ما يدفع شر الساحر والسحرة عنه أن يمتثل أمر الله عز وجل ويستعيذ بالله عز
وجل من شرهم فيقرأ هذه السورة. هذه السورة من أعظم العلاج لدفع هذا السحر
وهذا الشر العظيم.


د.
الخضيري:
ونقول ايضاً أنه متى علمت أخي المشاهد
بساحر أو ساحرة يمارس هذا السحر فعليك أن تقوم بواجبك بإبلاغ السلطات
والجهات المعنية عن هؤلاء لأنهم مفسدون في الأرض. وليسوا مفسدين فقط بل
كفار والعياذ بالله لأن الساحر لا يتمكن من السحر حتى يخضع للجن ويعبدهم من
دون الله، بل إننا وجدناهم ورأيناهم بالصور وهم والعياذ بالله يطأون على
المصاحف ويبولون عليها ويتغوطون والعياذ بالله عليها ويضعونها في دورات
المياه إرضاء لجنّهم وشياطينهم حتى يسخروا لهم ما يريدون أن يفعلوه بالناس.
فالسحر بوابة الكفر لا يمكن للإنسان أن يكون ساحراً حتى يكفر بالله عز
وجل. إذن نحن نقول متى علمتم بساحر أو علمتم بساحرة فاجتهدوا أن تكافحوهم
وأن تقلعوا هذا الشر والفساد من أرض الله. وحدّ الساحر كما ورد في الحديث
ضربة بالسيف فيجب أن يُستأصل هؤلاء الأشرار من الأرض.


د.
الربيعة:
ما أرحم الله تعالى بنا عندما أمرنا
بالتعوذ من هذا الشر العظيم. الشر الذي أمرنا الله بالإستعاذة منه هو الحسد
والعين (وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ)


د.
الخضيري:
والحسد شيء خفيّ ولا يكاد يخلو جسد من
حسد ولكن المؤمن يدفعه ويرضى بقضاء الله وقدره ويطمئن لأمر الله. عندما
تعلم أن أخاك أصابه مال كثير قد يقع في قلبك خواطر هذا الحسد لكنك لما
تتذكر أن هذا فضل الله وأن الله يعطي من يشاء ويمنع من يشاء وأن الله كما
أعطى الآن فهو سيعطي بعد آن وأن نعم الله ليست مقصورة. ذكِّر نفسك بأشياء
كثيرة هذا يدفع عن بإذن الله عز وجل الحسد فيذهب عنك ولا تلام على ما وقع
في قلبك لكن المنافق والفاسق والذي لا يرضى بقضاء الله ولا يطمئن لوعود
الله ماذا يفعل؟ إنه يطمئن للحسد ويبدأ هذا الحسد يفعل فعله في نفسه فما
يزال يحسد أخاه حتى يكيد له وحتى يصيبه بعينه ويؤثر عليه ويؤذيه أذى بالغاً
وهو شر عظيم ومن آثاره العين وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في العين
"لو كان شيء سابق القدر لسبقته العين"


د.
الربيعة:
نلحظ في هذا الزمن كثرة هذا الشر وهذا
الشر يظهر أنه يقترن كثيراً مع النعمة فإذا كثرت النعمة عند الناس حسد
بعضهم بعضاً عليها وهذا عجيب والواجب عكس ذلك أن تكون هذه النعمة سبباً في
فضل الناس بعضهم على بعض. وأشير في مناسبة هذا أننا ينبغي أن نتقي هذا
الحسد وهذه العين بأسباب كثيرة منها التعوذ بالله والتحصن وخاصة أن نحصن
أبناءنا فإن كثيراً من الناس يتساهلون وخاصة من النساء، فمنهن هداهن الله
من تزيّن أبناءها بل قد تزيّن نفسها ثم تخرج إلى تلك الأفراح والمناسبات
وتتعرض لأسباب الحسد والعين بذلك. أقول ينبغي علينا أن نتقي ذلك خاصة وأنه
قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أكثر أمته يموتون من العين. فمن أسباب
ذلك الوقاية بالتعوذ ومن أسباب ذلك البعد عن أسبابه ومسبباته. إذن هذه
السورة العظيمة سورة الفلق سورة هي توجيه ووصية من الله عز وجل لنا أن نتقي
الشرور بالتعوذ والإعتصام والإلتجاء إليه سبحانه وتعالى والتوحيد الخالص
له سبحانه وتعالى وأن نتقي هذه الشرور بالبعد عنها أولاً ونحذر أن نكون من
أهلها بالسحر والحسد والليل وغيرها. ينبغي أن نكون من أضدادها الصالحين
الذي يحبون الخير للناس، الذين يدفعون الشر عن الناس، الذين ينشرون الخير
بين الناسز هذه السورة العظيمة من الله عز وجل لنا أن نستعيذ بالله سبحانه
وتعالى من الشرور التي كم نتعرض لها في أزماننا وحياتنا. بهذا نختم حديثنا
عن هذه السورة ولنا معكم بإذن الله تعالى لقاء في مجلس آخر نسأل الله أن
يقينا وإياكم وذرياتنا وأزواجنا الشرور كلها ظاهرها وباطنها وصلى الله وسلم
على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.










عدل سابقا من قبل صقر في الخميس 6 مايو 2010 - 15:08 عدل 3 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ace
مشرف
مشرف


نقودي نقودي : -26416778
سمعة العضو سمعة العضو : 28999

مُساهمةموضوع: رد: موسعة برامج القران الكريم متعدد الحلقات   الخميس 6 مايو 2010 - 14:49

شكرا لك




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: موسعة برامج القران الكريم متعدد الحلقات   الخميس 6 مايو 2010 - 14:52

الحلقة 27

(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴿١﴾ اللَّهُ الصَّمَدُ
﴿٢﴾لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴿٣﴾ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴿٤﴾
الإخلاص)


د.
الربيعة:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد
لله وأصلي وأسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين. حياكم الله في
برنامجكم المبارك الذي نلتقي فيه في ظلال كتاب الله عز وجل نحيا به من خلال
تأمل وتدبر لآيات كتاب الله سبحانه وتعالى. معنا هذا اليوم سورة عظيمة
سورة قدرها وفضلها في كتاب الله عظيم فهي سورة الإخلاص التي تعدل ثلث
القرآن. هذه السورة العظيمة حينما نتأملها حق التأمل نجدها في مقصدها
الأعظم إنها تحقق للقارئ وللمتدبر الإخلاص والتوحيد لله عز وجل فمن أراد
الإخلاص وتحقيقه، الإخلاص الاعتقادي العلمي فعليه بهذه السورة.


د.
الخضيري:
سبق وقلنا في سورة الكافرون أن اسمها
سورة الإخلاص لكن بيّنا أن الإخلاص في تلك السورة هو إخلاص في العمل وهذه
إخلاص في الاعتقاد وبهذا نعلم أن الإخلاص قسمان وعلى الإنسان أن يتقي الله
سبحانه وتعالى في امتثالهما والقيام بهما. أولاً يُخلص في اعتقاده ومعرفته
بالله فهو يعلم أن الله واحد في ذاته واحد في أسمائه وصفاته، واحد في
ألوهيته، واحد في ربوبيته، واحد سبحانه وتعالى لا مثيل له ولا ند ولا شبيه
ولا نظير جل وعلا. فإذا امتلأ قلبه بذلك إنتقل إلى شيء آخر حقق ذلك في
العبادة فلم يعبد مع الله أحداً سواه. ولذلك نلاحظ أن القارئ أو أن الشارع
شرع لنا أن نقرأ هاتين السورتين في موطن واحد فنحن نقرأ سورة الكافرون
وسورة الإخلاص في ركعتي الفجر وفي ركعتي المغرب وفي الوتر ونقرأهما عند
النوم ونقرأهما في ركعتي الطواف. وهنا أشير إلى سر جميل ذكره ابن هبيرة
رحمه الله تعالى سأل أصحابه ما الحكمة من كون الإنسان يقرأ في ركعتي ما بعد
الطواف عند مقام إبراهيم سورة الكافرون والإخلاص؟ فتأمولا ولم يجدوا شيئاً
فقال لقد وجدت أن الإنسان إذا طاف بالبيت قد يقع في ظنه أنه يعظِّم هذا
البيت ويعبد هذا البيت فقيل له إقرأ ما يحقق لك الإخلاص. وأن طوافك هذا
طاعة لله وامتثال لأمر الله وإنه لولا أن الله أمرنا بذلك لم نفعل ذلك.


د.
الربيعة:
وأيضاً شرع النبي صلى الله عليه وسلم
قرآءتها أدبار الصلوات وهذا يجعلنا نتساءل ما سر ذلك؟ قرآتها مع المعوذتين
وآية الكرسي؟


د.
الخضيري:
هذا لتجديد التوحيد فنحن نجدد توحيدنا في
كل حال. وبهذه المناسبة أحب أن اذكر بحديث عظيم رواه الحاكم، قال فيه
النبي صلى الله عليه وسلم "إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب
فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم" فالتوحيد هو حقيقة الإيمان. فأنت
عندما تسأل الله سبحانه وتعالى أن يجدد الإيمان في قلبك يعني أن يجدد
التوحيد في قلبك. فتتعلق بالله ولا تنظر لأحد سوى الله ويعظم الله في قلبك
فلا يكون هناك مزاحم لله جل وعلا لا دنيا ولا مال ولا بنين ولا غير ذلك مما
يقربه الناس ويتوكلون عليه ويحبونه أو يرجونه نسأل الله العافية والسلامة.


د.
الربيعة:
تأمل إسم السورة، هل ورد فيها؟ ما ورد في
ألفاظها، الإخلاص. هذا يجعلنا نقول حقاً إنها سورة الإخلاص ولهذا فهي تعدل
ثلث القرآن؟


د.
الخضيري:
ما سر أنها تعدل ثلث القرآن؟

د.
الربيعة:
والله أعلم ذكر بعض العلماء عدة معاني
منها أنها حين كانت تتضمن التوحيد فهذا ثلث القرآن فالقرآن توحيد وعقيدة
وأحكام وأخبار فهي بهذا المعنى تعدل ثلث القرآن لكونها تحقق التوحيد لله.


د.
الخضيري:
يعني من آمن بها واعتقدها فكأنما تحقق
بثلث القرآن وكأنما إذا قرأها قرأ ثلث القرآن لأنها تشمل التوحيد بجميع
جوانبه.


د.
الربيعة:
وهذه السورة أيضاً هي نَسَب الرب سبحانه
وتعالى كما ورد أن المشركين أتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا
إنسِب لنا ربك، فأنزل الله تعالى (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) واحد ليس له
ولد وليس له والد.


د.
الخضيري:
هو الأول والآخر والظاهر والباطن. نود أن
نقف عند هذه الأحادية، عندما نعتقد أنه واحد وأنه صمد يعني سيّد قد كمُل
سؤدده وهو سبحانه وتعالى قد عظم في قدره وأسمائه وصفاته.


د.
الربيعة:
ولهذا يقول ابن عباس في ملحظ جميل في
معنى ذكره في معنى الصمد قال هو الحليم الكامل في حلمه العلمي الكامل في
علمه القدير الكامل في قدرته الحي الكامل في حياته، فالصمد دالٌ على أن لله
عز وجل الصفات والأسماء الكاملة.


د.
الخضيري:
هذا المعنى إذا تحقق منه المسلم آمن به
وعَلِمه وبدأ يربي نفسه عليه، ماذا يعني له؟ في نظري أنه يعني له الكثير.
عندما تعلم أن الله كامل في غناه، كامل في علمه، كامل في حلمه، كامل في
سؤدده، غني عن خلقه وأننا نحن بحاجة إليه وأننا لا بد أن نصمد إليه يصمد
إليه الخلق بحاجاتهم جعل ذلك العبد أن يفتقر إلى الله تمام الافتقار فيعلم
أنه لا يستطيع أن يتصرف حتى في قبضة يده، ولا في حركة عينه ولا في نبضة
قلبه ولا في شيء مما يريد أن يفعله إلا بالله. وهذه والله لو تمكّن الإنسان
منها لكان هو الموحِّد حقاً وهو أن تعترف أنك مفتقر إلى الله وأنه لا غنى
لك عن الله طرفة عين وأن الله سبحانه وتعالى قادر عليك متمكن منك محيط بك
لا يعزب من علمك عنه مثقال ذرة ولا أضغر من ذلك ولا أكبر.


د.
الربيعة:
لعل معنى الصمد هذا اللفظ العظيم حينما
يستحضره المسلم بهذين المعنيين الأول أن الله سبحانه وتعالى كامل في كل شيء
والمعنى الآخر أن جميع الخلق محتاجون إليه حينها فعلاً نحقق معنى الإخلاص.
تعرف أن الله سبحانه وتعالى كامل في وحدانيته وألوهيته وربوبيته وكامل في
أسمائه وصفاته وإذا كان هذا المعنى العظيم لله تعالى وهو الكمال حُقَّ
للمخلوقين جميعاً أن يلتجأوا إليه سبحانه وتعالى وحُقّ لهم النقص فهو
الكامل ولهم النقص فما أحوجهم له. هذا اللفظ بهذين المعنيين يعطي المسلم
توحيداً وإخلاصاً لله عز وجل.


د.
الخضيري:
أريد أن أستعرض بعض المشاهد من حياة رسول
الله صلى الله عليه وسلم في افتقاره إلى ربه لا أقول في موطن واحد ولكن في
كل المواطن. كان عليه الصلاة والسلام كثير اللجوء إلى الله سبحانه وتعالى
وإذا فزغ عليه الصلاة والسلام وحزبه أمر فزع إلى الصلاة. اذكر على سبيل
المثال في غزوة بدر خرج مجاهداً في سبيل الله ومعه خير أهل الأرض وهم
أصحابه رضي الله تعالى عنهم، لما التقى الصفان واجتمع الجندان وحصل الخوف
قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ويناشد الله، اللهم نصرك الذي
وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تُعبَد في الأرض. الرسول صلى الله
عليه وسلم يدافع عن دين الله ويجاهد في سبيل الله وجاء إلى هذا المكان
امتثالاً لأمر الله ما الحاجة إلى الدعاء؟ هو كمال الافتقار، إظهار
العبودية، إظهار التوحيد، إظهار أنني محتاج إليك يا الله في كل شيء. هذه هي
حقيقة الصمدية يعني أن تصمد إلى الله بحاجاتك، أن تعرضها على ربك أن تعلم
أنه لا يقضيها أحد إلا الله حتى إن أبا بكر لما رأى النبي صلى الله عليه
وسلم قد رفع يديه حتى سقط الرداء من على منكبيه رفع الرداء وقال كفاك
مناشدتك ربك فإن الله منجز ما وعدك. أبو بكر يشفق على رسول الله صلى الله
عليه وسلم ويقول إن الله سينجز لك ما وعدك، أبو بكر يأتي بالبشارة لرسول
الله صلى الله عليه وسلم لأنه يعلم افتقاره إلى الله عز وجل. وهذا يذكرني
بقصة حصلت للمنذر بن سعيد البلوطي لما طلب الخليفة أن يخرج ليستسقي للناس
قال كيف تركت الخليفة؟ قال تركته وهو يتمزغ على الأرض ويقول اللهم إني
أسألك أن لا تعذبهم بسببي ولا بسبب ذنوبي فقال المنذر بن سعيد فقال يا غلام
أين الممطرة (التي تقي من المطر)؟ فقيل له كيف تفعل ذلك ولمّا تستسقي بعد؟
قال إذا ذلّ جبار الأرض رحِم جبّار السماء. رحمة الله تأتي بعد ذُلِّنا
وافتقارنا إليه. وبالفعل خرج المنذر بن سعيد فما هو إلا أن بدأ يستسقي حتى
نزل المطر كأفواه القِرب ورجع الناس وهم يتّقون المطر.


د.
الربيعة:
لعلنا نرجع إلى السورة في تمامها، القسم
الأول هو في إثبات الكمال لله والوحداني والصمدية لله سبحانه وتعالى. في
قسمها الثاني تجده نفياً بعد إثبات (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ
يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)) ملحظ جميل في قوله (لم يلد) قدّم نفي
الولد على الوالد مع أن الأصل نفي الوالد قبل الولد لم يولد ولم يلد، لماذا
قدم نفي الولد؟ لأنه لم ينسب أحد الله إلى والد وكل الطوائف نسبت إلى الله
الولد فقدّم ما هو الواقع وما هو الأهم. فالقسم الثاني كله في تنزيه الله
بعد وصفه للكمال وهو ردّ لكل الطوائف التي تزعم أن لله ولد.


د.
الخضيري:
اليهود زعمت أن عزيراً ابن الله والنصارى
زعمت أن المسيح ابن الله


د.
الربيعة:
والمشركون زعموا أن الملائكة بنات الله

د.
الخضيري:
وما زال الناس إلى اليوم ينعمون أشياء
ولداً أو بنتاً تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً وهذا من أعظم الفِرى.
هناك ملحظ لعلنا نختم به وهو قوله تعالى (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3)
وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)) جمع بين نوعين من النفي النفي
الأول نفي المفصّل وهذه ليست عادة القرآن نفي المفصّل إلا عند الحاجة يعني
عندما يكون هناك حاجة إلى نفي المفصّل فإن النفي يأتي مفصّلاً وإلا في
الأصل أن النفي يأتي مجملاً كما في قوله (وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا
أَحَد). فالأصل في الإثبات أن يكون مفصلاً وفي النفي أن يكون مجملاً فجاء
النفي هنا مجملاً وجاء النفي أيضاً مفصّلاً ولكن لأجل الحاجة. لما كانت
هناك حاجة جاء النفي فيها مفصلاً.


د.
الربيعة:
إذن نستطيع أن نقول أن هذه السورة
العظيمة سورة تحقق في نفس الإنسان الذي يقرأها بتدبر وتحقيق تحقيق الإخلاص
والتوحيد لله، فمن أراد تحقيق الإخلاص والتوحيد فليقرأ هذه السورة وليكررها
في قلبه قبل لسانه.


د.
الخضيري:
وليحبها أيضاً حتى يحبه الله كما حصل
لأحد الصحابة عندما كان يختم قراءته في كل ركعة بسورة الإخلاص فجاء اصحابه
وأخبروا النبي صلى الله عليه وسلم فقال سلوه لِمَ يفعل ذلك؟ فقال لأن فيها
صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأها فقال أخبروه أن الله يحبه بحبها.


د.
الربيعة:
وأننا نُشهد الله عز وجل في ختام هذه
الحلقة حب هذه السورة وحب كتابه نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من أحبابه ومن
أهل كتابه ونعتذر إليكم لأن هذه السورة لا تنتهي معانيها لعظم فضلها ولكننا
أخذنا شيئاً منها لعلنا نترك لكم بقيتها في تدبر وتأمل. لنا معكم لقاء
بإذن الله والسلام عليكم وحرمة الله وبركاته.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: موسعة برامج القران الكريم متعدد الحلقات   الخميس 6 مايو 2010 - 14:54

الحلقة 26

د.
الخضيري:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . الحمد
لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. كما قدمنا
لكم في بداية حلقات هذا البرنامج الذي نسبح فيه في عالم قِصار المفصّل
تعاهدنا وتعلمنا على أن نأخذ دورة في هذه السور كيف نتدبر القرآن ونحول
الآيات إلى منهاج عملي لنحيا بالقرآن. فهذا هو المجلس الخامس والعشرون وهذه
هي الجلسة المخصصة لسورة المسد والتي يقول الله عز وجل فيها (تَبَّتْ
يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴿١﴾ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ
﴿٢﴾ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ ﴿٣﴾ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ
﴿٤﴾ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ﴿٥﴾ المسد). هذه السورة جاءت للحديث
عن شخص لكن هذا الشخص متميز شخص خاص بمواصفات خاصة ولذلك خصصت هذه السورة
له بل سميت باسمه بل صُرِّح في القرآن بإسمه على غير عادة القرآن الجارية
على عدم التصريح بالكافرين والمنافقين والمناوئين للدعوة وإنما يذكرهم
إجمالاً ويذكر صفاتهم. في هذه السورة حديث خاص باسمه وبعينه، لماذا؟ وما
الحكمة من ذلك؟ لماذا تحدثت هذه السورة عن شخص معين.


د.
الربيعة:
هذه السورة سورة المسد تحدثت عن أقرب
الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو عمه أبو لهب وهذا يجرّنا إلى البحث
عن سبب نزول هذه السورة. سبب نزول هذه السورة هو أن النبي صلى الله عليه
وسلم لما أُمر بإعلان دعوته (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214)
الشعراء) (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ (94) الحجر) فصعد على الصفا ونادى
قريشاً ثم قال لهم لو أخبرتكم أن خلف سفح هذا الجبل جيشاً سيغزوكم أكنتم
مصدقيّ؟ قالوا ما جربنا عليك كذباً، قال إن ينذير لكم بين يدي عذاب أليم،
فقال أبو لهب بجرأته وهم عمّ النبي صلى الله عليه وسلم وهزّ يده عليه وقال
تباً لك ألهذا جمعتنا؟ تبّاً يعني هلاكاً ووعيداً وتشنيعاً عليه فأنزل الله
عز وجل هذه السورة لتكون عبرة لمن خلفه ممن يعلن العداوة للدعوة وأهلها.
وهو عم النبي وأقرب الناس إليه لم يحابيه القرآن ولم تحابيه هذه السورة ولم
يصرح القرآن برجل غير هذا الرجل من أهل الكفر الذين كانوا في عهد النبي
صلى الله عليه وسلم.


د.
الخضيري:
لم يصرح إلا بإسم أبي لهب

د.
الربيعة:
هذا يدلنا على أن أول المعادين للدعوة
يتولى كِبراً وإثماً عظيماً (وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ
عَذَابٌ عَظِيمٌ (11) النور) فمن تولى كبر المعصية وساق الناس إليها ودعا
الناس إليها ومن تولى كبر عمل من الأعمال


د.
الخضيري:
مناوأة الدعوة ومعاداة الداعين إلى الله
سبحانه وتعالى ومحاولة تشكيك الناس بثوابتهم ودينهم فإنه يجب علينا أن نرد
عليه بقوة ونقطعه ونبين تهافت حجته وأيضاً نصرح بإسمه


د.
الربيعة:
قد يقول بعض الناس لماذا نتكلم عن
الأسماء؟ نحن نتكلم عن الأسماء حينما تكون هذه الأسماء رموزاً للشر ويكون
لها كبر الأمر وتولي كبر هذا الفساد والإفساد حينها ينبغي أن نصرح بإسمهم
تحذيراً منهم ومن شرّهم. فالقرآن في عادته لم يصرح بإسم أبي جهل ولا بإسم
ابن شيبة ولا بغيرهم من صناديد قريش إنما صرح بأعمالهم وسيء أخلاقهم. أما
ابو لهب حينما كان أول من تولى العداوة فقد صرّح بإسمه فنقول أننا بحاجة أن
نفقه هذا المنهج الرباني في التصريح بالأسماء. لعلنا نواصل الحديث في هذه
السورة لنتبين حقيقة هذا الرجل والذي دعاه إلى هذا الكبر وهذه الغطرسة،
يقول تعالى (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴿١﴾ مَا أَغْنَى عَنْهُ
مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ﴿٢﴾)


د.
الخضيري:
ماله وولده وجاهه جعلوه يكذب برسول الله
صلى الله عليه وسلم إضافة إلى ما طُبع عليه من الكبر الذي منعه من قبول
الحق فهو امتنع عن قبول دعوة النبي صلى الله عليه وسلم مع وضوحها وبيان
الحجة فيها وأن النبي صلى اله عليه وسلم لم يدخر وسعاً في القيام بالحجة
على وجهها.


د.
الربيعة:
لو كان المكذبين ليسوا من عشيرة النبي
صلى الله عليه وسلم لكان له في ذلك عذر عند قبيلته وعذر عند عشيرته لكن هذا
أقرب الناس إليه فالإنسان من أعظم ما يدعوه إلى الإعراض وأعظم ما يدعوه
إلى الصد عن سبيل الله عز وجل حينما يكون ذا غنى وكونه ذا جاه وذا شرف
ومنصب في الناس وهذا نشاهده على الواقع، نجد في الناس من هو ذو وجاهة


د.
الخضيري:
(وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن
نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ
كَافِرُونَ (34) سبأ) تأمل هذا المعنى أن الترف والرفاهية وكثرة المال
والغنى يطغيان العبد كما قال عز وجل في سورة العلق (كَلَّا إِنَّ
الْإِنسَانَ لَيَطْغَى (6) أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى (7)) متى رأى الإنسان
نفسه مستغنياً فإن هذا يدعوه إلى الطغيان والاستكبار بالحق.


د.
الربيعة:
تأمل أيضاً سورة الهمزة (وَيْلٌ لِّكُلِّ
هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ (1) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (2)) جمع مالاً
وعدده فكان سبباً في طغيانه واستهزائه وسخريته كما سيأتي الحديث عنه في
سورة الهمزة. بعد ذلك تأمل السورة في قوله (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ
وَتَبَّ ﴿١﴾ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ﴿٢﴾)


د.
الخضيري:
عملك الصالح إذا اتقيت به الله عز وجل

د.
الربيعة:
هذه الصورة التي تمثل بها أبو لهب صورة
تتكرر كثيراً في واقعنا. ولهذا أبرزها الله عز وجل في هذه السورة وأبرز هذا
الرجل ليكون عبرة لغيره وكل من تصدى للصد عن سبيل الله عز وجل فيكون أمامه
ابو لهب الذي توعده الله تعالى بالويل (سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ).
وتأمل كيف قال (سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ) في مقابل قوله (تَبَّتْ
يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ) ما المناسبة بين هذين اللفظين؟


د.
الخضيري:
لا شك أن أبا لهب كان يُكنة في الجاهلية
بأبي لهب من إشراق وجهه وحمرته الحمرة التي كانت تعلوه فكان كأنه قطعة من
اللهب، فالله عز وجل توعده بضد ما كان يُكنى به وهو أنه سيصلى ناراً متلهبة
فكما كنت ذا لهب في الدنيا فأنت ذا لهب في الآخرة وستصلى ناراً ذات لهب.


د.
الربيعة:
هذا يجعلنا نقول أن الإنسان سيعذب بالأمر
الذي كان سبباً في توليه هذا الكبر وإعراضه. فالإنسان الذي تولى كبره من
منصبه فإنه سيعذب يوم القيامة بمنصبه.


د.
الخضيري:
ومن أحب شيئاً دون الله عز وجل وعبده دون
الله عز وجل عُذّب به. لاحظ أيضاً مسألة أخرى مهمة جداً أن أبا لهب لم
يقتصر عليه العذاب بل حتى الذين عاونوه وعاضدوه وساندوه ووقفوا معه وكان
لهم دور ثانوي في دعم مسيرته في صد الناس عن دين الله عز وجل كان لهم مثل
وعيده. فلا تقل أنا سرت في ركاب هؤلاء وسايرت هؤلاء الناس ومشيت معهم وهم
الذين غرروا بي، لا أحد يغرر بأحد وما أحد إلا مسؤول عن نفسه ولذلك ذكر
الله عز وجل في القرآن امرأته (وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي
جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ (5)) لهذا نحن نحذر أنت مسؤول بنفسك عما
تعتقده وعن مواقفك وستُسال عنها أمام الله سبحانه وتعالى. لا تقل فلان قال
بها فقلت بها مثلما قال، لا، عندما يقول بها فلان إعرضها على قلبك واعرضها
على عقلك واعرضها كتاب ربك واعرضها على الح واعرضها علة الواقع تأمل هل هي
بالفعل تستحق أن يُتبع عليها صاحبها أو لا تستحق، فلا تكن إمعة إن أحسن
الناس أحسنت وإن أساؤا أسأت ولكن وطّن نفسك إن أحسنوا أن تحسن وإن اساؤا
ألا تتابعهم في إساءتهم


د.
الربيعة:
ما أكثر المطبلين للباطل يتبعونه وهم لا
يشعرون! لكن حينما نتأمل السورة نجدها ركزت على هذا الرجل وزوجته، لماذا
زوجته؟ هل فقط زوجته كانت تبعاً له أم كان لها شأن في عداوة النبي صلى الله
عليه وسلم؟


د.
الخضيري:
لا شك كان لها شأن في عداوة النبي صلى
الله عليه وسلم كانت تقوم بادوار إيذاء للنبي صلى الله عليه وسلم لا تقل
عما يفعله الزوج حتى أنها كانت تأتي بالقمامات والشوك وتضعه في طريق النبي
صلى الله عليه وسلم، كانت تؤذي النبي صلى الله عليه وسلم بلسانها، كانت
تحاول أن تضع العراقيل في دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، تشيع الشائعات،
لم تكن مجرد مطبِّل فقط يعني تصفّق لأفعال زوجها فقط ولو فعلت ذلك لكانت
ملومة ولكنها كانت تزيد على ذلك بأنها كانت تفعل أشياء محددة في صد الناس
عن دين الله وإيذاء أصحاب الدعوات


د.
الربيعة:
وللسورة سبب نزول نذكره على وجه سريع أن
النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه السورة ذكر المفسرون أن أم جميل
امرأة أبي لهب جاءت ومعها حجر تريد أن ترمي به النبي صلى الله عليه وسلم
وجاءت تقول أين الذي يسبني؟ فجاءت والنبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر عند
الكعبة فقال أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم هاهي أم جميل قد أقبلت، فلما
جاءت لم تر النبي صلى الله عليه وسلم حجبها جبريل عنه فقالت أين صاحبك؟ لو
رأيته لرميته بهذا الحجر. هذا يدلنا على أن المرأة لها شأنها ولذلك نقول
هي رمز النساء اللآئي يتولين الإفساد في الأرض.


د.
الخضيري:
وما أكثرهن في هذا الزمان. وبالمناسبة
أشرت إلى شيء مهم أن الإنسان قد لا يكون رأساً في الفساد لكنه يطبِّل
للفساد فلا تظن أنك بمنأى عن عقوبة الله عز وجل، والله أنا دعيت إلى قناة
فضائية إلى أن أصور أو أؤجر للبنك الربوي هذا أنا ما لي شأن في هذه الأمور
أنا ما فعلت شيئاً من الإثم، إذن من الذي هيّأ لهم هذا البلاء؟ من الذي
قدّم لهم هذا العمل على طبق من ذهب؟ من الذي ساعدهم في تحقيق ممكنهم
ومحاربتهم لله؟ّ هو أنت وتعلم أن هذا محرّم وهذا لا يجوز فلا يحل لك أن
تتصرف هذا التصرف ووزرك على قدر عملك وكلهم مشتركون في الوزر.


د.
الربيعة:
في السورة قال (وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ
الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ (5)) الجيد هو الرقبة،
فالرقبة تسمى جيداً إذا كان عليها حليّ تسمى جيداً فهذا الجيد الذي كان
عليه الجمال والبهاء سيكون عليه حبلاً من مسد. ما هو المسد؟


د.
الخضيري:
هو الحبل من الليف المتين ستجر به يوم
القيامة. نختم بمسالة مهمة جداً وهي أن أبو لهب عم النبي صلى الله عليه
وسلم ومع ذلك لم ينفعه قربه لما كفر برسول الله وهذا يقرره النبي صلى الله
عليه وسلم لنا كلمة جميلة عظيمة أحب أن اذكر بها، قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم "من بطّأ به عمله لم يُسرع به نسبه" لا تقل أبي عالم، أبي تخرج
من الجامعة الفلانية، أبي مفتي، أبي من الصالحين، بنى المساجد، أنفق
النفقات، أنت ماذا فعلت؟ أنت ماذا قدمت؟ أنت ماذا صنعت لنفسك من الصالحات؟
لا تقل قد عمل آبائي وأنا سلسلة من الصالحين لكن ماذا عملت أنت؟ من بطّأ به
عمله لن يسرع به نسبه. نسبك لن يقرّبك إلى الله إنما الذي يقربك غلى الله
عز وجل هو عملك فلننتبه لهذا ولنحذر من الفخر بأنسابنا وأحسابنا وندع العمل
الذي هو حسبنا ونسبنا يوم نلقى ربنا سبحانه وتعالى.


د.
الربيعة:
ما أعظم هذه السورة في ختام حديثنا عنها
حينما تعطينا معنى عظيماً في الذين يصدون عن دين الله ويتولون كبر هذا
الصدّ نحذر أن نكون منهم أو أن نكون من أتباعهم أو الناعقين باسمائهم
وبدعواتهم وما أكثرهم اليوم! دعوات الباطل، تحرير المرأة، دعوات التغرير،
دعوات التبعية للأعداء والغرب، دعوات التخلي عن دين الله، إنها دعوات كثيرة
ينبغي أن نتفظن لها ونعرف أصحابها فنحذرهم ونحذر دعواتهم. نختم حديثنا
نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من الذي يدعون إلى الخير ويحفظنا من الذين
يصدون عن الحق ونسأله سبحانه وتعالى أن ينصر دينه وكتابه وسنة نبيه صلى
الله عليه وسلم. ولنا لقاء بإذن الله عز وجل في جلسات قادمة وصلى الله وسلم
على نبينا محمد.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: موسعة برامج القران الكريم متعدد الحلقات   الخميس 6 مايو 2010 - 14:56

الحلقة 25

(إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1)
وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2)
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3)
النصر)


د.
الربيعة:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد
لله وأصلي وأسلم على رسول الله الأمين وعلى آله وأصحابه أجمعين, أما بعد،
حياكم الله في حلقة من حلقات برنامجكم المبارك "لنحيا بالقرآن" نسأل الله
عز وجل أن يحيي قلوبنا بكتابه. ما زلنا وإياكم مع سور كتاب الله عز وجل،
تلك السور التي نعيش فيها في ظلالها ونحيا مع آياتها متمثلين فيها المعاني
التي يمكن أن نطبقها في واقعنا. معنا اليوم سورة عظيمة سورة تأنس لها
القلوب المؤمنة وترجوها قلوب المؤمنين اليوم إنها سورة النصر. سورة هي آخر
سورة نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم كسورة وليست كآية. نزلت عليه أولاً
تبشره بأن هذا الدين الذين منحه الله تعالى إياه فسيمنحه الله تعالى معه
النصر والخير الكثير. وهي إشارة في نزولها إلى تمام هذا الدين في شرعه
والرسالة ولذلك هذه السورة كما ذكر ابن عباس رضي الله تعالى عنه وعمر رضي
الله تعالى عنه أنها في أَجَل النبي صلى الله عليه وسلم. لعلنا نتأمل من
خلال هذه السورة هذا المعنى العظيم ونأخذ منه مقصداً عظيماً وهو أن الله
تعالى يعدنا بأن هذا الدين موصول بالنصر وموصول بالفتح إلى يوم الدين
"وليبلغنّ هذا الدين ما بلغ الليل والنهار". ويبين الله تعالى أن هذا النصر
مربوط بأمر وشروط هي تسبيح الله عز وجل والتوبة إليه والرجوع إليه وصدق
الرجوع إليه كما سيأتي في بيان هذه السورة. لعلنا نأخذ بعض آيات هذه السورة
وقبل ذلك هل يمكن أن نأخذ فيها معنى بيان أَجَل النبي صلى الله وسلم؟


د.
الخضيري:
لا شك أن هذه السورة لما نزلت علم منها
فقهاء الصحابة أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذلك لأنه إذا جاء نصر
الله وفتح الله على رسوله صلى الله عليه وسلم فاستغفر يا محمد وسبح بحمد
ربك واستعفر إن الله تواب عليك. يفهم كل واحد من هذا المعنى من هذا السياق
أنه قد أديت الأمانة وأكملت الرسالة وبلّغت المهمة التي عليك فاستعد للقاء
الله بالتسبيح والاستغفار. هذا ما فهمه أبو بكر رضي الله تعالى عنه وما
فهمه عمر وما فهمه ابن عباس ولذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما أخذ بعض
الصحابة عليه أنه يُدخل ابن عباس مع كبار الصحابة أراد أن يبين لهم لماذا
يفعل ذلك، لمكانة ابن عباس وعلمه بالكتاب.


د.
الربيعة:
وببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم
له.


د.
الخضيري:
نعم، ببركة دعاء النبي صلى الله عليه
وسلم عندما دعا له قال: اللهم فقهه في الدين وعلّمه التأويل" فعُلِّم
التأويل. فابن عباس رضي الله عنه وأرضاه يوماً ما دعاه عمر ليدخل مع كبار
الصحابة فلما اكتمل المجلس قال ما تقولون في قول الله عز وجل (إِذَا جَاء
نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ
اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ
إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3))؟ فهم أجابوا بظاهر الآية وظاهر الآية وما
أجابوا صحيح وليس خطأ ولكن عمر كان يسأل عن المعنى الذي يحتاج إلى تأمل
وتدبر وإعمال فِكر فهذا هو الذي كان يبحث عنه عمر رضي الله عنه ويقيس به
فهم ابن عباس ومدى رسوخه في العلم. فقال ما تقولون فيها؟ قالوا أمر الله
نبيه صلى الله عليه وسلم إذا فتح الله عليه ونصره ودخل الناس في دين الله
أفواجاً أن يسبح بحمد ربه ويستغفره. قال ماذا تقول فيها يا ابن عباس؟ قال
هذه أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم. يعني أنها تبين أن محمداً قد حان
أجله لأنه لما قال إذا جاء نصر الله فسبح يا محمد واستغفر يعني إستعد
للموت. قال لا أعلم منها إلا ما تعلم فأذعن الصحابة وعلموا ابن عباس قد
أوتي علماً وهو شاب. ولذلك يقول ابن عباس في وصف نفسه وهو يتمدح في قول
الله عز وجل (هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ
مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا
الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ
ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ
إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ
كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ
(7) آل عمران) يقول أنا من الراسخين في العلم.


د.
الربيعة:
وذلك ببركة دعاء النبي صلى الله عليه
وسلم له. نستفيد من هذا أنه إذا لمحنا من شاب فطنة وإقبالاً على العلم أننا
نجعل له من أمرنا اهتماماً ونجعله في مجالس الكبار حتى يتعلم منهم.


د.
الخضيري:
بلى بل إننا يجب أن نكون لماحين في
التعرف على أبنائنا ومن حولنا فنسخر كل واحد فيما يصلح له. قال النبي صلى
الله عليه وسلم "إعملوا كلٌ ميسر لما خُلق له". فعندما أرى شاباً عنده ذكاء
وفطنة فاجعله مع من يوقظه وينبهه وعندما أجد شاباً جلداً على الزراعة
والحرث أعلمه ما ينتفع به، كما كان النبي يسخر الصحابة لما أسلم خالد بن
الوليد قال هذا سيف من سيوف الله سلّه الله على المشركين.


د.
الربيعة:
هذه رسالة.

د.
الخضيري:
ولما اسلم أبو هريرة وجاء ورأى عنده
حرصاً على أحاديث رسول الله دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالبركة في
الحفظ فصار أحفظ أصحاب رسول الله حتى حكى لهذه الأمة أكثر من خمسة آلآف
حديث وعنده خير كثير لم يدانه أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.


د.
الربيعة:
لعلنا نقف عند لفتة في دعاء النبي صلى
الله عليه وسلم لابن عباس بالعلم أنه ينبغي أن نُكثر من الدعاء لأبنائنا
بالعلم وبفهم القرآن العظيم فإنه إن علموا وفهموا كتاب الله فقد استقاموا.
لعلنا ندلف إلى السورة في قوله عز وجل (إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ
وَالْفَتْحُ) إذا تأملت هذا الأسلوب العظيم (إذا جاء) أنه لم يأت بعد مع
أنه قد جاء. هنا قال الله تعالى (إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ)
والنبي صلى الله عليه وسلم قد نُصر وفُتح له فهذا يعطينا معنى عظيماً أن
هذا النصر لا يزال ولن يزال لهذه الأمة، هذا النصر وهذا الفتح. فهذا يعطينا
بشرى من الله للمؤمنين بان هذا الدين ودينكم منصور ما بقيت الدنيا فما
أعظم هذا المعنى في هذه السورة العظيمة.


د.
الخضيري:
قول الله عز وجل (إِذَا جَاء نَصْرُ
اللَّهِ وَالْفَتْحُ) يجب أن نعلم أن هذا النصر الذي يؤتى من الله وأنه إذا
كان النصر الذي ستؤتاه الأمة من الله فيجب علينا أن نعتني بالله لأن النصر
من عنده. الناس يعتنون الآن الحكومات والدول سواء منها الإسلامية وغير
الإسلامية تعتني بالتسليح وتعتني باشياء كثيرة ترى أن النصر يتحقق بها
وتنسى الله. نحن لا نقول لهم اتركوا الإعداد، الإعداد مطلوب ولكن يجب أن
يكون هذا الإعداد وسيلة والحقيقة يجب أن نعلم أن النصر لا يكون إلا من الله
ولا ينحقق إلا بالله ولا يُسأله أحد إلا الله وعلينا أن نوفي الله حقه وأن
ننصر الله بتحكيم شرعه والقيام بأوامره واجتناب نواهيه. فإذا فعلنا ذلك
عملت هذه الوسائل وأدّت مفعولها وأثّرت في واقع الحياة وهذا شيء يجب علينا
أن ننتبه له، النصر من عند الله. ولعلنا نذكر شيئاً حدث للمسلمين في عهد
قريب مع إخواننا في غزة انتصروا مع أنهم كانوا مغلوبين وكانوا محاصرين
لأكثر من عام ونصف والعدو يحاصرهم من كل زاوية حتى منع عنهم الطعام والشراب
والدواء ثم قاتلهم قتالاً شديداً ودمّر البنى التحية لأرضهم ومع ذلك لم
يستطع أن يتقدم شبراً واحداً في أرض غزة لأنه خاف ولأنهم وجدوا أسوداً
نصروا الله سبحانه وتعالى فنصرهم فكانت هزيمة ساحقة لليهود وإسرائيل التي
تدّعي أنها إسرائيل وهي كاذبة في دعاوها، كانت هزيمة ساحقة. ونحن نعلم أن
إخواننا في غزة عندهم أخطاء ولم يكملوا كل شيء لكنهم صدقوا في نصرتهم لله
عز وجل وفي التجائهم إلى الله فأعطاهم الله النصر وإلا كانوا بين فكي
الكماشة يكاد عدوهم أن يستأصلهم. وقد قال من قال من علماء الحرب والعسكريين
أن اليهود سيمسحون غزة من الخارطة وسيفعلون بهم الأفاعيل وسيذهب كل من في
غزة من البشر، ماذا حدث؟ ثلاث وعشرون يوماً وإسرائيل تدك وتدك إخواننا في
غزة ويئست من ذلك ورجعت خاسئة خائبة بحمد الله سبحانه وتعالى.


د.
الربيعة:
هنا وقفة أشرت إليه في قوله (نصر الله)
النصر ليس على كل حال أن يكون الإنسان يُفتح له في البلاد، النصر هو لثبات
على الدين والقوة والرسوخ كما مثلت في نصر إخواننا في غزة. لقد نُصروا وإن
لم يفتح لهم في بلادهم لكننا نسال الله أن يُتبع الله لهم هذا النصر فتحاً
فيمكنهم في الأرض وبإذن الله سيكون لهم ذلك إن ثبتوا على نصر الله ودينه.
في قوله (وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا)
هذا وعد من الله بأن هذا الدين سيدخله الناس.


د.
الخضيري:
وهذا رآه الناس فيما قبل ورأينا شيئاً
منه


د.
الربيعة:
ورآه النبي صلى الله عليه وسلم في عام
الفتح وفي عام الوفود.


د.
الخضيري:
في عام الوفود بعد الفتح بعام جاءت وفود
من كل مكان فدخلت في دين الله أفواجاً. ونحن اليوم نرى شيئاً من ذلك، في
قارة أفريقيا يدخل الناس في دين الله أفواجاً والله ليسوا بالمئات ولا
بالآلآف بل بعشرات الآلآف قرى بأكملها عن بكرة أبيها تدخل في دين الله عز
وجل مذعنة طائعة.


د.
الربيعة:
بل في الدول العظمى التي تواجه الإسلام
تجد من المسلمين كثير. لعلنا نختم السورة بختامها (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ
رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا)


د.
الخضيري:
ينبغي أن نقابل كل نعمة بأن نُكثر من
عبادة الله وذكره. وذكر الله هو أجلّ العبادات. فإذا فتح الله عز وجل علينا
وآتانا من فضله فعلينا أن نشطر نعمة الله سبحانه وتعالى وأن نسبح بحمد
الله وأن نستغفره. قد تقول لماذا الاستغفار وقد أنعم الله علينا؟ لماذا
الاستغفار وقد قمنا بنصر الله؟ فأقول لا يمكن للإنسان أن يقوم بعبادة الله
على وجه الكمال والتمام فلا بد أن نقصِّر نحن بشر لا بد أن نخطيء نحن بشر،
ولا بد أن يجري على أعمالنا شيء من الشوائب نحن بشر ولذلك نستغفر الله عز
وجل. أُنظر إلينا أول ما ننتهي من صلاتنا نستغفر الله لأنك في صلاتك قد
تخطيء، قد تسهو، قد تغفل، قد تقصر في الخشوع فإنك تستغفر الله لأنك ما عبدت
الله عز وجل حق عبادته.


د.
الربيعة:
وهناك معنى آخر وهو أن الاستغفار يقطع
على الإنسان وساوس الشيطان بالبطر والإعجاب بهذا العمل بعد تمامه فإن هذا
من أعظم مداخل الشيطان يصطاد بها الإنسان يُظهر له العُجب وأنك فعلت وفعلت
فيُبطل أجره. فهذا الاستغفار يجعلك تستحضر قصورك وافتقارك وأن هذا العمل
ليس في حق الله لم يكن في حق الله في شيء فحق الله عظيم، هذا عمل يسير فيما
آتاك الله تعالى. ختام السورة عظيم فتسبيح لله عز وجل هو تمجيد يوم أن
مجّدك الله ومجّد دينك تمجّده وتسبحه. والحمد هو الوصف الكامل لله عز وجل
فتسبحه وتحمده (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ) فهذا من الشكر
يوم أن كمّل الله تعالى لك الدين فاجعل هذا في الثناء على الله عز وجل ثم
بعد ذلك في الاستغفار فالجمع بينهما له مناسبة ظاهرة. ثم في ختام السورة
(إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) هذا المعنى يعطينا فسحة من ربنا والله تعالى يمد
يديه إلينا فيقول (إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) إنه يدعونا أن نتوب وأن
نستغفر وأن نرجع إليه


د.
الخضيري:
وهو توّاب كثير التوبة على عباده.

د.
الربيعة:
ما أعظم هذا الختام! وما أعظم أن نكون من
أهله وأن نقتدي برسولنا صلى الله عليه وسلم الذي كان يتأوّل هذه السورة
فكان يُكثر في آخر حياته من الاستغفار والتسبيح لله عز وجل كما قالت عائشة
رضي الله عنها


د.
الخضيري:
كان يُكثر أن يقول في سجوده وفي ركوعه
سبحانك الله وبحمد اللهم اغفر لي.

د. الربيعة:
ختاماً هذه السورة العظيمة التي تعطينا معنى النصر والوعد من ربنا بالنصر
وتعطينا الوعد من ربنا بالفتح وتعطينا من ربنا لهذه الأمة أن هذه الأمة أمة
سيكثرها الله تعالى بالدخول في دين الله عز وجل فما علينا إلا أن نقوم بحق
هذا الدين بالنصر، حق هذا الدين أن نكون من أنصاره وأن ننصر الله عز وجل
بعبادته وطاعته والدفاع عن دينه والبذل في سبيله علنا أن نحوز وأن نكون من
أهل نصر الله عز وجل. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يمنحنا نصره المبين
وفتحه الكريم وأن يقر أعيننا بفتح ونصر للإسلام والمسلمين. بهذا نختم هذا
اللقاء ونسأل الله عز وجل لنا ولكم التوفيق وصلى الله وسلم على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: موسعة برامج القران الكريم متعدد الحلقات   الخميس 6 مايو 2010 - 14:56

الحلقة 25

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف
الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. هذا هو اللقاء
السابع عشر من لقاءات هذا البرنامج أضواء المقاطع ونحن الآن في الجزء
السابع عشر من كتاب الله عز وجل وفي سورة الحج تحديداً وفي الآية 38، يقول
الله عز وجل فيها (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ
اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ﴿٣٨﴾ أُذِنَ لِلَّذِينَ
يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ
لَقَدِيرٌ ﴿٣٩﴾ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ
إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ
بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ
وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ
اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴿٤٠﴾)


في هذه الايات بشرى من الله سبحانه وتعالى لأهل
الإيمان بأنهم إن صدقوا في إيمانهم وثبتوا على دينهم فإن الله يتولى الدفاع
عنهم بل بأن ينصرهم في كل موطن يقابلون فيه عدوهم. قال الله سبحانه وتعالى
(إن الله يدافع) فيا أيها المؤن إطمئن فإن الله معك ينصرك ويؤدك ويذب عنك
ويحميك ويدافع عنك ولا يتركك ولا يسلمك لعدوك، أُصدق في إيمانك تحقق من
الإيمان تأكد منه وتثبت من سلامته فإنك إذا كنت كذلك فإن الله كريم يفي
بوعده والله لا يخلف الميعاد. هذا الوعد ينبغي أن يكون حاضراً في بالنا
عندما يجتمع علينا أعداؤنا وينبغي ان يكون حاضراً في بال المسلم عندما يقوم
برفع راية الحق ودعوة الناس إلى الله سبحانه وتعالى بأن لا يخاف وأن لا
يجبن وأن لا يهن ولا يضعف ولا يحزن فإن الله سبحانه وتعالى يدافع عنه
ويمكنه ويقوم بنصرته ويتولاه ولا يخذله. ثم قال (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ
كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ) أي لا يحب من اتصف بهاتين الصفتين الصفة الأولى
صفة الخيانة وهي نقض العهد والميثاق وعدم الوفاء بهما والثانية الكفور وهو
الذي يكثر منه الكفران فيكفر مرة يعد مرة ويبادر في الكفر نسأل الله
العافية والسلامة. وهذا يستفاد منه أنه يجب على المؤمن حتى يستحق هذا الوعد
الكريم من الله سبحانه وتعالى أن لا يكون خواناً وأن لا يكون كفوراً فإذا
كان وفياً بوعده قائماً بالميثاق الذي عقده مع ربه ومع المخلوقين أيضاً
وكان شاكراً لنعم الله سبحانه وتعالى إستحق هذا الموعود الكريم من الله جل
وعلا. ثم قال الله سبحان وتعالى (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ
بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) قوله
أُذن تدل على أن الجهاد كان محرّماً لأنه ما أذن الله فيه إلا لأنه كان
محرماً من قبل وقد كان كذلك بالفعل. لما كان المؤمنون بمكة كان قد حُرم
عليهم الجهاد في سبيل الله ولم يؤذن لهم به إلا عندما استقلوا وصارت لهم
دولة وأيضاً لما صارت لهم دولة واستقلوا وبدأت تتكون لهم قوة لم يؤمروا
بالجهاد مراعاة لحال الضعف الذي كانوا فيها بل أذن لهم به في أول الإسلام
أو في أول العهد المدني وهذا الإذن ليس عاماً قال (أُذِنَ لِلَّذِينَ
يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) يعني فمن قاتلكم أيها المؤمنون في أول
عهدكم بالمدينة فإن الله قد اذن لكم أن تردوا عليه فتقاتلوه. وهذه الاية
كما يقول العلماء هي أول آية نزلت في الجهاد. أباح الله للمؤمنين أن
يجاهدوا من قاتلهم من الكافرين ثم تطور أمر الجهاد بأن أمر الله عز وجل أن
نقاتل من قاتلنا وأوجبه علينا ثم انتهى أمر الجهاد بأن أوجبه الله سبحانه
وتعالى على المؤمنين فقال (فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ
فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ
وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ
وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ
إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (5) التوبة). إذن نستفيد من هذه الاية بأن
هذه المرحلة من مراحل الجهاد وكانت في اول العهد المدني وهنا ياتي سؤال مهم
هل هذه المرحلة منسوخة؟ فنقول إنها منسوخة وليست منسوخة، منسوخة في حق
أقوام وليست منسوخة في حق آخرين فمن كان حاله كحال رسول الله صلى الله عليه
وسلم بعد فتح مكة من القوة والتمكن فإن هذه الآية منسوخة في حقه ولا يجوز
له أن يعمل بها ومن كان حاله كحال رسول الله من الضعف في بداية الدولة
الإسلامية في العهد المدني فإن هذه الآية باقية في حقه. ومن كان حاله كحال
المسلمين في مكة في ضعفهم وتمكن عدوهم منهم وقلتهم وعدم وجود دولة تحميهم
فإن هذه الحالة لم يؤمروا بها بعد بل يجب عليهم أن يتركوا الجهاد حتى يقووا
وحتى يكون لهم دولة وتكون لهم فيئة ثم بعد ذلك يتدرجوا في مراحل تشريع
الجهاد لهم كما حصل للمسلمين الأوائل وهذا ما أجاب به شيخ الإسلام ابن
تيمية من سأله عن هذه الايات هل هي منسوخة أو باقية. قال الله عز وجل
(وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) هذا وعد من الله سبحانه
وتعالى فأنتم أيها المؤمنون إذا قاتلتم فيما أباح الله سبحانه وتعالى لكم
من القتال وأمركم به من الجهاد فإن الله سبحانه وتعالى ينصركم ويؤيدكم وهو
قادر على ذلك ولاحظوا كيف جاءت قوله (وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ
لَقَدِيرٌ) مؤكَّدة بعدد من المؤكدات (إنّ، على نصرهم، لقدير) هذه لتؤكد
للمؤمنين أن النصر واقع لا محالة. ثم قال الله عز وجل مبيناً حال هؤلاء
المؤمنين الضعفاء الذين يستحقون النصر من الله سبحانه وتعالى (الَّذِينَ
أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ) أي ظُلِموا والمظلوم له دعوة
لا ترد والله سبحانه وتعالى يجيب دعوة المظلوم. فهؤلاء المظلومون قد بُغي
عليهم وطغى الكفار في حقهم، أخرِجوا ليس من ديار الكفار وإنما من ديارهم
التي هي لهم حقاً وصدقاً. (بغير حق) أي ظلماً وعدواناً. (إِلَّا أَن
يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ) أي ليس لهم ذنب أُخرجوا بسببه إلا أنهم قالوا
ربنا الله فلم يعتدوا ولم ينتقصوا حق الكفار ولم يظلموا أحداً من عباد الله
ولكنهم صدعوا بالحق وجهروا به وآمنوا بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم
فهؤلاء حقيقون بالنصر. وهذا يبين لنا أن النصر من الله سبحانه وتعالى إنما
يأتي عندما نلتزم أوامر الله ونتقي الله حق التقوى فلا نظلم أحداً من عباد
الله ولا نتعدى شيئاً من حدود الله (وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ
يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا (120) آل عمران). قال (وَلَوْلَا دَفْعُ
اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ
وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا) يبين
الله عز وجل لنا في هذه الاية سنة المُدافعة وهو أنه يجب علينا أن نقوم
بالجهاد حتى ندفع عدوان المعتدين ولا يبقى للكفر يد علينا وعلو على أهل
الإسلام. ثم أكد الله عز وجل وعده الكريم بقوله (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ
مَن يَنصُرُهُ) فإن الله سبحانه وتعالى قد قطع على نفسه وأقسم بأن سينصر من
ينصره. ثم أكد ذلك بإسمين كريمين له جل وعلا مبيناً أنه هو القوي وهو
العزيز الذي يمنع عباده من كل ظلم فقال (إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ).
اللهم انصرنا بنصر من عندك. اللهم أعز الإسلام والمسلمين وصلى الله وسلم
وبارك على نبينا محمد والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: موسعة برامج القران الكريم متعدد الحلقات   الخميس 6 مايو 2010 - 14:58

الحلقة 24

د.
الربيعة:
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب
العالمين وصلى الله سلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. حياكم الله
في جلسة من جلساتنا المباركة في برنامجنا لنحيا بالقرآن ومع سورة كريمة من
سور هذا القرآن العظيم ومن قصار سوره، وهي سورة الكافرون. يقول الله سبحانه
وتعالى (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴿١﴾ لاَ أَعْبُدُ مَا
تَعْبُدُونَ ﴿٢﴾ وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴿٣﴾ وَلاَ أَنَا
عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ ﴿٤﴾ وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴿٥﴾
لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴿٦﴾). لو تأملنا في هذه السورة في تسميتها
بالكافرون ونداء الله عز وجل هنا للنبي صلى الله عليه وسلم (قُلْ يَا
أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴿١﴾ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) فإننا نلحظ
ظاهراً أن هذه السورة تتحدث في موقفنا من الكافرين


د.
الخضيري:
ومن معبوداتهم

د.
الربيعة:
والمفاصلة التامة بيننا وبينهم

د.
الخضيري:
وأنهما لا يلتقيان مهما طال الزمن وتغيرت
الوسائل وتعددت الخطان لا يمكن أن يلتقيا


د.
الربيعة:
إذن هذه السورة كما ذكر ابن القيم رحمه
الله هي في البراءة من الكافرين ومن دينهم وعباداتهم.


د.
الخضيري:
ولذلك يسميها العلماء سورة الإخلاص بمعنى
أنها أخلصت العبادة لله جلا وعلا فلا أحد يُعبد إلا الله سبحانه وتعالى.
ولعل هذا هو السر في أننا أمرنا بقراءتها في مواطن متعددة هي وسورة الصمد
وهما سورتا الإخلاص، تقرآن في ركعتي نافلة الفجر وتقرآن في الركعتين بعد
المغرب وتقرآن في آخر صلاة يصليها الإنسان في ليلته في ركعتي الوتر وفي
ركعتي الطواف وتقرأ عند النوم وتقرأ سورة الصمد عند النوم. هذا يدلنا على
أنها سورة من سور التوحيد العظيمة.


د.
الربيعة:
بمعنى أن الإنسان حينما يكررها ويقرأها
في بداية يومه وفي نهاية يومه وفي بدء ليله ليجدد التوحيد والإخلاص


د.
الخضيري:
ونحن بحاجة لئن نجدد التوحيد ونجدد
الإخلاص في قلوبنا وفي نفوسنا وفي حياتنا ولهذا نوجه رسالة لا تظن أنك
بإيمانك الأول قد انتهى كل شيء وبتوحيدك الأول قد انتهى كل شيء أنت بحاجة
لئن تجدد التوحيد في كل يوم. نلاحظ المؤذن يرفع الأذان كل يوم لا يسبح الله
ويحمده إنما يؤكد على معنى التوحيد فيقول (الله أكبر الله أكبر، اشهد أن
لا إله إلا الله ثم يختم بلا إله إلا الله) تجديداً للتوحيد وتأكيداً له
لأننا بحاجة لئن نجدد التوحيد.


د.
الربيعة:
قد يتساءل المستمع في الفرق بين سورة
الكافرون وسورة الصمد في سر اجتماعهما والفرق بينهما في كونهما سورتي
الإخلاص


د.
الخضيري:
الذي يظهر والله أعلم أن سورة الكافرون
هي في توحيد العبادة لله عز وجل يعني التوحيد العملي لله، يعني عملك لا
يكون إلا لله، صومك، صلاتك، استغاثتك، خضوعك، ذلك، إخباتك، حجك، صدقتك،
برك، إحسانك، كله لله عز وجل.


د.
الربيعة:
يعني إخلاص العبادة لله عز وجل.

د.
الخضيري:
أما سورة الصمد فهي سورة الإخلاص بمعنى
أنها هي خالصة في ذكر الله عز وجل لا يشارك الله عز وجل أحد فيها فهي وحّدت
الله في ألوهيته وفي ربوبيته وفي أسمائه وصفاته. في سورة الكافرون هي في
الإخلاص العملي وسورة الصمد في العلمي الاعتقادي. فأنت أيها المسلم عندما
تؤمن بسورة الصمد وتصدق فيها فإنك قد أسلمت حقاً لله ولم تشرك مع الله
أحداً سواه ولذلك نلاحظ أن الشارع جعل قراءتها بثلث القرآن (وهذا سيأتي
الحديث عنه)


د.
الربيعة:
هذا يدعوننا ونحن في هذا الوقت الذي
تقاربت به أمم أهل الأرض وتداخل أهل الديانات بعضهم مع بعض أننا بحاجة أعظم
الحاجة اليوم في تحقيق هذه السورة.


د.
الخضيري:
نعم هذا صحيح، لأنه نجد هناك من يدعون
إلى وحدة الأديان ويقولون اليهودية والنصرانية والإسلام كلها أديان سماوية
فلماذا لا نوحّد بينها؟ ولماذا لا نجمع بينها؟ فنقول كيف تجمع بين التوحيد
والشرك؟! واحد يقول الله ثلاثة وواحد يقول الله واحد، هل يمكن أن يلتقيا؟!
لا يمكن. لأنهم قد اختلفوا في أصل الدين. الآن لم يختلفوا في الصلاة هل هي
الثانية عشر أو الواحدة، لم يختلفوا في الصوم هل هو في شعبان أو رمضان، لا،
ولم يختلفوا في الحج هو هو في ذي القعدة أو في محرم، لكنهم اختلفوا في ما
هو أعظم من ذلك هل محمد رسول أو ليس برسول؟. أما النصراني واليهودي فلا يقر
برسالة محمد، هل الإله واحد أو متعدد؟!


د.
الربيعة:
وهذا يجعلنا نرجع إلى السورة نفسها في
سببها. السورة نفسها في تقارب الأديان سبب ذلك أن المشركين حينما رأوا قوة
النبي صلى الله عليه وسلم في دينه ونفوذه وتأثيره واتساعه قالوا لا سبيل
لنا إلا أن نلتقي معه نتقارب معه يكون بيننا وبينه توافق فأتوا إلى النبي
صلى الله عليه وسلم فقالوا نعبد إلهك سنة وتعبد إلهنا سنة. فالنبي صلى الله
عليه وسلم لم يجبهم إلى ذلك جواباً لينتظر وحياً من الله عز وجل فجاءه وحي
من الله عز وجل صريحاً وبمواجهة صريحة مع الكافرين قال (قُلْ يَا أَيُّهَا
الْكَافِرُونَ) لم يقل يا أيها الناس ولا يا قريش أو يا أيها المحاورون،
تصريح في كفرهم قل يا أيها الكافرون بالله كيف نجتمع وإياكم وأنتم كافرون
بالله؟ إذن كل كافر بالله في توحيده لا يمكن أن ألتقي معه.


د.
الخضيري:
بهض الناس يقول هذه مسألة بسيطة فلماذا
أنتم تشددون في هذا الأمر؟ تقولون إن قضية التوحيد هي أخطر قضية وهي القضية
التي نفاصل فيها غيرنا من الأديان فلماذا أنتم تشددون في هذا الأمر؟ الأمر
اسمح من ذلك. وأنا أرد على هؤلاء برد جميل: أنت لا ترضى بهذا لنفسك، يعني
زوجتك التي تزوجتها هل ترضى أن يشاركك أحد ما فيها؟ يقول لا، أبداً لماذا؟
لأنها هي حق لي ولا أرضى أن يشاركني أحد فيها. أولادك، هل ترضى أن يشاركك
أحد فيهم؟ يوقل لا، أبداً لا يمكن، مالك الذي في جيبك أو رصيدك الذي في
البنك هل ترضى أن نتشارك فيه؟ يقول لا أبداً، لماذا؟ لأنها حقوق خاصة لك.
فإذا كانت حقوقك الخاصة لا ترضى أن يشاركك فيها أحد فالله عز وجل حقه لا
يرضى أن يشارك فيه أحد وهو حقه الذي ليس وراءه حق، ليس هناك مجال أن يتنازل
عن الحق أو يعترف أن هؤلاء الذين يعبدون هم آلهة بالفعل أو لهم حق في
العبودية


د.
الربيعة:
لأنه سبحانه وتعالى هو الخالق وهو
الرازق، هو المجيب هو النافع هو الضارّ. هل من إله غير الله عز وجل يدفع
الضر ويحلب النفع؟


د.
الخضيري:
أبداً. ولذلك نقول نحن نؤكد كما أكد في
السورة على أن هناك براءة تامة ومفاصلة تامة بين الإيمان وبين الكفر وأنهما
ضدان لا يلتقيان ولا يجتمعان وأنه من حاول أن يجمع بينهما كمن يحاول الجمع
بين الليل والنهار وكمن يحاول الجميع بين الظالم والمظلوم ويجعلهما شيئاً
واحداً فنقول كذبتم وربي لا يمكن لهذا أن يجتمعوا.


د.
الربيعة:
ولهذا هذه المفاصلة أيضاً ظاهرة في
السورة في كل آياتها. يقول الله عز وجل (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ
﴿١﴾ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴿٢﴾ وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا
أَعْبُدُ ﴿٣﴾) أنا لا أعبد ما تعبدون آلهة غير الله وأنتم لن تعبدون الله
حقاً إلا أن تتجردوا الألوهية له وتخلصوا العبادة له، إذن لا يمكن ذلك، كيف
هم سيعبدون الله سنة مع آلهتهم فهل تتحقق عبوديتهم لله إله النبي صلى الله
عليه وسلم؟


د.
الخضيري:
لا تقبل العبادة لله إلا إذا كانت له
وحده دون أحد سواه.


د.
الربيعة:
ثم يعيد مرة أخرى فيقول (وَلَا أَنَا
عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ (4) وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5))
القارئ يقول ما هذا التكرار؟ هذا التكرار مقصود في تأصيل هذه القضية
وتأكيدها في النفس وإن كنا نلحظ فرقاً بين المعنيين فهل يمكن أن تبينه لنا؟


د.
الخضيري:
العلماء ذكروا أن الأوليين مختلفان عن
الأخريين. فبعض العلماء يقول (لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) (39)) هذه
في المستقبل فيما ياتي من زمن بعد ذلك ، (وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا
عَبَدتُّمْ (4) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (5)) هذه في الماضي يعني لم
يحصل ذلك ولن يحصل. وبعضهم عَكَس المعنى وبعضهم قال الأولى في الآلهة
والثانية في العبادة يعني لا أعبد آلهتكم ولا أعبد كعبادتكم والمقصود من
هذا كله تأكيد هذا الأمر وبيان أنه لا التقاء بين الإيمان والكفر لأنهم كما
أنهم لا يؤمنون بالله ولا يوحدونه فكيف نرضى أن نلتقي معهم في شركهم نسأل
الله العافية والسلامة. وبهذه المناسبة تحضرني قصة جميلة حصلت للمسلمين في
القرون الأولى يقال إن يهودياً كان في بغداد يطوف على المساجد يقول يا أيها
الناس هل تؤمنون بموسى؟ فيقول الناس نعم، نؤمن بموسى، فيقول حسناً، هل
تؤمنون بعيسى؟ فيقول الناس نعم نؤمن بعيسى، فيقول حسناً أما نحن اليهود
فنؤمن بموسى وأما عيسى فلا نؤمن به، ويقول لهم هل تؤمنون بمحمد؟ فيقول
الناس نعم نؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم فيقول ونحن اليهود لا نؤمن بمحمد
أيها الناس دعونا نجتمع على الذي اتفقنا عليه وهو موسى وندع ما اختلفنا
فيه وهو عيسى ومحمد، لبّس على الناس وجاء بشبهة ليلبّس على الناس. قالوا
فما زال يطوف بالمساجد ويحير الناس بسؤاله ذلك فمرة دخل أحد المساجد فقام
رجل من عقلاء المجانين وعقلاء المجانين هؤلاء أناس عندهم ذكاء لكنه بصورة
مخالفة لما هو معتاد وعنده تصرفات مضحكة ولكنهم يأتون بإجابات سديدة فقام
إليه في أحد المساجد وقال يا هذا من موسى الذي تدعونا إلى الإيمان به؟ هل
هو موسى بن عمران الذي بشّر بمحمد أو غيره؟ قال لا، موسى بن عمران الذي لم
يبشر بمحمد، قال هذا والله لا نؤمن به قال فكأنما فُرج على الناس فقاموا
وضربوا ذلك اليهودي حتى كاد أن يموت.


د.
الربيعة:
انظر كيف تكون الحجة في بيان الحق.

د.
الخضيري:
وهذا يدلنا على أنه لا التقاء بيننا
وبينهم. ولا يمكن أن نلتقي معهم حتى يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وحتى
يوحدوا الله فلا يقولوا عُزير ابن الله ولا المسيح ابن الله ولا يثبتوا
الألوهية لأحد من دون الله عز وجل.


د.
الربيعة:
تأمل في تمام السورة تأتي المفاصلة مرة
أخرى فيقول الله عز وجل فيها بلسان محمد صلى الله عليه وسلم (لَكُمْ
دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)


د.
الخضيري:
دينكم خاص بكم وديني خاص بي لا أشارككم
في دينكم ولا تشاركونني في ديني.


د.
الربيعة:
في التوحيد والعقيدة لا يمكن أن يكون
هناك لقاء أما في التعامل فيما بين المسلمين وغيرهم فهذا أمر بيّنه الشرع
فهناك خطوط التقاء في التعامل وفي المصالح والتجارات وغيرها أما في العقيدة
والتوحيد فلا لقاء ولا التقاء.


د.
الخضيري:
ولذلك قال الله عز وجل في سورة الممتحنة
(لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ
وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا
إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8)) فبينت أن من لم
يقاتلنا ولم يعتدي علينا يجوز أن نبرّه ونحسن إليه ونعامله بالحسنى أما من
أساء واعتدى وظلم أهل الإسلام فإنه لا يجوز لنا أبداً أن نمد يد الرحمة له
لأنه كافر بالله ولأنه لم يحسن إلى أهل الإسلام.


د.
الربيعة:
نعرض بمثال الآن كثير من المسلمين قد
يخالط كافرين في عمله أو في مجتمعه أو ربما يسافر إلى بلاد الغرب نريد منهج
عملي في التعامل مع هؤلاء.


د.
الخضيري:
لا شك أن المسلم لا يبدأ بالعدوان على
غيره ويقدم بيان الحجة والأخلاق الفاضلة ويحرص على أن يكون مسلماً بسمت حسن
ويبين أخلاق الإسلام ويجتهد في ذلك ويقصد بذلك دعوة غير المسلمين. فنقول
كل من لم يسئ إلى المسلمين ولم يتبين ويظهر من حاله أنه لا عدوان لا سوء
منه على المسلمين فإنه المسلم يعامله بالحسنى ويتقي الله عز وجل بذلك ويقصد
بذلك دعوته إلى الله جل وعلا. وأما من كان محارباً للمسلمين وظالماً لهم
ومعتدياً عليهم فإن هذا ليس له عندنا إلا السيف ما لم يكن المسلم ضعيفاً
فإذا كان ضعيفاً فإنه يجوز له أو يورّي أو يتقي كما قال الله عز وجل (لاَّ
يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ
الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ
إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ
وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ (28) آل عمران)


د.
الربيعة:
إذن نلحظ أن هذه السورة العظيمة سورة
الكافرون تعطينا منهجاً ربانياً في التعامل مع الكافرين منهجاً في اننا لا
لقاء بيننا وبينهم في التوحيد والعقيدة أما بالنسبة للتعامل فهذا له أحكامه
في الشريعة إنما ينبغي أن نأخذ هذه السورة في واقع حياتنا نجدد بها
توحيدنا لله عز وجل في عباداتنا كلها فلا يكون شيء من عباداتنا في صلاة أو
في صوم أو في نفقة أو في تعامل إلا لله عز وجل خالصاً. ولنسلك هذا المنهج
إنه منهج رباني عظيم يجدد لنا التوحيد والإخلاص الذي نسأل الله عز وجل أن
يحققه لنا في حياتنا كلها ونسأله أن يحيينا على الإخلاص ويميتنا على
الإخلاص ولنا بإذن الله عز وجل لقاء في مجالس أخرى. نستودعكم الله وصلى
الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: موسعة برامج القران الكريم متعدد الحلقات   الخميس 6 مايو 2010 - 14:58

الحلقة 24

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على
خيرالمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فهذا هو المجلس السادس عشر من
برنامج أضواء المقاطع ونحن الآن في الجزء السادس عشر من القرآن وفي سورة
الكهف تحديداً وفي الآية 103، يقول الله سبحانه وتعالى فيها (قُلْ هَلْ
نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ
سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ
يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ
رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (105) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا
كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (106) إِنَّ الَّذِينَ
آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ
نُزُلًا (107) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (108)). في
هذه الآيات يبين الله سبحانه وتعالى لنا قوماً من الكفار حالهم أنهم
يجتهدون في العمل ويظنون أنهم باجتهادهم يحسنون صنعاً وما دروا أن الله
سبحانه وتعالى لم يقبل منهم لا صرفاً ولا عدلاً ويقابل ما عملوه بأن يجعله
هباء منثوراً كما قال في سورة الفرقان (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا
مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا (23)). هؤلاء القوم وصفهم
الله بقوله (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) فهم
أصيبوا بالضلال فهم كانوا يسعون وكانوا يجتهدون وكانوا يبادرون إلى أعمال
كثيرة ولكنها مع كل أسف لم تكن متوجة بالإيمان ولم يرد بها طاعة الرحمن ولم
تكن على منهاج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وبذلك خسروا تلك الأعمال
وشقوا في الحياة وضل سعيهم الذي سعوه. لقد سماه سعياً مما يدل على أنهم
كانوا جادين في عملهم وكانوا بهذا السعي يستحقون أن يجازوا ولكن هذا السعي
لما فقد شرطه الأساس وهو الإيمان بالله وتوحيد الله سبحانه وتعالى لم يقبل
منهم شيء من ذلك العمل الذي تقدموا به أو تقربوا به. قال الله سبحانه
وتعالى مبيناً حال هؤلاء الأخسرين أعمالاً (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)
إذن قد يظن الإنسان أنه يحسن صنعاً ولكن لا ينبغي للإنسان أن يظن أن مجرد
نيته الطيبة أو ظنه أنه يحسن صنعاً أنه كاف في بلوغ الأجر والوصول إلى
الحال الحسنة التي يحبها الله. إنك لن تبلغ رضوان الله ولن تكون على منهاج
الله حتى تطيع الله وتطيع رسوله صلى اله عليه وسلم وتؤمن بالله وملائكته
وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره وتقوم بالأعمال التي
أوجبها الله عليك ولا تظن أن صدقاتك وزكواتك وأعمالك وبرك وصلتك ستؤجر
عليها عند الله سبحانه وتعالى فإن هذا كله لا ينفعك كما قال الله عز وجل في
سورة البلد (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ﴿١١﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا
الْعَقَبَةُ ﴿١٢﴾ فَكُّ رَقَبَةٍ ﴿١٣﴾ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي
مَسْغَبَةٍ ﴿١٤﴾ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ﴿١٥﴾ أَوْ مِسْكِينًا ذَا
مَتْرَبَةٍ ﴿١٦﴾ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا
بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ﴿١٧﴾ أُولَئِكَ أَصْحَابُ
الْمَيْمَنَةِ ﴿١٨﴾) فهؤلاء هم الفائزون. وكذلك قال الله عز وجل (وَمَنْ
أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ (19) الإسراء)
لا بد من الإيمان، إذا لم تأت بهذا الشرط الذي تزكو به الأعمال والذي هو
شرط قبولها عند الله سبحانه وتعالى فإن سعيك يضل ولا ينفعك يوم أن تلقى ربك
وتلقى الجزاء عليه في الدنيا لكنك في الآخرة لن تحصّل منه شيئاً. قال
(وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) هل هذا مراد به
المسلمين؟ لا، هذا يراد به الكفار بدليل قوله سبحانه وتعالى (أُولَئِكَ
الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ
أَعْمَالُهُمْ) كانت لهم أعمال حبطت لأنهم كفروا بآيات ربهم وكفروا بلقاء
الله عز وجل ولم يؤمنوا بالله واليوم الآخر. كما سألت أم المؤمنين عائشة
رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ابن جدعان وكان رجلاً
كريماً محسناً يفك العاني ويغيث الملهوف ويطعم الجائع فقالت أنافعه شيء من
ذلك يا رسول الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنه لم يقل يوماً رب اغفر
لي خطيئتي يوم الدين. قال (فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ) أي ذهبت فلم يلقوا
من جزاء تلك الأعمال شيئاً لأنهم جاؤوا بها بغير شرطها الذي أراده الله
سبحانه وتعالى من كل عامل. قال (فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
وَزْنًا) يعني يكونون في ذلك اليوم قد خفّت أوزانهم قال الله عز وجل (فَمَن
ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102) المؤمنون)
وقال (فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ
رَّاضِيَةٍ (7) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ
هَاوِيَةٌ (9) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ (11)
القارعة) فبيّن الله عز وجل أنه لا يقيم لهم وزناً أي لا يزنون عند الله
شيئاً. والميزان يوم القيامة توزن به على الصحيح من أهل العلم الجامع لكل
الأحاديث والآيات الواردة في هذا الباب أنه يكون للعامِل وللعمل وللصحيفة
فالعامِل يوزن والعمل يوزن والصحيفة التي كتب فيها العمل أيضاً توزن ومن
تتبع الايات والأحاديث وجد ذلك واضحاً. وهذه الآية قال الله تعالى فيها
(فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا) يكونوا خفيفي الوزن
إذا وضعوا على الميزان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي
أخرجه البخاري ورواه أبو هريرة رضي الله عنه "إنه ليأتي الرجل العظيم
السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة وقال اقرأوا إن شئتم (فَلَا
نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا). ولما كان الصحابة يوماً
جالسين عند شجرة فصعد ابن مسعود فبدت ساقه وكانت دقيقة جداً فضحك الصحابة
من دقة ساقه فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنها لأثقل في الميزان من جبل
أُحد. فدلّ ذلك على أن العامل يوزن والعمل يوزن والصحيفة أيضاً توزن.
(فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (105) ذَلِكَ
جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي
هُزُوًا (106)) لاحظوا كيف أن القرآن لا يأتي بالعقوبة مجردة من دون ذكر
الأسباب التي توقع في تلك العقوبة بل تذكر العقوبة ويذكر السبب الموصل إلى
تلك العقوبة كما يذكر الوعد ويذكر السبب الموصل إلى ذلك الوعد الكريم من
الرب العظيم. قال (ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا) أي بسبب
كفرهم ولأنهم (وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا) استهزؤا بالله
واستهزؤا برسل الله صلوات الله وسلامهم عليهم فكذبوهم واتهموهم بالسحر
والشعر والكهانة وبأنهم جاؤوا باساطير الأولين وقالوا فيهم أقاويل يربأ
المسلم أن يتلفظ بها في حق هؤلاء الثلة الأخيار من أنبياء الله ورسله صلوات
الله وسلامه عليهم. لكن يأتي سؤال وهو أن المؤمن يقرأ هذه الايات فيخاف
وأن الصحابة رضوان الله عليهم قد حملوا هذه الايات على بعض المسلمين. نقول
نعم، هذه الآيات تحمل على من شابه الكفار في شيء من أعمالهم فمن عمل عملاً
من الأعمال الصالحة وهو يعمله لا يتقرب به إلى الله فإن عمله ذلك لن ينفعه
وكذلك من عمل عملاً في نظره أنه صالح ولكنه لم يتبع به منهج رسول الله وظن
أن عمله هذا يوصله إلى الله سبحانه وتعالى فنقول له انتبه لئلا تكون من
الأخسرين أعمالاً. وقد حمل بعض الصحابة هذه الآية ونظائرها على الخوارج
لأنهم كانوا يعملون أعمالاً يحقر أحدكم صلاته عند صلاتهم ويقرأون القرآن
ولكنه لا يجاوز تراقيهم كما ورد في الحديث فقد كانوا يتعبدون وانوا يفعلون
افعالاً ولكن من دون علم فضلّوا وأضلّوا نسأل الله العافية والسلامة. ولذلك
حمل بعض الصحابة مثل هذه الآيات عليهم وعلى أمثالهم علماً أن الخوارج لم
يكونوا إلا بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم لما ذكر الله هؤلاء
ذكر في مقابلهم أهل الإيمان على عادة القرآن في ذكر الوعد والوعيد والترغيب
والترهيب وتثنية أحدهما بالآخر فقال جل وعلا (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا)
فبدأ بالإيمان ثم ثنّى بالعمل الصالح مما يدل على أنهما قرينان وأنه لا
يليق بأحد أن يدعي الإيمان دون أن يكون عنده ما يصدق ذلك الإيمان من العمل
الصالح. ولا يجوز لأحد أن يعمل صالحاً دون أن يكون معه سلاح الإيمان الذي
تقبل به الأعمال. ماذا لهم؟ (كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ
نُزُلًا) كأنها من تحقق وقوعها قد صارت ومضت وحكمت وقضي بها لهم علماً
بأنهم لم يملكوها ولم يصلوا إليها بعد ولكن من شدة التحقق وتأكيد الوقوع
قال (كَانَتْ لَهُمْ) وليست لأحد سواهم. (جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا)
وجنات الفردوس هي أعل الجنان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث
الصحيح: ل"إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط
الجنة ومنه تفجر أنهار الجنة". قال (جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا) ضيافة
فالله يجعلها بمثابة الضيافة لهم ولشدة كرامتهم عند الله ولكونهم يكرمون
في كل يوم ويبالغ في إكرامهم جزاء ما قدموه وما فعلوه جُعلت الجنة كأنها
ضيافة يعني ليست مجرد سكن ومستقر بل إنهم يعيشون فيها كالأضياف. ماذا تفعل
بضيفك إذا جاء إليك؟ إنك تكرمه وتحسن غليه وترعى حقه قدر ما تستطيع وتفعل
به كل ما بوسعك من الإكرام والإحترام والتقدير. قال الله عز وجل
(خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا) أي إن الله كتب لهم
الجنة وكتب لهم ما هو أعظم من الجنة وهو الخلود فيها. فإنه لو قيل لك إنك
ستدخل الجنة يوماً ثم تموت أو تفنى الجنة، قلت وماذا بعد؟ّ ماذا أنتفع بهذا
الخير إن كان لمدة يوم أو لمدة عام أو عامين أو أكثر أو أقل إذا لم يكن
خالداً باقياً. قال (خَالِدِينَ فِيهَا) وخلودهم هذا من ورائه شيء وهو أنهم
لا يبغون عنها حولا، لا يريدون أن يتحولوا عنها لشدة رضاهم بما آتاهم ربهم
فيها، فهم مطمئنون ومرتاحون وملتذون ومسرورون وهو في كل يوم يزدادون
نعيماً على النعيم الذي يعطيهم الله سبحانه وتعالى إياه. تأملوا في هذه
الاية فإن الله ما ذكرها إلا لأنها تخالف الواقع الذي نعيشه في الحياة، في
الحياة إما أن نؤتى النعيم فنفى نحن نموت وندع ذلك النعيم أو يذهب النعيم
ونحن نراه وهو يفنى أمام أعيننا فتزداد حسرتنا. أما في الجنة فإن نعيمها لا
يزول، شبابها لا هرم بعده ولباسها لا يفنى ونعيمها لا يتحول، لا إله إلا
الله! ثم إنه قال (لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا) الدنيا مهما بلغت في
لذتها وحبورها وجمالها وأعطت صاحبها ما أعطت إن الإنسان يملها ويبغي عنها
حولا يبني البيت فيحسنه ويجمله ويتمه ويفعل به كل ما يشتهيه فإذا سكنه ملّ
منه ثم طلب بيتاً آخر أما في الجنة فإن أهلها لا يبغون عنها حولا. أسأل
الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من أهلها. اللهم اجعلنا من أهل الفردوس
الأعلى من الجنة. اللهم اجعلنا ووالدينا ومن نحب وجميع المسلمين من أهل
الفردوس الأعلى من الجنة. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد والسلام
عليكم ورحمة الله وبركاته.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: موسعة برامج القران الكريم متعدد الحلقات   الخميس 6 مايو 2010 - 14:59

لحلقة 23

د.
الخضيري:
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله
والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. هذا المجلس هو
المجلس الثاني والعشرون من مجالس هذا البرنامج المبارك "لنحيا بالقرآن".
ستلاحظون في هذه الحلقة أننا سنكون مع سورة قصيرة ولكن معانيها وما فيها من
الوقفات قوي جداً. وستلاحظون أننا سنحتاج إلى وقت طويل من أجل أن نستوعب
ما في هذه السورة من معاني. وهذا يدلنا على أن القرآن فيه من الخير ما
يستوعب كل حاجات البشر. اليوم وقفتنا بإذن الله عز وجل مع سورة الكوثر حيث
يقول الله سبحانه وتعالى (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ
لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3)) هذه السورة
كما تسمعون وتقرأون مكونة من ثلاث آيات فهي أقصر سورة في القرآن من حيث
تعداد الآيات. ولكن انظروا إلى ما فيها الخير الكثير يكفي أن اسمها الكوثر
والكوثر يدل على الخير الكثير، يدل على ذلك النهر الذي أعطاه الله سبحانه
وتعالى لنبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم في الجنة وهو نهر عظيم نسأل
الله سبحانه وتعالى أن يوردنا إياه. وفي الوقت ذاته يدل كما يقول كثير من
المفسرين على الخير الكثير الذي أوتيه محمد صلى الله عليه وسلم. وقد شرحنا
في سورة الضحى بعض الخير الذي أوتيه محمد صلى الله عليه وسلم حيث قال الله
تعالى له مطمئناً لما أوحِش قلبه أن ربه قد ودّعه وقلاه قال الله
(وَالضُّحَى ﴿١﴾ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ﴿٢﴾ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا
قَلَى ﴿٣﴾ وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى ﴿٤﴾ وَلَسَوْفَ
يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴿٥﴾) هذا بعض الخير الذي أعطاه الله لرسوله
صلى الله عليه وسلم. وهنا يقول له الله جل وعلا (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ
الْكَوْثَرَ) هذه السورة نزلت أيضاً تسلية لقلب النبي صلى الله عليه وسلم
لما سبّه المشركون وعنفوه وآذوه بألسنتهم وقال له بعضهم كما ورد في بعض
أسباب النزول إن محمداً أبتر يعني لا يولد له بنون يكونون من بعد يُبقون
ذكره.


د.
الربيعة:
لما مات ابنه عبد الله

د.
الخضيري:
فهم أرادوا أن يحطموا رسول الله صلى الله
عليه وسلم وينالوا منه فقال الله عز وجل لهم لقدأعطيناك الخير الكثير يا
محمد فانشغل بعبادة ربك، صلِّ لله، وانحر لله ولا تلتفت لهؤلاء الشانئين
فهؤلاء هم المبتورون ولست أنت المبتور. وبالفعل بقي ذكر رسول الله وبقي
اثره وبقي المحبون له وانتشر دينه وذهب أولئك إلى الجحيم، ذهبوا إلى لا شيء
فلا يذكرهم أحد ولا يعرفهم أحد ولا يذكرون بخير في الناس


د.
الربيعة:
إذن هذه السورة سورة امتنان من الله على
نبيه صلى الله عليه وسلم. امتنان وتسلية، تسلية حينما شنيء منه المشركون
وذلك الشقي الذي شنأ منه حينما مات ابنه عليه الصلاة والسلام وهي امتنان من
الله على نبيه بان أعطاه الخير الكثير. وهذا الامتنان الذي أعطاه الله
لنبيه صلى الله عليه وسلم هو امتنان من الله تعالى لأمته حينما منح الله
تعالى نبيه وخصّه بهذا النهر العظيم وخصّه بهذا الخير الكثير الذي منحه
إياه ومنحه أمته فما أحرانا أن نرتبط بهذه السورة حقاً إنها موضع إرتباط
لهذه الأمة.


د.
الخضيري:
موضع ارتباط لرسول الله ولأمته لأن كل من
أخذ بدين رسول الله ناله من ذلك الخير بقدر ما أخذ. وهذه فيها وقفة جميلة
جداً وهي بقدر ما تأخذ من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يصيبك الخير
ويفتح الله لك من طيب النفس وانشراح الصدر وسعة الرزق وحسن الذكر ولسان
الصدق بقدر ما تأخذ من ذلك الخير, فالذي أوتيه رسول الله خير كثير فالناس
أمام هذا الخير مستقلون ومستكثرون. فهناك أناس يأخذون برفق أو يأخذون شيئاً
يسيراً فيصيبهم من الخير بقدر ما أخذوا. وهناك أناس يخوضون في هذا الخير
فيأخذون منه شيئاً كثيراً وهذه جعوة لنا جميعاً أن نأخذ من علم رسول الله
وأن نأخذ من هذا الهدي الذي أنزل على رسول الله وأن نأخذ من السنة التي
أبقاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا، أن نأخذ منها ونأخذ بها ونستمسك
بها فيسؤتينا الله من الخير بقدر ما أخذنا من ذلك الخير.


د.
الربيعة:
هناك معنى يقابل ذلك وهو أنه مهما شنأ
بنا أعداؤنا واستهزؤا بنا وسخروا منا فأنت أيها المؤمن حينما يستهزئ بك أحد
فإن الله تعالى قد أعطاك خيراً كثيراً.


د.
الخضيري:
يعني لا يصيبك اليأس والقنوط أو تصاب
بحالة من الاكتئاب بسبب كلمة ألقيت عليك.


د.
الربيعة:
أعطاك الله الإسلام والهداية واللغة
وأكرمك أن جعلك من عباده.


د.
الخضيري:
كنت مرة في أمريكا فكان عندي مجموعة من
الطلاب أدرسهم قصار المفصل وبعض السور التي يحتاجونها لما رأيتهم يعانون
عناء شديداً من نطق الحروف العربية في اول ايام تعليمهم، فقلت لهم بكم
تشتري لساني هذا؟ قال أحدهم أنا أشتريه بكل ما أملك وقال الثاني أنا اشتريه
بالدنيا وما عليه، وقال الثالث يا شيخ إتق الله هذا اللسان ليس له مثال في
الدنيا فقلت والله إن هذا لخير كثير من الله سبحانه وتعالى أعطانا إياه
قبل أن نسأله إياه وهذا من فضل الله علينا. واليوم أقول لإخواني قد زهد
الناس بهذا اللسان وصاروا يتعلمون لغة الأعاجم ويدعون اللغة العربية لا
يتعلمونها وهم من أهلها مع الأسف وهي لغة القرآن.


د.
الربيعة:
لو تأملنا في السورة يقول الله عز وجل
(إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) هذا افتتاح عظيم فيه معاني عظيمة هل
يمكن أن يفتح الله عليك بمعنى من المعاني في هذا الافتتاح؟


د.
الخضيري:
لا شك أن في قوله (إنا) تعظيم لهذا الذي
أعطيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الله ما نسبه إلى نفسه إلا وهو
عظيم عنده. فالله قد أعطى رسوله هذا القرآن فهو عظيم فمن أخذ بالقرآن أخذ
بشيء عظيم. وكذلك أعطاه هذا الدين وهو عظيم ومن أخذ بهذا الدين فقد أخذ شيء
عظيم.


د.
الربيعة:
إذن الآية فيها عِظم المُعطي والمُعطى
والعطاء. المُعطي الله سبحانه وتعالى والمعطَى النبي صلى الله عليه وسلم
والعطاء هو الخير


د.
الخضري:
هذا الخير الذي أوّله الوحي وآخره شرائع
الإسلام وهذه السنن وهذه الشرائع التي جعلها الله عز وجل رحمة للعالمين.


د.
الربيعة:
ومن هذا العطاء ما قاله النبي صلى الله
عليه وسلم أن الكوثر هو نهر أعطانيه الله عز وجل في الجنة لأنه خُصّ به
النبي عليه الصلاة والسلام.


د.
الخضيري:
لعلنا ننتقل إلى قول الله عز وجل
(فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ). كما في سورة قريش لما ذكر الله عز وجل
النعم على أهل مكة قال (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3)) وهنا
لما ذكر الله العطاء العظيم لرسول صلى الله عليه وسلم قال يا محمد قابل هذا
العطاء بأن تصلي لربك وتنحر. (فَصَلِّ لِرَبِّكَ) صلِّ له مخلصاً له الدين
وانحر. وعندي في هذا وقفات. الأولى كيف بدأ بالصلاة؟ لأنها أجلّ الأعمال
وأعظمها قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الصلاة خير موضوع فمستقل ومستكثر"
وأنا أقول عظِّموا هذه الصلاة واعتنوا بها وأقيموها فأنه لم يؤمر بها في
القرآن إلا على وجه الإقامة (أقيموا الصلاة، المقيمين الصلاة، أقاموا
الصلاة).


د.
الربيعة:
وأيضاً في سر الأمر بالصلاة والله أعلم
أنه لما كانت السورة نازلة في تسلية النبي صلى الله عليه وسلم من هذا
الاستهزاء الذي استهزأ به المشركون كانت الصلاة أعظم من تصله بربه وتُذهب
همه فإذا أصابك هم إفزع إلى الصلاة وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه
أمر فزع إلى الصلاة. فهي مناسبة في حال إذا أصاب المسلم هم أو غم أو فزع
أو ضاقت به الدنيا


د.
الخضيري:
وأيضاً الصلاة فيها ميزة عظيمة جداً وهي
أن البدن كله يتحرك بها القلب يخشع اللسان يذكر العين تنظر إلى موضع السجدة
اليد تقبض على بعضها أو توضع على الركبتين، الجبهة والأنف تخضع لله عز وجل
وتمرغ بالتراب بين يدي الله جل وعلا. إذن هي عنوان العبودية ولذلك بدأ
الله بها. يأتي السؤال ما علاقة النحر؟ كإنها مثل الزكاة عندما يقرن الله
عز وجل الصلاة بالزكاة في كثير من المواطن هنا قرن الله الصلاة بالنحر
أولاً تحقيقاً للعبودية والتوحيد وهذا من الجوانب التي أخل بها المشركون
فكانوا يذبحون لأصنامهم وآلهتهم شركاً والعياذ بالله.


د.
الربيعة:
لعل هذا فيه إشارة إلى الاستخفاف بهم
أولئك يذبحون للأصنام والأحجار وأنت يا محمد تذبح لربك.


د.
الخضيري:
والثاني أن النحر فيه منفعة ومصلحة للناس
لأنك إذا نحرت لله عز وجل أطعمت المساكين بخلاف ما ذكره الله في السورة
السابقة عن الذين يكذبون بالدين فإنهم يدعون اليتيم ولا يحضون على طعام
المسكين ويمنعون الماعون أما أنت فأنت تنحر وتعطي كما فعل النبي صلى الله
عليه وسلم في حجة الوداع نحر مائة من الإبل ثلاثة وستين بيده الشريفة
والباقي نحره علي بن أبي طالب ثم تُركت للناس يأخذون من اللحوم ما شاؤوا
وهذا يدل على أن الإسلام لم يأت ليكون ديناً في مسجد أو في محراب أو جلسة
مع مصحف وإنما هو دين للحياة نحن علاقتنا مع الله وعلاقتنا أيضاً مع عباد
الله نتعبد لله عز وجل بأن نطيعه وأن نسجد بين يديه ونتعبد لله وأن نعطي
عباده وأن نحسن إليهم.


د.
الربيعة:
ولعل من المعاني التي تستنبط في قوله
(وانحر) الدلالة على التوحيد فهؤلاء يعبدون غير الله وأشار بالنحر الذي هو
من أعظم أنواع التوحيد والعبادة فقال انحر لربك أي حقق توحيد ربك وصلّ أي
اعبد ربك كما أمرك الله تعالى فإن هذا هو الشرع.


د.
الخضيري:
قال الله عز وجل (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ
الْأَبْتَرُ) ماذا يمكن أن نستفيد من دلالات من خلال هذه الجملة العظيمة
التي ختم الله بها هذه السورة؟


د.
الربيعة:
هذا الختام هو بعد أن ابتدأ الله عز وجل
الامتنان على النبي عليه الصلاة والسلام بأن أعطاه الخير الكثير وشرّفه
بهذا الفضل العظيم ختم السورة بما هو مناسبتها وكأنه قال لا يهمك أمره بعد
هذا العطاء وهذا الخير هل يليق بالإنسان بعد أن يعطيه الله الخير أن ينظر
إلى أولئك المستهزئون وأولئك الشانئون وأولئك الساخرون؟! لا والله، كفى به
شرفاً وعزاً وقوة أن يكون على هذا الدين. ختام السورة في قوله (إِنَّ
شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ) كأنه قال الله عز وجل لا تأبه بهم فإن الله
سيقطع أمرهم وشأنهم هو الأبتر هو الأقطع، هل في معنى الأبتر معنى في
الاستهزاء بهم والسخرية منهم؟


د.
الخضيري:
لا شك أنهم استهزأوا برسول الله في شيء
ورد الله استهزاءهم عليهم ورد كيدهم في نحورهم فجعلهم هم المبتورين. يعني
وإن كنتم تملكون الإعلان والدعاية والمنصب والملك والقدرة على التأثير على
الناس فإن كل ما تفعلونه سينقطع ويندثر ويذهب وسيبقى رسول الله. وانظر إلى
الوعد الذي تحقق من الله سبحانه وتعالى فإن وعد الله لا بد أن يتحقق ولا
يمكن أن يُخلف وعد الله أن يبترهم فبترهم ووعد الله أن يرفع ذكر محمد صلى
الله عليه وسلم فرفع ذكره حتى إننا اليوم نشاهد أن ذكر رسول الله صلى الله
عليه وسلم لا ينقطع من الأرض طرفة عين. في الأذان فقط الآن الأذان لا ينقطع
من الأرض يدور في الأرض دوراناً. هناك الآن أناس في هذه اللحظة يؤذنون
الظهر والآن هناك أناس يؤذنون العصر والآن هناك أناس يؤذنون المغرب والآن
هناك أناس يؤذنون العشاء وأناس يؤذنون الفجر وفي كل أذان رفعة لمحمد صلى
الله عليه وسلم فكل واحد منهم يقول أشهد أن محمداً رسول الله، هذا بالأذان
فكيف بأنواع الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم!. هل هذا خاص برسول
الله؟ ليس خاصاً برسول الله بل من سلك مسلك رسول الله وقام بدين الله فإن
شانئه ومبغضه والكائد له هو الأبتر هو الذي سنقطع وهو الذي سيزول ملكه
وتذهب دولته وبذهب شرفه ويبقى شرف هؤلاء الدعاة. وانظر إلى شرف دعاة
الإسلام في قديم الزمان وفي حديثه يكثر أعداؤهم ويؤذون ويودعون السجون، شيخ
الإسلام ابن تيمية مات وهو في السجن وخرجت جنازته من السجن، أين هم الذين
سجنوه؟ من يعرفهم؟ الذين وشوا به أين هم؟ ذهبوا وبقي ذكر ذلك الرجل الذي
نصر سنة رسول الله


د.
الربيعة:
وهذه الآية في ختام البرنامج تعطينا
درساً عظيماً أن أولئك الشانئون لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يمثلون
بصوره اليوم كأمثال الدانمارك وغيرهم سيبترهم الله وسيقطعهم بإذن الله عز
وجل.


د.
الخضيري:
ونحن واثقون من ذلك. كانت المعاني
المستنبطة من هذه السورة على قلة آياتها كثيرة جداً ولو أردنا أن نأخذ من
ظلالها ونأخذ من معانيها ومن هداياتها ونجمع ذلك فإننا لا نستطيع ذلك في
حلقة ولا حلقتين ولا أكثر ولكن يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق. أسأل الله
عز وجل أن ينفعني وإياكم بكلامه وكتابه وصلى الله وسلم على نبينا محمد
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: موسعة برامج القران الكريم متعدد الحلقات   الخميس 6 مايو 2010 - 14:59

الحلقة 22

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف
الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فهذا هو
المجلس الخامس عشر من هذا البرنامج المبارك أضواء المقاطع في هذا المجلس
نأخذ مقطعاً من الجزء الخامس عشر من كتاب الله الكريم ومن سورة الإسراء
تحديداً من الآية 23، يقول الله جل وعلا (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ
تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا
يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل
لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا (23)
وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ
ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا
فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ
غَفُورًا (25)) هذه الاية جاءت من ضمن آيات الوصايا في سورة الإسراء.
وآيات الوصايا في سورة الإسراء تبدأ من قول الله عز وجل (لاَّ تَجْعَل مَعَ
اللّهِ إِلَـهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولاً (22)). افتتحت
هذه الايات آيات الوصايا في سورة الإسراء بأمر التوحيد والتأكيد عن النهي
عن الشكر وختمت كذلك بقول الله عز وجل (ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ
رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلَهًا آخَرَ
فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا (39)) وهذا يدلنا على شديد
العناية بأمر التوحيد وأنه أمر عظيم عند الله سبحانه وتعالى فبه تفتتح
الأعمال وبه تختتم. ثم ثنّى الله عز وجل بعد ذلك بأن ذكر بحقه وحق الوالدين
لعظم حقهما فقال مفتحاً هذه الاية بقوله (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ
تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) ومعنى قوله
قضى أي أوجب وحكم وأوصى (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ
إِيَّاهُ) أي اعبدوه وحده ولا تشركوا معه أحداً سواه. (وَبِالْوَالِدَيْنِ
إِحْسَانًا) أي قضى أن يُحسن إلى الوالدين ولاحظوا كيف أن الله سبحانه
وتعالى لم يأمرنا بأن لا نسيء إلى الوالدين ولم ينهنا عن العقوق وحده بل
أوجب علينا أن نحسن إلى والدينا والإحسان مرتبة زائدة عن النهي عن العقوق.
فقد يترك الإنسان عقوق والديه فلا يسيء إليهما ولا يضرهما بشيء ومع ذلك لا
يكون مطبقاً لما جاء في هذه الاية وهو أن يُحسن الإنسان إلى والديه فيوصل
إليهما البر والخير ويعطف عليهما ويدعو لهما ويبذل تجاههما كل ما يستطيع.
قال (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ
وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) ومن هذا يتبين أن مراتب الناس بالنسبة
للوالدين ثلاثة: المرتبة الأولى مرتبة المحسنين وهم الذين أدوا ما أوجب
الله عز وجل عليهم في كتابه بأن برّوا آباءهم وقدموا إليهم الخير وأطاعوهم
وامتثلوا أوامرهم وفعلوا ما بوسعهم مما يسمى براً وإحساناً. والقسم الثاني
على الضد من ذلك وهم من عقوا والديهم وإساؤوا إليهم فضربوا وسبوا وشتموا
وبخلوا وعصوا ولم يستجيبوا والقسم الثالث وهم برزخ بين هؤلاء وهؤلاء وهم
الذين لم يعقوا ولم يحسنوا والله سبحانه وتعالى إنما أمر بالإحسان. فإذا لم
يأت الإنسان لوالديه بالإحسان فإنه لا يكون ممتثلاً للأمر ويكون مخالفاً
لمقتضى هذه الاية الكريمة. ثم بيّن الله عز وجل صورة من صور هذا الإحسان
فقال (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا)
هذه المرحلة من مراحل عمر الوالدين هي المرحلة التي يحتاج فيها الوالدان
إلى الولد ولذلك خصها بالذكر وإلا فإن الإحسان إلى الوالدين لا يقتصر على
مرحلة معينة بل يجب على الإبن أن يحسن إلى والديه في كل الأحوال فقال
(إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا) في
تلك المرحلة مرحلة الضعف والوهن وقلة الحيلة وضعف التدبير وكثرة الأمراض
ووصول الأبوين إلى سن الهرم بل والخرف أحياناً مع الأعياء الشديد وغير ذلك
مما يحصل لمن رق عظمه ولان جسمه وأصبحت تنتابه الأمراض. قال (إمَّا
يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَر) لاحظوا قوله (عندك) يعني أن الأصل فيهما
عندما يكونان كبيرين أن يكونا عندك لا عند أحد سواك، ليس في الملجأ وليس
عند الأجنبي عنهما أو القريب لهما غير ابنهما بل عندك قال (إِمَّا
يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا) لا تظن أنك
تبلغ البر بأن تحسن إلى أحدهما وتدع الآخر وتقول أنا أكتفي بأحد الوالدين
وأدع الثاني بل يلزمك أن تحسن إليهما جميعاً وأن تقوم بحقهما جميعاً وأن لا
تقصر أياً كان ما يحتاجوه سواء كانت الأم تحتاج إلى البر وإلى الإحسان
أكثر أو كان الأب أو كان كل واحد منهما محتاجاً لذلك منك. قال (إِمَّا
يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل
لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا) وهنا يتبين لنا سر اختيار هذه المرحلة
لتوجيه هذه الإرشادات والأوامر. العادة أن الإنسان لا يستطيع أن يقول
لأبويه أف وهما نشيطان وهما قادران على العمل وهما يرجى منهما خير للإبن
وهما يعقلان ما يقولان ويحسنان التدبير في أمورهما إنما يقول لهما أف عندما
يكونا في حالة الضعف وعندما تضعف عقولهما وتضجر أنفسهما. فيأتي الأب ويطلب
من ابنه أن يفعل أشياء لا يرغب فيها الإبن أو لا يحبها افبن أو يرى الإبن
أنها غير مناسبة له أو لا تليق بحاله مع ابنه أو مع زوجته فتكون هذه من
الأوامر المضجرة وليست من الأوامر المعقولة. مثل أن يقول لك كم بقي على
صلاة الظهر؟ فتقول بقي نصف ساعة ثم بعد دقيقتين يقول كم بقي على صلاة
الظهر؟ فتقول بقي نصف ساعة ثم يقولها مرة ثالثة ويستمر يسألك سؤالاً إثر
سؤال فتضجر وتقول أف ما هذا لماذا تكرر علي السؤال؟! ألا تفهم! في هذه
المرحلة يوصيك الله سبحانه وتعالى أن تثبت وأن تحسن وأن تتجمل بالقول فيقول
(فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ) ينهاك أن تقول أدنى شيء يمكن أن يقال
للوالدين مما يخالف مرتبة الإحسان التي أمرك الله سبحانه وتعالى بها فيقول
(فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ). إذن ليس الحديث عن السب والشتم واللعن ولا
الحديث عن الضرب واللكم واللكز إنما الحديث عن شيء تافه قد يضر بعلاقتك مع
والديك، شيء قد لا يسمعه الأب وقد لا يدركه وقد ينساه لأول لحظة ولكنه لا
يليق بالمؤمن البر الذي يريد أن يبلغ درجة الإحسان ويحقق ما أمر الله به في
القرآن (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا). قال (فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ
وَلاَ تَنْهَرْهُمَا) قال العلماء في جانب القول ذكر أقل ما يمكن أن يقال
وفي جانب الفعل ذكر أدنى ما يمكن أن يفعل وهو النهر والنهر عادة يكون
بأفعال كثيرة لكن من أقلها أن ينفض الإنسان يديه فهذا لون من ألوان النهر.
قال العلماء فلما ذكر أدنى القول القبيح وأدنى الفعل القبيح ذكّر بضدهما
(وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا) لم يقل لا تقل لهم أفّ وسكت عن ذلك، بل
قابل ما يضجرانك به من الأقوال بألا تقل لهما أف وقل لهما قولاً كريماً،
تقول يا والدي بقي على أذان الظهر نصف ساعة، يقول لك كم بقي على أذان
الظهر؟ تقول يا والدي بقي 25 دقيقة، يقول لك يا ولدي كم بقي على أذان
الظهر؟ تقول يا والدي يا حبيبي بقي عشر دقائق، بقي دقيقتان، الآن يؤذن، ولا
نضجر بل تقول قولاً كريماً، غفر الله لك يا أبي بقي كذا، جعلني الله وغياك
ممن يقيمون الصلاة، وقل لهما قولاً كريماً والقول الكريم النفيس الرفيع
الطيب الذي يفيض بالعبارات الجميلة الطيبة والودودة الحنونة التي يحسن
بالإنسان أن يسمعها من غيره ويحسن بالإنسان أن يسمعها لوالديه. ولما ذكر
الفعل القبيح بقوله (وَلاَ تَنْهَرْهُمَا) ذكر أيضاً الفعل الجميل فقال
(وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) يعني لِن لهما وكن
كالأرض الوطيئة مثل الرمل عندما يمشي عليه الإنسان بقدميه لا يشعر بوخز ولا
يحس بشيء من الأذى. (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ
الرَّحْمَةِ) اخفض لهما جناحك هذا الجناح الذي تطير به وتمشي به وتسعى به
اخفضه لهما يعني كن طيعاً كن ليناً كن رهن إشارتهما لا تخالفهما في أمر
يريدانه منك. (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) أي من
شدة رحمتك بهما. (وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا)
سبحان الله! قبل قليل قال (وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا) ألا يكتفى
بذلك؟ لا يكتفى بذلك الآن هما يحتاجان منك الدعاء ويطربان من سماعه من فمك
وهما الآن قد تعطلت أعضاؤهما عن كثير مما كانا يقومان به من العبادة فعليك
أن تكثر لهما من الدعاء (وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي
صَغِيرًا) في هذه اللحظة ترد الجميل الذي أسدياه إليك وكل ما تفعله في
حقهما لن يكون كبيراً ولن يكون كثيراً ولن يكون موازياً لما قدماه لك.
(وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) قل قولاً كريماً
وفي الوقت نفسه أكثر لهما من الدعاء. وهذا يبين لنا إلى أن من أعظم ألوان
البر البر بالقول وهو الذي يخطئه كثير من الناس فقد يحسن الإبن إلى أبويه
فينفق عليهما وقد يحسن فيؤيهما وقد يحسن فيقوم على علاجهما وخدمتهما
ونظافتهما ولكنه يقصر بأن يتكلم معهما بالكلام الطيب الرفيق اللين الذي
يحتاجان إليه. إننا بحاجة لأن نتذكر هذا الأمر ونعمل به (وَقُل لَّهُمَا
قَوْلاً كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ
الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24)).
ثم ختمت الآيات بقوله (رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن
تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا) أي الله
يعلم ما في نفوسكم من إرادة البر إذا كنتم صادقين في ذلك أو إرادة العقوق
وتمني الخلاص من الوالدين فإن كنتم صالحين فإن الله يغفر لكم ما يبدر منكم
من نقصير في حق والديكم وهذا من رحمة الله بنا فإن البر لا يطاق على وجه
الكمال ولا يقدره كل أحد في كل الأوقات ولكن الله يعلم أنك قد تخطئ هذا
البر وليس في نفسك أنك تريد العقوق فالله يقول لك (رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ
بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ
لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا). أسأل الله أن يجعلني وإياكم من البررة الذي
يبرون والديهم في حياتهم وبعد مماتهم أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
موسعة برامج القران الكريم متعدد الحلقات
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 4انتقل الى الصفحة : 1, 2, 3, 4  الصفحة التالية

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات بحر المعارف - www.ifada.ace.st  ::  المنتديات العامة :: من كل بستان وردة نقطفها ... !-
انتقل الى: